]]>
خواطر :
رغم إني أخاف من الغرق ، عقدة تلازمني منذ الصغر...أتمنى الغرق في بحر ذكرى هواك...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

استدراجُ الدماء

بواسطة: محمد الحداد  |  بتاريخ: 2013-08-30 ، الوقت: 21:09:51
  • تقييم المقالة:

 

استدراجُ الدماء

 

محمد الحداد

حادثة فضّ اعتصام أنصار الإخوان بالقوةِ من أمام مسجد رابعة العدوية وميدان النهضة قبل أيام وما تخللتها من تداعياتٍ دموية في محيط مسجد الفتح وداخلهِ ثم ما تبعهُ لاحقاً من اعتقال بعض رموز الإخوان وهروب البعض الأخر أكدَ مخاوفنا التي كنا نثرنا بعضاً منها في قراءةٍ سابقة على رقعةِ الحَدث الأسخن لمصر..

وبغض النظر عن الفوضى التي ضربتْ مصرَ وانقسام الشارع المصري على نفسهِ وضياعهِ في متاهة تصنيف المواقف وعلى النقيضِ من جميعِ المتفائلين بالخطوةِ التي أقدمَ عليها وزير الدفاع عبد الفتاح السيسي باستجدائهِ أصوات الشعب واستدرارِ عواطفهِ لمنحهِ تفويضاً يعطيهِ الضوء الأخضر لضربِ المعتصمين تمهيداً لمصادرة خيارهم وإبادة أصواتهم وكنسهم بالقوةِ إلى خارجِ مسرحِ الأحداث والاستفراد لوحدهِ بسلطة القرار السياسي في مصر كلها كقوةٍ وحيدة في الميدان في ظلِّ فراغ نادر في هرم القيادة السياسية..على النقيضِ من ذلكَ كلهِ توقعنا أنَّ مستقبلاً قاتماً ينتظرُ مصر وأنَّ كلَّ ما حدث فيها أثناء ثورة الإطاحة بمبارك وما بعدها أيضاً لن يعدَّ قياساً لِما سيأتي إلا بروفة تمهيدية لسيناريو كارثي سيتعاون فيه طرفا النزاع الجديد على كتابة نهايتهِ الوشيكة..

الانعطافة الكبرى نحو تنفيذ ذلك السيناريو الكارثي بدأتْ بشكلها الجدي بأحداثُ فض الاعتصام التي أثبتتْ أنَّ قانوناً فوضوياً جديداً فرضَ منطقهُ الغريب على الشارع المصري بقوةِ الواقع لا بقوةِ الحقيقة..ووقائع مصرَ أرعب دائماً من حقائقها..ذلك الواقعُ الذي يمكنُ أن يتحولَ في أيةِ لحظةٍ إلى أغرب من أسوأ الأوهام..

رياحُ الحدثِ العاصف كشفتْ عوراتِ الجميع بلا استثناء..وفضحتْ نواياهم.. بدا معهُ الصراعُ على الوجود وكأنهُترجمة عملية لرغبةٍ عارمةٍ لاستدراج الدماء..في لعبةٍ ثنائية مارسَ طرفا النزاع فيها عملية جرِّ يد الآخر إلى التورطِ بدمهِ بمهارةٍ تكادُ تكونُ مُتكافئة..

نظرةٌ معمقة إلى تفاصيلِ أحداث فض اعتصام رابعة والنهضة بتجردٍ تام وما سبقها قبل ذلك من محاولاتِ كلّ طرفٍ لشحنِ عداءهِ الطائفي والوطني والسياسي تجاه الآخر بيَّنَ لنا الأخطاء الفادحة التي وقعَ بها طرفا النزاع معاً وهما المؤسسة العسكرية المصرية ممثلة بوزير دفاعها عبد الفتاح السيسي من جهة ومعتصمي الإخوان بكبار قادتهم من جهة ثانية.. يتحملُ الطرف الأول الوزر الأكبر في إدارةِ دفةِ هذهِ المأساة باتجاهِ العنف وتصعيد وتيرته بشكلٍ مقصود دون تبرئة الطرف الآخر وإعفاءهِ من الوزرِ ذاته.. فما وجه الاختلاف في تعامل قوات الأمن بقسوةٍ وعنفٍ مع المتظاهرين المطالبين بتنحي مرسي أثناء فترة حكمهِ وبين ما فعلتهُ نفسُ القوات قبل أيام مع معتصمي رابعة والنهضة ؟ أليسَ الدمُ مصرياً في الحالتين؟ ألم يتكفل القانون بضمان حقِّ الشعب المشروع في التظاهر وتعهدَ بحمايةِ أرواح المتظاهرين؟من جهةٍ أخرى بماذا نفسرُ تقاعسَ وزارتا الدفاع والداخلية عن توفير العدد الكافي من رجال الأمن للحفاظِ على أمن وسلامة الكنائس في الأماكن التي حدث اعتداء عليها رغم المطالبات المتكررة من قِبلِ رجال الدين في تلك الكنائس لحمايتهم؟ الأمر الذي مَهّدَ لاحقاً للاعتداءِ على بعضها وأعطى الضوء الأخضر لبعض الأقباط الغاضبين للردِّ على العنف بمثلهِ انتقاماً لانتهاكِ حُرمةِ أماكنهم المُقدسة..ألا يندرجُ ذلك التصعيد ضمن نظرية استدراج الدماء أيضاً؟ ألا يُشمُّ من كلِّ ذلكَ رائحة تأجيجٍ مُفتعلٍ للفتنةِ وإفساحِ المجال لمرور موكبها العفِن عن قصدٍ وسط طاولةِ الحدث من أجل التعاطي معها لاحقاً كأمرٍ واقعٍ طمعاً في حصدِ مكاسبَ سياسية أكبر لم يعد خافياً أنَّ أنظارهم الطامحة إلى الأعلى لن ترضى أبداً بأقلَّ من هرمِ السلطةِ الأول.   

مصرُ أمُّ البلادِ التي عودتنا دائماً أنها تمتلكُ ذاكرة تاريخٍ حديدية..كيفَ يُمكنناأنْ نُصدِّقَ أنها فقدتْ هذهِ المرة ذاكرتها بهذهِ السرعة؟هل التبسَ على شعبها تداخل الرايات فلم يَعُد بمقدورهِ أنْ يُميّزُ عدوهُ من حبيبه؟هل نسيَ الدماءَ التي تورطتْ بها أيادي الجيش يومَ أنْ امتلأتْ شوارعُ ميدان التحرير بها بعد الإطاحة بمبارك مباشرة أيام الحكم العسكري قبل انتخاب أول رئيس لمصر؟هل نسيَ الشعبُ شعارهُ القديم الذي دوّتْ بهِ حناجرهُ تلك الأيام الحالكة: (يسقط يسقط حُكمُ العسكر)؟ لماذا بمجردِ أنْ أوقِظَ المارد العسكري من سُباتهِ وخرجَ من قمقمهِ..شقَّ الصفوفَ وأسقطَ مرسي بخطوةٍ استباقيةٍ خاطفة انتصرَ الدهاءُ فيها على الشرعية وحَسَمَ الصراعَ بقوة الواقعِ لا بقوة الحقيقة وأمالَ ميزان القوى لصالحه؟كيف اصطفَّ الشعبُ معهُ متناسياً ثأرهُ القديم مع عدو الأمس؟هل يُعقلُ أنهُ نسيَ بسرعةٍ مخاوفهُ من حُكم يطمحُ أنْ يُلبسَ مصرَ من جديد ثوباً عسكرياً بذلتْ الكثير من أجل أنْ تخلعهُ ولم تكن تُصدقُ بالكادِ أنها خلعتهُ؟ الحُكمُ الذي كبَّلَ يدها طويلا بقيودٍ عتيدةٍ صَدِئت السنواتُ في سلاسلها وسيقتْ مصرُ مرغمة إلى غيرِ قدرها واعتنقتْ فضيلة الصمتِ بسُلطةِ النار والحديد..نسيَ الشعبُ ذلكَ كلهُ بلحظةٍ واحدة وأصبحت الحناجرُ التي كانت أصواتُ غضبها تقدحُ بالأمسِ شرراً حانقاً على قواتِ الجيش تصدحُ اليومَ عالياً لقيادتهِ : (فين تفويضي) كأنها انساقتْ بخدرٍ أعمى وراء رغبةٍ مصنوعة بمهارةٍ عسكريةٍ مُدرَّبة لتنفِّذَ دونَ أنْ تدري دوراً حاسماً في الثأر والتطهير..نسيَتْ الجماهير كلَّ ذلك وبدتْ مغرورة بزعيمها الجديد واختزلتْ إرادة الجميع حينما رفعتْ لهُ شعاراً يداعبُ نرسيسهُ المُنتفخ ويقول: (قطارُ الحرية انطلقَ بقوةِ تسعين مليون سيسي)!

ثمة تيارُ حنينٍ جارفٍ يشدُّ تلك الجماهير دائماً إلى الوراء..ويبدو أنها لازالتْ محكومة بقيودِ ماضٍ أدمنتْ قبضتهُ الحديدية ولا زالتْ تنتظر من جديد صناعة زعيمها المُنقذ..تلك الرغبة الجامحة شجّعتْ المؤسسة العسكرية على المضيِّ إلى الأمام باتجاهِ تكملة خارطتها المرسومة إمعاناً منها بسياسة تقزيم خصومها والقيام بأسوأ دورٍ يُمكنُ أنْ ينتظرهُ الشعبُ منها بافتعالها الدائم للأزمات بين صفوفهِ والدفع بأوضاع البلاد نحو الهاوية كي تخرجَ عن السيطرةِ تماماً فيكون خيار العودة لقانون الطوارئ القديم أمراً حتمياً ولا مفرَّ منهُ وبالتالي سيصبحُ تسلم العسكر لزمام أمور البلاد كلها من جديد مطلباً شعبياً ووطنياً لا بديلَ عنهُ بشكلٍ يفسحُ الطريقَ لإنضاجِ نهائيٍّ لطبخةِ العسكر التي لن يتمتعَ بالتهامها سواهم فيما يكون الشعبُ نفسهُ وَقوداً يحترقُ لإنضاجها دون أنْ يدري..صناعة هذا الوهم الجديد بهذا السيناريو المرسوم بكلِّ تلك الحرفنة العالية يعوّلُ على الوقتِ ونفادِ صبر الشعب وقلةِ خياراتهِ لكن لو قُيضَ لهُ النجاحَ فسيجعلُ من سيسي العسكر هذا ناصر مصر الجديد الذي سيجلبُ المزيدَ من الكوارثِ لمصرَ كلها في الوقتِ الذي ينتظرُ الشعبُ منهُ أنْ يكونَ مُنقذاً لها..

هذا المخطط سيفضي آخر الأمر إلىشقِّ جدار الوطن الواحدوستعضُّ الجماهيرُ أصابعَ ندمها على اللحظةِ التي أعطتْ السيسي تفويضاً في العَلنِ على سفك دمائهاخاصة وأنَّ الكثيرينَ منهم أصبحوا يوهمون أنفسهم بأنَّ انتقالة حاسمة نحو أمن البلاد واستقرارها لن يكونَ بمقدورِ الشعب على العبورِ إلى ضفتها إلا على جسرٍ عسكري صُلب ولن يؤمّنَ مرور مواكبهم نحوها بسلامٍ إلا رصاص العسكر!وهذهِ هي الانتقالة الأخطر التي ستعيدُ مصرَ إلى ما قبلَ نقطة الصفر التي انطلقتْ منها أول شرارةٍ دفعتْ قطار التغيير للانطلاق من محطة يأسهِ العتيد باتجاه محطتهِ الكبرى حيث صنعَ الأملُلمصر حدثها الأكبر.

هي قراءة ربما تبدو في نظر البعض متشائمة جداً وضرباً متطرفاً من المِخيال السياسي البعيد لكنها لا تبدو لي كذلك أبداً..بل هي أقرب لترجمة دقيقةٍ لواقع فعلي ينتظرُ البلاد..فالقنبلة الموقوتة التي كان مُخرجُ هذا العرض المسرحي الهزيل يُمسكها بيدهِ ويلوحُ مُهدداً بإشعالِ فتيلها هاهي تنفجرُ بالفعل وسطَ حشود الطرفين..لكنَّ الخوفَ على مصرَ مِصهرٌ حتمي لا خيارَ أنْ تضعها الأقدارُ في كلِّ مرةٍ في أتونِ بوتقةِ اختبارٍ ساخنة كي تُصنعَ فيها مصر جديدة..

ستزيلُ مصر الصدأ عنها وتستبدلُ ثيابها القديمة وتنهض من جديد..سيكونُ نهوضها باهظا ككلِّ مرةٍ..لكن ربما تلك أسوأ حقائق مصر التي لا زالتْ رغماً عنّا تمشي على رجلين..

ألم نقلْ أنَّ الواقعَ في مصرَ يظلُّ دائماً أرعبَ وأخطر من الحقيقة حتى لو كانت تلك الحقيقة أغربَ من أسوأ الأوهام ؟

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق