]]>
خواطر :
قالوا الصبرُ علاج للآلام... فزادت صبرُ السنين للجراح آلاما...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

لماذا لم يتكَرَّرْ عبد الحليم حافظ ؟!

بواسطة: الخضر التهامي الورياشي  |  بتاريخ: 2013-09-05 ، الوقت: 15:20:51
  • تقييم المقالة:

عبد الحليم حافظ ، ليس عبد الحليم حافظ (حافي) ؛ وإنَّما هو كمال الطويل ، ومحمد الموجي ، وبليغ حمدي ، ومحمد عبد الوهاب ، ومنير مراد ...

هو حسين السيد ، ومأمون الشناوي ، ومرسي جميل عزيز ، ومحمد حمزة ، وصلاح جاهين ، وعبد الرحمن الأبنودي ، وأخيراً نزار قباني ...

هو حلمي حليم ، وحلمي رفلة ، وهنري بركات ، وحسن الإمام ، وعاطف سالم ، وحسين كمال ...

هو شادية ، وفاتن حمامة ، وأحمد رمزي ، وعماد حمدي ، ومحمود المليجي ، وعبد السلام النابلسي ، وحسن فايق ...

هو علاقاته الذكية ، وصداقاته المُميَّزة مع كبار الصحفيين ، والمثقفين ، والأدباء ، والشعراء ...

هو الكوْكبُ الذي يدورُ حولَ هذه النجوم ، وتدورُ حولَهُ ، في مجموعة فنِّيَّةٍ كبيرةٍ ، يضيءُ بعْضُها البَعْضَ ...

هو عصرُه الفريدُ ، والغنِيُّ بالأحداث الطبيعية ، الذي خرج فيه الناسُ من آثار حربين عالميتين ، وتحرَّروا من نيْرِ الاستعمار ، وأرادوا أن ينهضوا بحياتهم وأوطانهم ، في جميع الميادين ، ابتداءً من ميدان السياسة ، والاجتماع ، والعمران ، إلى ميدان الثقافة ، والابداع ، والفن ...

هو تلك الشعلَةُ التي حملَها الرُّواد الأوائلُ ، في كلِّ مجالٍ ، وكلٌّ في اختصاصه ، وفيما يُحْسِنُ من عملٍ ، فكان رفاعة الطهطاوي ، ومحمد عبده ، وقاسم أمين ، وكان سيد درويش ، وعبده الحامولي ، وكان نجيب الريحاني ، ويوسف وهبي ... ثم جاء تلاميذتُهم ، وتسلَّموا منهم الشعلة ، وزادوها نوراً ، ووهجاً ، وبريقاً ، ما زالَ يضيءُ في بيوت كثيرٍ من الناس ...

عبد الحليم حافظ كان يُغَنِّي ؛ لأنه كان يريدُ أن يعبِّرَ عن قلوب الناس ، ويُشْعرهم أنَّ عواطفهم ليست عيْباً أو نُقْصاً في إنسانيتهم ، وكان يفرحُ بفرحهم ، ويحْزنُ لأحزانهم ، ويَسْعدُ حين يجدُ نفسه رسولاً للعاشقين ، وأغانيه رسائل متبادلة بينهم . ولمْ تكن الشهرةُ تعنيه بالدرجة الأولى ، ولا المالُ يشغلُه في المقام الأول ، وإلاَّ لاكتفى بالكثير الذي حصلَ عليه في سنوات مجْدِه المبكِّرَةِ ، واستثمرهُ في مشاريع أخرى ، غير مشروعه الأثير إلى كيانه ، وصرفَ عائداته على صحَّتِهِ التي هدَّها المرضُ ؛ فهو قد واصل الغناءَ بينما (البلهارسيا) تَقْتاتُ من كبده ، وتمتصُّ رحيق حياته ، وختم مشواره الفني بتغريدة البجعة : (قارئة الفنجان) !!

وكاتبُو الأغاني لم يكونوا يحتفظون بقصائدهم في محْفظاتهم ، ويدورون بها على المطربين في شُقَقِهم ، والحاناتِ ، يعْرضونها عليهم ، وينتظرون من يدفع أكثر ، بل كانوا يكتبونها بصدْقٍ ومعاناة ، وتخرج من أعماقهم مع الدموع والعرق ، ويظلون بعدها محْتارين منْ يكون الأصلح لها والأنسب ؛ فليس كلُّ أغنية يؤديها أي مطربٍ ، وتصلُ إلى قلوب الناس ، وتلقى الحفاوة والنجاح !!

والملحنون لم يكونوا تُجَّارَ ألحانٍ ، يملكون خزائن الأنغام ، يمُدّون إليها أصابعهم كيفما اتفقَ ، ويسكبونها على الكلمات ، فتلتصقُ بها الْتصاقاً ، ولا يهُمُّ أن يُدنْدِنَ بها مطربٌ أو مطربةٌ ؛ فالذكر كالأنثى ، كما نرى اليومَ !!

بل كانَ اللَّحْنُ يأتي بعد جُهْدٍ ونصَبٍ ، ويناسبُ الكلمات أشدَّ المُناسبة ، بحيث يستحيلُ أن تُبدلَّ فيه أيُّ جُمْلَةٍ موسيقيَّةٍ ، ويخْتَصُّ به مُطربُ محدَّدٌ ، ويصْعُبُ أن ينتقلَ إلى غيره ، ولو ماتَ فجْأَةً ...

والجمهورُ نفْسُهُ لم يكنْ كالسَّيْلِ المنهمر ، يتدفَّقُ على المسارحِ بجنونٍ وفوضى ، ولا يعرفُ كيف يهْدأُ ويسكُتُ ، بل كان جمهوراً مُحْترماً ، واعياً بالكلمة واللحن ، ومتعلَّقاً بأداءِ المُطربِ ، وعزْفِ أعضاء الفرقة الموسيقية ، فكان يعبر عن كل حالة فنّْيَّةٍ تعبيراً مناسباً ، فإذا غنَّى المطربُ أغنيةً حزينةً خيَّم الحزنُ على الجميع ، وإذا غنَّى أغنية فرحَةً طار الجميعُ بالفرحة .. بل وإذا انفردَ عازفٌ بترديدِ تقاسيم على آلته الخاصَّةِ ، أصغى إليه الجمهور باهتمامٍ وتذَوُّقٍ ، واستحسنوا عزْفه المنفردَ ، وصفَّقوا له .. وللفرقة .. وللمطرب في النهاية ، وليس في البداية والوسط .

رحم الله أيام زمان .. أيام الفن الجميل .


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق