]]>
خواطر :
مولاي ، لا مولى سواك في الأعلى ... إني ببابك منتظر نسمات رحمة...تُنجيني من أوحال الدنيا وحسن الرحيل ...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

نحو رؤيةٍ عدليَّةٍ حقيقيةٍ وناجِزة

بواسطة: أشرف محمد اسماعيل المحامى بالنقض  |  بتاريخ: 2013-09-07 ، الوقت: 11:52:10
  • تقييم المقالة:

وجود احدى عشر ألف قاضٍ ليُقيموا العدالة فى دولة تعدادها تسعين مليوناً.. بُمعدَّل قاضٍ لكل احدى عشر ألفاً تقريباً وهذا حسب المعدلات العالمية مصيبة بكل المقاييس .. إذ دولة كألمانيا بها قاضٍ لكل ألفين ..

وهذا يؤكد سبب بطء التقاضى لدينا وتكدُّس القضايا أمام القُضاة لسنواتٍ عديدة .. هذا من ناحية .. ومن ناحيةٍ أخرى فإن القاضى لدينا ينظر بجلسة الجنح مثلاً مايربو أحياناً على الأربعماءة قضية فى جلسةٍ واحدة ومطلوبٌ منه إعمال ضميره فى سماع الدفاع واتاحة الفرصة كاملة له كماوالمدعين بالحق المدنى وربما النيابة فى بعض القضايا .. ولو افترضنا جدلاً حاجة كل هؤلاء لما لايقل عن العشرين دقيقة فى حدها الأدنى الأقرب الى التصوُّر وليس الى العقل ومضامين العدالة ..

كما وعلى الافتراض الجدلى كذلك أن القضايا التى تحتاج لنظرها موضوعياً من دون تأجيلاتٍ سريعة هى ثُلُثى هذا العدد أى ماءتى قضية فإن القاضى يحتاج الى أربعة آلاف دقيقة يُضافُ اليها ثلاثة دقائق لكل قضيةٍ مؤجلة واجماليها ثلاثماءة دقيقة فيكون اجمالى مايحتاجه القاضى لتحقيق الدفاع للمتهمين وأطراف التداعى كما وتسيير جلسته أربعة آلاف وثلاثماءة دقيقة أى واحد وسبعين ساعةٍ تقريباً.. يُضافُ لها فترة المداولة وإعداد الأحكام والتى لايمكن تصور مدتها بأقل من الساعتين ..

معنى هذا وبالمنطق أن القاضى يحتاج لكى يُحقِّق عدالة وبهذه الحسابات البسيطة فى جلسةٍ واحدة لأن تستمر تلك الجلسة مايزيد عن ثلاثة ايام متواصلة من دون رفعها للإستراحة .. الأمر اللذى لايتواءم مع طبيعته البشرية ويحتاج لتطبيقه سوبرمان خارق القُدرات ومن ثم فإن القاضى المصرىبين أحد أمرين ..

إمَّا أن يعمل بصورة أُسطورية ومن دون تحقيق عدالةٍ واقعية بالأساس وهذا يؤثِّر على عمره الافتراضى كقاضى بمايجعل مطالبةالقضاة ببقاء سن تقاعدهم فوق السبعين عاماً وعدم تدعيمهم بدماءٍ جديدة من القانونيين محض هراء وعبثٍ وشعور بالتمايز والاستعلاء والتفرُّد يفتقر لثمة عقلٍ أو منطق أو حتى تحقيق عدالةٍ مُقنِعة ولايتسِق مع مايُفترض فى القاضى من تجرُّدٍ وتواضُع ..

وإمَّا أن يختصر القاضى هذه المدة لعُشرِه افيُضيِّع حقوق الدفاع ومن ثم تضيع العدالة وإحساس الناس بها من ورائها ومنثم يكون القول بشموخ القضاء المصرى وعراقتِه إختصاراً لصحيحِ إقامة عدالةٍ وتحقيق مضامين دفاع يفتقرُ فى نظرى لثمة حقيقةٍ أو واقِعٍ صحيح بل ويحتاج لإعادة النظر فيه وفتح حوارٍ مجتمعى يناقش مدى شعور المواطن بعدالةٍ حقيقيةٍ من عدمه وكذا تصورات الكافة لأجل تحقيق العدالة من دون فزَّاعةالإتهام بالإساءة للقضاء والتى هى فى نظرى سبب ماوصلنا إليه من صورةٍعدليَّةٍ مُخيفة تنال أول ماتنال من الدولة ذاتها من منطلق شعار القضاءالأزلى بأن العدل أساس المُلك..

كما وأقترح وحتى تتحقق رؤيةً عدليَّةً مقبولةً وسط تراجع الشعور بجديَّة تحققها ..  إنشاء درجةٍ قضائيةً هى أدنى من المحاكم الجزئية تقبل الطعن النهائى على أحكامها أمام المحاكم الجزئية كثانى درجة لها وفى القضايا التى هى أقرب لمنازعات الناس  الأقل أهمية أو التى يتفقون عليها مثل اتفاقهم على لجان الصلح العرفية والتى يلتزمون رضائياً بها رغم مخالفة أحكامها فى الغالب لقواعد المنطق أو مقتضيات العقل بل ومن دون عنصرٍ قانونى او حمايةٍ فاعلة  لما تصدره من أحكام ..

تلك المحكمة يُنشأُ لها مقرَّاً بكل وحدةٍ محليَّةٍ يتبعُ لها العديدُ من القرى والنجوع يرأسُها قاضٍ ويُعاونُه أحد رجال الدين العدول من أهل الدائرة وكذا أحد رجال الإدارة فيها .. تلك الدرجةٍ القضائية ستكون أقرب الى موطن حدوث المنازعات ومن ثم يكون الردعُ بنوعيه أقوى وأوقع فى نفوس المجرمين والمجتمع بِأسرِه .. كما ومن شأن علمها بحقيقة الواقعة والنزاع منع عديمى الضمير من المحامين إقناع المحكمة بعكس حقيقة الواقعة والمتهمين بل والمتقاضين معتمدين على جهل المحكمة بها وبهم ..كما وتكون هى أقرب لنزاعات الأفراد وخلافاتهم وكذا تعالج بطء التقاضى بالتقليل من تكدُّس القضايا وتراكمها .. هذه الدرجة القضائية يمكن تمويلها من تقليص مُستحقات القضاة الهائلة رغم قلَّة عددهم..

كما وبإلغاء لجان فض المنازعات والتى لم تفيد العدالة بثمة شىء بينما فتنفق عليها الدولة ملايين الجنيهات .. كما ويمكن توفير ماتتطلبهُ من قُضاة من كل هذا العدد الضخم من القانونيين المتفوقين لدينا بينما فلا يجدون عملا كريماً لهم بينما العدالة فى بلادنا فى أمسِّ الحاجةِ إليهم ..

هذه المحكمة ستكون أقرب فى فلسفتها للجان الصلح الأهلية فى المنازعات المدنية يتفق الطرفانِ للجوء اليها ويلتزمون بماتصدره من أحكامٍ فيما بينهُم .. وبهذا نكون قد وضعنا حداً قانونياً لكل لجان الصلح العرفية والتى خرجت بأدواتها وبماتصدره من قرارات عن متطلبات العقل ومقاصد القانون ومن دون عنصُرٍ قانونى أو قضائى .. كما وأن تلك المحكمة كذلك سيُطعن على أحكامها الجنائية أمام المحكمة الجزئية فى الجنح بينما الجنايات فتخرج عن اختصاصها ..

وقد يقولُ قائل وما الجديد من إنشاء تلك الدرجة بينما فمن الممكن زيادةأعضاء القضاة فقط لمعالجة الأمر .. كما ومن شأن انشائها زيادة فى بطء التقاضى بإنشاء درجة جديدة .. نقول العبرة ليست فى زيادة أعضاد القضاة فحسب بل بقرب القاضى من طالبى الخدمة العدلية وحياتهم ومن مسرح الواقعة ومواضيع التداعى بل ومن شأن هذا القرب تحرى الحقيقة ومعرفة ظروفها وترسيخ فكرة العدالة بوجدان المواطن عن قرب منه ومن حياته كما ومن شأنه تفعيل نظرية الردع بنوعيه ..

كما ومن شأن وجود تلك الدرجة التخفيف من كم القضايا المنظورة أمام المحكمة الجزئية والتى باتت تعنى بتحقيق الشكل أكثر من تحقيق الموضوع ومن ثم باتت العدالة محققة شكلاً من دون موضوع .. لكن بوجود هذه الدرجة تكون قد أفسحت مجالاً للمحاكم الجزئية كمحكمة طعن لأحكام تلك الدرجة الجديدة فى مواد الجنح كما وتوفير قضاة محاكم الجنح المستأنفة لتدعيم دوائر المحاكمات الجنائية بُغية انشاء درجة استئناف للأحكام الصادرة فى الجنايات ليكون التقاضى فيها على درجتين كما الجنح ..

كما وأن كل تلك الطموحات المرجوَّة من انشاء تلك الدرجة القضائية الجديدة لاشك قد فشلت لاريب فى تحقيقه المحاكم الجزئية والتى يُمثِّلُ فيها أربعة قضاة مضمون العدالة لمايربو على الماءة ألف مواطن ويزيد بينما فليسوا بقريبين من طالبى الخدمة العدلية .. اولئك اللذين باتوا يستعيضون عنها فى منازعاتهم للجان العرفية والأهلية والتى يغيب عنها مقاصد القانون وفلسفة القضاء فى ذاتِه..


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق