]]>
خواطر :
اسقيني كاس من رحيق ذكرى وجودك ... لا تتركيه يجف ،كلما جف الكأس ازداد الحنينُ...و لا يطفي شعلة الفؤاد سوى كأس الحنين...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

على قبر أمّي

بواسطة: عزيزة محمود خلايلة  |  بتاريخ: 2013-09-06 ، الوقت: 17:09:53
  • تقييم المقالة:
إهداء إلى روح أمّي فاطمة عارف عبد الحكيم العيّدة الحرباوي التي انتقلت إلى رحمته تعالى في 10/6/1997 عن عمر يناهز اثنين وخمسين عاماً. على قبر أمّي

 سلام عليك يا أمّي، في حضرة الموت لا تردّ التحيّات، تسير الكلمات باتّجاه واحد، ما أصعب اللحظات التي نستحضر فيها الأموات، ونتكلّم بعشرات العبارات، ولا نسمع نبض الإجابات، ما أصعب الوقوف عند قدميك لإلقاء التّحيّات، وإهداء القبلات.

اللهمّ إنّ أمّي عبدتك وابنة عبدتك، كانت تشهد أن لا إلاه إلّا أنت، اللهم اغفر لها وارحمها، وعافها واعف عنها، ولقِّها الأمن والبشرى والكرامة والزّلفى، اللهمّ إن كانت محسنة فزد في حسناتها، وإن كانت مسيئة فتجاوز عن سيّئاتها، اللهمّ اغسلها بالماء والثّلج والبرد، ونقّها من الخطايا كما نقّيت الثّوب الأبيض من الدّنس، اللهمّ وسع مدخلها، وارزقها الجنّة، وأبدلها أهلاً خيراً من أهلها، وداراً خيراً من دارها، وجيراناً خيراً من جيرانها، اللهم لا تحرمنا أجرها، ولا تفتنّا بعدها، واغفر لنا ولها. أعرف يا أمي أنّك رحلت وقلبك معلّق ببيتك وزوجك وأولادك وبناتك وجيرانك، وأحفادك الذين كانوا صغاراً جدّا؛ لأنك استعجلت الرّحيل، لن أكذب عليك؛ لأنّك كنت تحّذّرين من الكذب، وسأنقل لك الصّورة شفّافة كما تحبين، ولسوء حظّي سأتحدّث ولا تتحدّثين.

جئتك يا أمّي لأخبرك أنّنا خلعنا باب بيتنا القديم، وصرنا نفتح البوابات بالكهرباء، وجدّدنا نوافذ البيت، ولكنّ زجاج نوافذنا انكسر بعدك آلاف المرّات، يا أمّي ما أصعب الكلمات.

سراجنا القديم قد بدلناه يا أمّي، وأنرنا بالكهرباء كلّ الغرفات، ووسّعنا الصّالات، وما بين العمارات وضعنا كشّافات، لكن يا أمّي لا أعرف لماذا تضاعفت في بيتنا الظّلمات؟ كما تتضاعف في كلّ البيوت التي ترحل عنها الأمّهات.

  تزوّج أبي امرأة جديدة، وهي امرأة طيّبة ومتديّنة، لكن بينك وبينها بعض الفروقات، فصورتها لا تشبه صورتك، ولا يشبه صوتها صوتك، ففي طبقات الصّوت بعض الفروقات، ولا يشبه قلبها قلبك، فهناك فرق في عدد النبضات.

أمّي لم نعد نركب مواصلات، بالمناسبة توفي الحاج منير سائق باص سبتة، واختلفت استخدامات الباصات، وتغيّر اسم الشّارع، واشترى إخوتي بضع سيارات، وأنشأنا لها في ركن المنزل بضع مصفّات، لم نعد نمشي يا أمّي، ومع ذلك زاد وجع الطّريق، وأرهقتنا المسافات، واتّسعت مساحات الآهات.

لم نعد نكتب الرّسائل لمن يسافر، ولا ندبج له الخطابات، وأزيل الصّندوق الأحمر من أمام بريد الخليل، وصار عندنا ما يسمّى هواتف نقّالة، وبريد إلكتروني، وصفحات إلكترونيّة مزوّدة بكاميرات، كلّ يوم نحدّث من سافروأ، ونرى حتّى محتويات موائدهم، وأصدقاؤنا على الفيس يعرفون أخبارنا قبل أن يعرفها أخوتنا وأولادنا في الغرف الأخرى، بتنا نستخدم الهاتف النّقال للاتّصال بإخوتنا وأولادنا في الغرف المجاورة، لم نعد نميّز يا أمّي هل قلّت أم تضاعفت بيننا المسافات؟

يا أمّي زوجك وأولادك يقتاتون الذّكريات،ّ هل تذكرين ذلك الشّتاء؟ كيف خرجت وإخوتي لنلهو بالثّلج، وعدنا و(جرابيننا) قد تبلّلت، وكنتِ قد أشعلت (وابور الكاز) لنتدفّأ، ووضعتِ عليه قطعة حديد مُثقّبة، فوضعت (جرباني) فوقها لأجفّفه، فاشتعل، وفرح إخوتي بضوء شعلة اللهب، وضحكنا يومها كثيراً، ودخلتِ أنت وأبي فجأة، وأصلحتماِ كلّ شيء ، ولم تثر ثائرتكما، لم تكن أمّي وأبي كسائر الأمهات والآباء الذين يثورون لأتفه الأسباب، لكنّهما قدّما شرحا وتوضيحأ كثيرا، أمّي منذ رحلت لم يعد في حياتنا من يغفر الأخطاء، وضجّت حياتنا بمن يضخّم الأخطاء، كعريف الصّف يدوّن الأسماء، ويتحدّث عن جبل، والحقيقة ليست أكثر من بضع حصيّات، ويصنع فيلاً من خنفساء.

أبي وإخوتي يسهبون في الحديث عن طهوك للطّعام، وكلّما طبخنا صنفاً، افتقدنا تفننك في أبسط الأكلات، بعدك اختلفت نكهة الطعام وأدواته، أعتذر لك يا أمّي لأنّ الوعاء الفخّاريّ الذي كنت تستخدمينه لمرس اللبن قد انكسر (المعجنة ) واقترح إخوتي أن نشتري آلة كهربائيّة (مولنكس) بدّلنا كلّ أوعية الطّهي، ولكن تبدّل الطعم  والرّائحة، والأنس أثناء تناول الطّعام، والدفء، والتّجمع، تقلّبت القلوب يا أمّي، غاض الماء، وخفّت مساحته، وتبدّلت نواميس كوننا، وطغت مساحة اليابسة، على كرتنا الأرضيّة.

أستودعك الله يا أمي، وأستأذنك بالرّحيل، لن آخذك معي لأنني أخاف عليك، فالنّاس ما عادوا كما كانوا زمان، واختلف الجيران، واختلف الأهل، وتبدّلت الوجوه، وتقلّبت القلوب، وتفشّى القتل واختفى الأمن والأمان، وطغى الحذر، وغلّقت الأبواب، وخوّن الأمين، وأُمّن الخائن، واختلفت العلاقات، فالجدّ الذي كان يصول ويجول، ؤيقرّر صار أحياناً كالملك المخلوع بلا سلطان، أو في جمعيّة الإحسان، وكذلك العمّ والخال فقدوا الحكم والصّولة والصّولجان، وصار الموت بالمجان، والزّنى بالمجان، والقتل بالمجان، والكذب سبعة ألوان، فهو أسود في آذار، وأبيض في نيسان. كانت مدينتنا تضجّ إذا مات شخص، ويترحم عليه القاصي والدّاني، صارت تموت مدن ودول، وتسحق شعوب، وتتراكم الأشلاء، ولا يتحرّك ساكن، ولا يقلق إنسان، أمّي نامي في حفظ الرّحمن، فشبح الحرب يدنو، ويختفي شبح الإنسان، ولا أريك أن تموتي مرّتين.
عزيزة محمود خلايلة
مشرفة اللغة العربية/ مكتب تربية الخليل

Email : azizah_m2012@yahoo.com                                                                 أعلى النموذج أسفل النموذج

                                                                                               

 

 

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق