]]>
خواطر :
رغم إني أخاف من الغرق ، عقدة تلازمني منذ الصغر...أتمنى الغرق في بحر ذكرى هواك...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

ملتقى الأدباء العرب(القصة القصيرة)

بواسطة: لطيفة خالد  |  بتاريخ: 2013-09-06 ، الوقت: 04:25:26
  • تقييم المقالة:

قصة النيرفانا (للكاتب والناقد الخضر الورياشي ورد عليها من الكاتبة لطيفة خالد.)


 

لا زلْتُ أنظُرُ إليك يا ولدي الحبيب طفْلاً صغيراً ، لم يكبرْ يوماً في عيْنيَّ ، ولنْ يكبر ولو صار رجُلاً!!
ما زالتْ صورتُك البعيدة ، وأنتَ في المهد قطعة لحمٍ صغيرةٍ ، ضئيل الحجم ، ومُغْمضَ العينين ، وتُوَأْوِئُ بصوْتٍ ضعيفٍ ، تبحثُ عن صدْرِ أمك .. تستقِرُّ في ذاكرتي...
وما زالَ حبْوُكَ ، وأولى خُطواتك في المشْي ، تَدُبُّ بإيقاعاتها في قاع جُمْجمتي...
وما زالت لحظاتُ انتباهي إليك ، وأنت تلجُ دورَةَ المياه ، وأصغي إليك ، تلعبُ في المياه ، وبفُرْشاة أسناني ، وأخافُ أن تقع في يديك شفرةُ الحلاقة ، وأُطِلُّ عليك ، فأجدُ وجْهك مُلَطَّخاً برغوة الصابون ، ومعجون الأسنان ، والمياهُ تُشَرْشِرُ ، ولم تصُبّْ قطرةً واحدةً على قذارتك...
وما زالَ خوْفي عليك لم يتوقَّفْ منذ أن خرجْتَ أول مرَّةٍ إلى الشارع ، كي تلعبَ الكُرةَ مع أقرانِكَ من أبناء الحارةِ ، فخشيتُ أن تسقُطَ على قطعة زجاجٍ لا تلْحظُها ، أو تدوسَ بقدمك على مسمارٍ لا تراه...
ما زلْتُ أذكر يومَ أن أخذْتُ بيدك إلى المدرسة ، ورافقْتُكَ حتَّى جلسْتَ في مقعدك ، وجعلْتُك تطمئنُّ إلى معلِّمِكَ ورفاقك...
وما زلْتُ أتذكَّرُ كثيراً من أوقات فرحك ، وأوقات حزنك .. وأوقات غيابك عن المنزل ، وانتظاري لك ، بقلقٍ ، لبعض الوقت ، وعتابي لك وأنت غيْرُ راضٍ...
ما زلْتُ أذكرُ فرْحتي الكبيرة حين رأيْتُ رَسْمَكَ الأول على الورق ، واكتشفْتُ أنك ولدٌ موهوبٌ في الرسم ، وأنَّ مستقْبلاً زاهراً ينتظرُك في هذا الفَنِّ...
ما زلْتُ أذْكُرُ خِصامي مع أمِّكَ بسبب توجيهي لك إلى ميدان الرَّسْمِ ، وحِرْصي أن تكون فيه مُبْدِعاً مثل الرسامين الكبار ، ونفقتي عليك بما أستطيع ولا أستطيعُ ، لأني كنتُ مُؤْمناً ببراعتك وعبقريتك...
وكُنْتَ كذلك ، ورسمْتَ لوْحاتٍ فاتنةً ، وصوَّرْتَ صُوَراً بديعةً ، بلغْتَ فيها حدَّ الاعجاز ، إلى درجة أنني الخبيرُ في هذا المجال ، سكَتُّ عن أي كلامٍ ، علامةَ الرِّضا والانبهار... 
ولم أكنْ وحدي راضياً عنك ، ومنْبَهِراً ؛ وإنما أساتذتُك أيضاً ، ومُشاهدو لَوْحاتك...
وما زلْتُ أتذكَّرُ ، ولكنِّي ، هذه المرة ، أريدُ أن أنسى ، ولا أقدرُ ، يومَ سمِعْتُكَ تصرخُ مثل حيوانٍ جريحٍ ، وتتنتفضُ في سريرك ، وتشكو من نيرانٍ شديدةٍ في بطنك ، وحملْتُكَ إلى المستشفى ، وحاولَ الأطباءُ أن يسْعفوكَ ، ويغسلوا معدتَكَ ، لكنَّ السموم التي أكلتها وشربْتها قضتْ على زهرة شبابك ، و أذْبلتْ عُمْرَكَ وفَنَّكَ إلى الأبد...

 

لَهْفي عليك يا ولدي !!

 

قدْ أخذَتْكَ منِّي المرْأَةُ والكأْسُ .. المرارَةُ والخَبَثُ ؛ وكانا الدَّاءَ الخَفِيَّ الَّذي لمْ ألْحَظْهُ في عيْنيْكَ ويديْكَ ، وانتبَهْتُ بعدَ فواتِ الأوانِ ؛ حينَ شاهدْتُ رسْمها ضمْنَ رُسوماتكَ ، وهو الرَّسْمُ الوحيدُ الَّذي كرهْتُهُ !!
ما زلْتُ أذكُرُكَ يا ولدي الحبيب ، وأذكرُ رَسْمك ، واسْمكَ ، وفنَّك ، وحياتَك التي أراها في لَوْحتِكَ الأخيرة ، حيثُ تبدو داخلَها في ذلك الثَّوْبِ الأبيضِ الشَّفيفِ ، تُداعِبُهُ ريحٌ خفيفةٌ ، غيْرُ مرْئيَّةٍ ، وحمائمٌ بيضاءُ تحيطُ بك من فوق ومن تحت ، وتخْفقُ بأجنحتها حواليْكَ ، وكأنها تريدُ أن تنْقُلكَ إلى مكانٍ بعيدٍ ومجهولٍ ...

 

 

واقترحْتُ عليك أن تُسَمِّيها (النِّيرْفانا) ، وأذْعنْتَ لاقتراحي لآخر مرَّةٍ ، وكانت وصِيَّتُكَ لي أن أبيعها بأغْلى ثمنٍ...
اطمئنْ يا بُنَيَّ ، فأنا لن أُفَرٍّطَ في تُحَفِكَ كلِّها ، ولن أبيعَ (النيرفانا) بكل مال الدُّنْيا ؛ فإنِّي أراكَ فيها ليل نهار!!

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

 

 

وقلت تعقيبا" على القصة وللأمانة مدّقّقة من الزّميل "

 

الخضر الورياشي"......

 

للوحة الأخيرة أو (النيرفانا) . (قراءة وتعليق : لطيفة خالد) .

 

 

 

لوحةٌ بقيت من أثر فنانٍ موهوبٍ ، قضى نحْبه من سمومٍ

 

 

 

دخلت بطنَه ، وحرمته الحياة ... ووالدٌ بكاه حتى الرّمق

 

 

 

الأخير .. وحده كان يعرف أنّ ابنه رسامٌ قدير ... وكان

 

 

 

يشّاركه أفراحه وأحزانه... ورافقه مشواره ثانية بثانية ،

 

 

 

من المهد الى اللّحد ... رحم الله الرَّسامَ ولا أقول إنه رحل

 

 

 

؛ بل بقي حاضراً في لوحاته ، وفي (النيرفانا) ، اللوحة

 

 

 

الأخيرة التي رسمتها ريشتُه . وجدانياتُ كاتبٍ اسمه

 

 

 

(الخضر الورياشي) سّخر قلمه ، ليرسم بكلماته الخالدة

 

 

 

حالةً إنسانية عميقة . ولولا ذكرها بقلم الزّميل ا

 

 

 

الخضر لاندثر ذكْرُ الرسام ولوحاته ... ها هو القلم

 

 

 

يُثْبتُ للمرة البليون بعد المليون أنه رسالة تحمل أمانة ...

 

 

 

الحمد لله الذي أنعم علينا بنعمة ا

 

 

 

الكتابة ، ونقل أحاسيس النّاس ، وأوجاعهم ، وأحزانهم ،

 

 

 

بأساليب مختلفة … لتبقىالحقيقةُ كالشّمس ، وليبقى

 

 

 

 

 

أثرُ كل ابن آدم مرَّ على الأرض ... هكذا تتوالى الأزمانُ ،

 

 

 

ونتداولُ الأيامَ ، ونحقق أجمل سنة في الحياة ...

 

 

 

                                                                                                           -الكاتب المغربي الخضر الورياشي  ----                           -الكاتبة اللبنانية لطيفة خالد

 

                                                                       لغتناتجمعنا  


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق