]]>
خواطر :
اسقيني كاس من رحيق ذكرى وجودك ... لا تتركيه يجف ،كلما جف الكأس ازداد الحنينُ...و لا يطفي شعلة الفؤاد سوى كأس الحنين...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

كلام عابر ..

بواسطة: Eyad Abdu  |  بتاريخ: 2013-09-02 ، الوقت: 19:01:11
  • تقييم المقالة:

كلام عابر...

نقف قبالة أخطائنا التي بلغت عنان السماء، لا منتهية، تناطح السحاب و تعلى، تملأ القلب الأمرد سقاما مريرة لا يقدر على حملها، تتمدد في النفس كمرض خبيث أصاب الجسد فنخره، وأصابه بجرح عميق فراح يتسحب في ليل مظلم يرجو الحياة..  عرفنا أن الخطأ خطأ منذ تعلمنا حروف الهجاء؛ كنا نكذب و الكبار يكذبون، كان يقال لنا أن لا نتفوه بالكلام القبيح و كانت قواميسهم مملوءة حد السذاجة بتعابير نتنة تفوح من فم كريه.. كان الكبار يغضبون ثم يطلبون منا أن لا نغضب: عجيب أمر هؤلاء الذين يأمرون بالبر و ينسون أنفسهم ! كانوا يعاقبوننا بعد كل خطأ عقابا شديدا، ثم تمضي اللحظات و نعود إلى طفولتنا مسرعين، و لم نؤمن يوما بما يقال لنا؛ لأنهم كانوا ينهوننا عن أفعال يأتون بها، فاعتقدنا بعقولنا الصغيرة أن لو كان ذالك شرا ما سبقونا إليه.. فكنا نكذب و نتفنن في الكذب ـ كنا أذكى منهم ـ و كنا نسرق، و يصدقوا ما نقول لهم.. لما أدركنا سن الشباب اكتسب الخطأ فينا مشروعيته، صرنا نقوم بأفعال مخزية، و لم نكن لنتأثر ذالك؛ عرفنا السينما منذ خرجت أرجلنا من العش، فتتلمذنا أن نكون أبطالا في أفلام حكايانا التي نقصها بعد كل فيلم هندي.. ثم تطور الأمر و عرفنا خفايا الجنس الآخر، و لم نبلغ سن الرشد بعد، و لم يكن صاحب السينما يرفض أن يدخلنا لأنه كان يحب الأطفال؛ و أي حب من سكير لم يعد إلى رشده منذ أدار الشريط الأول... عشنا متشردين؛ و لم يكن أحدنا يعرف للمسجد طريقا لأن الكبار يزرون المساجد في الجمعة و الأعياد و شهر رمضان الكريم.. لما كنت أسمع المعلم في القسم يحدثنا عن الصلاة كان يبدو لي ما يفعله الذين علمونا الخطأ معاكسا تماما لما يقول.. تلك القدوة السيئة أضافت إلى معاني الحياة لديها سوطا لم تكن لتأمن صفعته ذات يوم... هنا بدأنا ندرك أن في الموازين اختلال؛ الفطرة السليمة التي خلقنا عليها و ما تعلمناه في المدرسة يناقض كليا أفعالنا و أقوالنا و كل ما علمنا و عملنا.. رغم ذالك: هل اقلعنا عن الخطأ؟؟.. كان المحاولات تبوء بالفشل ـ و نحن في سن الشباب ـ بيد أن اللذات التي كنا نفتقدها تدفعنا للبحث عنها مهما كلفنا ذالك الأمر.. في يوم غرق صديقنا لنا في البحر.. لم نكن نعلم أن الموت يأخذ الصغار أيضا.. كان حدثا مفزعا و مؤلما.. و هنا ميلاد فكرة جديدة بعقولنا: تساؤلات عن الرحيل و ما بعد الرحيل.. اختلفت مذاهبنا، و سار كل واحد منا بطريق؛ فمنا من أخذته متاعب العيش فغرق في مطالب الحياة اليومية و راح يبحث عن قوت يومه و أهله، و منا من هاجر، و لم نعد نسمع له ذكرا، و منا من اتخذ الزوايا المظلمة مطية له، و منا من استرق مكانا له خلف القضبان.. و منا من سار يواجه خطاياه !  ما كان بيننا متعلما و لا مثقفا؛ لأننا غادرنا مقاعد الدراسة مبكرين و اختزلنا أعمارنا في السخافات.. واتسعت فجوة المتناقضات و زادت حاجة النفس للممنوع و استكشاف الخفايا، فغرقنا نمجد الأنفس الضعيفة التي تبحث عن منفذ في ذالك النفق المظلم.. تكاثرت آلامنا؛ فمرة يمتصنا الموج الجارف حتى الأعماق و مرة يجتثنا حبنا للحقيقة على التفاؤل.. هكذا تكبر أخطاؤنا متى تمادينا و تصغر متى تحاشينا، لكن الحنين يبقى يطاردنا و لا يترك لنا مجالا للاستغفار و التوبة؛ لحظات الضعف القاسي، بنياننا الذي يسيجنا، ماضينا، طفولتنا ومن يحيطون بنا يؤثثون للخطيئة فينا، بيد أننا دائما نسعى للأفضل رغم أن المراكب محروقة و لا سبيل للعودة.. قوة الفطرة تستدعينا في كل لحظة بينما الشيطان ـ لعنة الله عليه ـ لا يترك لحظة ليملي دستوره اللعين و يسخر منا لما ننفذ البنود بالحرف الواحد..  نحن نقاوم ـ ربما مقاومة محتشمة ـ فالأمور في حياتنا تجري عكس طموحاتنا؛ لا نستطيع أن نقاوم؛ فالضعف يسكننا و يجري في دمائنا.. ثم إن الاستسلام رايتنا عند كل موقف نواجه فيه أخطائنا.. أولئك الذين يحيطون بنا يرسمون لنا الحياة على أنها لحظة تستحق  بالأمس كنا نخطئ و لا نعرف للخطأ معنى، و لم تكن تهمنا العواقب.. كان حياة الطفولة تدفعنا، كان الشباب الذي نزخر به و الحيوية التي تضخ النشاط ، و اليوم نخطئ و نعرف للخطأ معانيه، فلماذا لم نقلع؟؟ لقد سكن الخطأ في ذواتنا الشقية، و أسس لوجوده و اكتسب شرعية حقيقية قد لا تقبل للنقاش لدى المهمومين و أولئك الذين الذين يعيشون على التماس، و في أحيان كثيرة يكون قد كسب سلطة رادعة لا تتزحزح.. هكذا نستسلم !!  نستسلم للفراغ القاتل، و الوحدة المقيتة؛ فننصهر بين دفات الضياع، ونتقبل الوضع الذي نحن عليه، و يمسي الخطأ بالتمادي لا خطأ، و تنفلت الأمور و تتلحف المفاهيم برداء جديد فيصبح ما كان بالأمس خطأ بمفهومنا "عادي"، و الذي تربى في "عادي" يرانا و نحن على صواب "غير عادي"ن فتتوسع الفجوة، و تختلط الأمور، ثم لا نفرق بين ما هو صواب و ما وهو خطأ... !!


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق