]]>
خواطر :
ما الحياة الدنيا إلا أمواج في مد و جزر مستمر... أرحام تدفع و تراب يبلع...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

انكسر الزّجاج.

بواسطة: عزيزة محمود خلايلة  |  بتاريخ: 2013-09-03 ، الوقت: 08:48:41
  • تقييم المقالة:
انكسر الزّجاج

     كان زجاج نافذتنا برّاقاً ولمّاعاً وشفّافاً، لم يسمع أحد بمثل شّفافيّتة، كان يتلألأ نوراً، وكنّا نرى من خلفه، ألواناً لا حدود لها، ونعانق البساتين  وشعاع الشّمس،ونحضن حبّاً، وقلباً، ودرباً جميلاً حلواً، صحونا اليوم من نومنا، فرأينا الزّجاج مكسوراً، لم يتفتت، لم ينزل قطعاً، لم تتناثر شظاياه، لا تتساءل لأنّ سؤالنا عمن كسره لا فائدة منه ترجى، ولا تحزن؛ لأنّ الحزن لا يعيد عجلة الزّمان، هناك  شيء في النّفس، في الكبرياء، في الدّاخل مات، هناك جنديّ بات الآن مهزوماً مدحوراً، يلملم ذخيرته، وينكمش في المقعد الخلفيّ لقطار المهزومين، ويرى كلّ شيء خلف الزّجاج مكسوراً.

      ستعتاد عيوننا مع مرور الوقت، عندما تنظر من نافذتنا على رؤية كلّ الأشياء مكسورة، ومع مرور الوقت سنستغرب، إن شاهدنا وردة بلا شرخ، أو خضرة بلا شرخ، أوحتّى  قطّة بلا شرخ، أوغزالاً يعدو في الحقل بلا شرخ، أو إنساناً بلا شرخ، الشّرخ سيضرب كلّ الأسماء، وكلّ الأرقام، وكلّ الأشياء.

    حتّى لو أعدنا الشّخوص، والزّمان، والمكان، والكلمات، حتّى لو أعدنا تلك  التمثيلة، فاللحظة ذاتها لن تعود، يخطئ من يعتقدون أنّنا نعيد الأحداث، حين يزور نفس الأشخاص نفس المكان، حتّى لو تساوت كلّ المتغيرات فإنّ اللحظة نفس اللحظة، لا تعاش مرّتين.

     أنا لستُ نبيّاً ، ولست شيطاناً، ولكنّي شخص ستتمنّى لو عدت تراه من خلف الزّجاج، دون أن ترى فيه شرخاً قويّا، لا يمتلك البشر القدرة على إزالته، أو تقليل طوله أو عمقه، حتّى الله عندما اطّلع عليه قال: كان على الله حتماً مقضيّاً.

       الآن أستطيع أن أؤكّد لك أننا لن نفترق، وأنّك ستراني حيثما التفتّ، وسأسير معك في نفس الطّريق، ولكن سيجلدك الزّجاج طوال الطّريق، وستصبح بلا رفيق، وستتلاشى آمالك، ولن يلوح في الأفق أيّ بريق، سترى أنّ الطّريق بدأت تضيق, وستراني أحمل وردة بلاستيكيّة، وأشمّها، وأعلن أنّ عطرها قد غمرني، فحذار أن تصدّق تلك المسرحيّة.

     أنا وأنت كنّا ينابيع كرامة، في الصّيف كنّا نفيض أنهاراً من عزّة، ونفيض أنهاراً من كبرياء في الشّتاء، ولكنك بالأمس بعت بعض الأشياء، ما أصعب ما أصعب أن نبيع ما تبقّى ونحترف البغاء.

ما أصعب أن تقول إنّهم اليقين الوحيد في حياتك، وما عداهم مشكوك فيه، وأنّهم حقائق في زمن الزّيف والضلالّ والزّيغ، وتكتشف أنّهم ما كانوا أكثر من عملات مزوّرة، ليسوا أكثر من كومة أسماء.

أسماء ماتت وأقيم مأتمها، وأعلن في كلّ الصّحف الرّسميّة، انّها ماتت، وفي المجمّع الخامس، في الطابق السّادس، في غرفة سوداء يتقبّل العزاء، عظم الله أجركم، لله البقاء.

    ما أصعب أن تشعر بأنّك ممسحة، لا ترى الوجوه أبداً، وتتزاحم عليها الأقدام، وتتكالب عليها الأحذية، وتتركها وقد علقت بها أوسخ الأشياء، وصار أنظف منها الحذاء، عندها يصبح الطّعام مثيراً للقيء، ويصبح للماء طعمُ الغثيان، وتصبح الوجوهُ كأحذيةٍ بلاستيكيةٍ هجرها أصحابُها واستبدلوا بها أحذيةً جلدية ًإيطاليةٍ أو أمريكيةٍ..

ما أصعب أن يبيعوك بلا ثمن، وعندما يفتح مزادهم، تكون أنت من يدفع أعلى سعر، ليفوز بهم، ويقتنيهم، كالتّحف القديمة ، كالآثار، التي انتهى وقتها، ولكن حفظت ليراها الزّوار، ويترحّمون على زمن لو عاد لبصقوا عليه، ولعنوه ووصموه بالتخلف، والرّجعيّة.

عزيزة محمود خلايلة
مشرفة اللغة العربية/ مكتب تربية الخليل

Email : azizah_m2012@yahoo.com

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق