]]>
خواطر :
الحياة الدنيا مثلها امرأة ، تراها من بعيد جمالا براقا لتكتشف أن كل شيء فيها مصطنع ... من رموش العين إلى احمرار الخدين والشفتين إلى طاقم الأسنان الناصع البياض...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

صك الحياة

بواسطة: ahmed hussein  |  بتاريخ: 2013-08-28 ، الوقت: 23:27:10
  • تقييم المقالة:


عاش وحيدا طيلة سنواته الثلاثين التي عايشها بعيدا عن الوطن متلحفا برداء الغربة. لم يكن يلوي على شئ اللهم الا عمله وبيته الذي كان يؤويه. لم يتزوج او يحب او تكون له صديقة تأخذه في احضانها لحظات الياس والملل. لم يعد يشعر الوحدة كما كان او يضجر من الدنيا. حتى السؤال الذي يراود الجميع دائما في الحياة لم يمر حتى في لحظات البهجة او الشقاء.

لماذا انا موجود في الحياة؟ هذا هو السؤال الوحيد الذي ياتي الى البشر اجمعين على مر فترات حياتهم. ياتيهم بغتة وهم لايشعرون. وتكون الاجابة خاصة بكل فرد ، فمنهم مقتصد في اجابته ومنهم شديد الحماس والاندفاع . منهم من يقول لك اعيش لكي يكون لدي ابناء، ومنهم يعيش من اجل المال . ومنهم لايرى من الدنيا الا الله. اما صديقنا فله اجابة خاصة جدا لم اعهدها طوال مشوار سماعي لاراء الناس. فكانت دنيته هي ام الدنيا امريكا. هذه الدولة التي لحست عقول الناس وغيرت من مفهوم الحياة الدنيوي وعبرت بارائها ومنهجها الى رحاب الكون فظلت الاعناق تشرئب تجاههاعلهم يلقفون سنتا او دولارا او تاخذهم بين جنباتها فتفتح لهم مغاليق فقرهم المدقع. مهما يكن من امر صاحبنا فان هدفه في الحياة ان يحصل على جنسيتها باي ثمن ومهما كلفه الامر من مشقة. ظل صاحبنا يقدم اوراق تلو اوراق وامله ان ينظر كبيرهم في امره ولكن الامور لا تسير دائما على مايرام فرفضت طلباته طيلة ثلاثون عاما حتى آن الاوان وجاءت اللحظة الفارقة التي يتمناها كل انسان. فتم قبول طلبه ومررت اوراقه في الحصول على الجنسية الامريكية . وعندها طار سعيدا وحلق في الافاق وظل يردد كلمة (الجنسية الامريكية) طيلة يومه خوفا من ان ينسى تاثيرها الفريد.

يوم عيد ميلاده هو يوم حصوله على الجنسية الامريكية وهو ايضا يوم سعده . فقرر العودة الى الوطن مرفوع الراس اعلاه لكي يخبر من تبقى من اقاربه بنبا الفوز العظيم. وصل الى ارض وطنه الاول وهو يحيي كل من يقابله وقد اخرج طرف الباسبور الاسود من جيب قميصه الاحمر الذي كان يرتديه. فترتفع له الهامات محيية اياه تحية الفاتحين المنتصرين . ومدت له الايدي ايذانا بوصول (بنجامين) الجبار. وطويت له الورود والبسمات وصارت الجنة مثوى الامريكيين.

استقبله اقربائه وظلوا يتدافعون لكي يحملوا له اغراضه وامتعته وهو يحدق فيهم مزهوا بنفسه ومما يفعلون. اخذوه معهم الى عقر دارهم واحضروا له كل ما لذ وطاب من اطايب الطعام والشراب والبسوه حلة مخصوصة احضروها من افخر القطن المصري. وما فتئوا يصعدون وينزلون لا لشئ الا لطلب الرضا والسماح.وكلما هم بعمل شئ اقعدوه كملك من ملوك الفرس القدامى تحوطه الحريم من كل جانب يرقصون له ويتلوون كي يتغمدهم بكثير رحمته.

الى هنا نكون قد فهمنا القصة والتي لا تزيد على انها قصة مكررة نراها يوميا ولكننا ابدا لم نتوقف لنحلل لماذا كل هذا الفرح الذي ينتاب الحاصلين على جنسية اخرى غير المصرية؟؟

ما الدافع والهدف الذي يجعل انسان بسيط تخطى من العمر ارذله ان يطير فرحا من حصوله على هذه الجنسية مع انه لن يستفيد الكثير اذا علمنا انه كان مقيما بصفة دائمة ولم يعكر صفو اقامته اي شئ؟؟ اي انه كان يحصل على كل المنافع والفوائد حتى بدون حصوله على هذه الجنسية. اننا نكاد نجزم ان هذه الجنسية تكون امل كل شاب وله عندها ان يفرح ويطير بجناحيه اذا امكن له ذلك ولكن الذي يدفعنا الى التعجب هو حالة الفرح التي تلحفت هذا الرجل كبير السن والتي قد تزيد عن فرح شاب صغير ان لم تكن اعظم منها. الغريب في الامر هو تعامل هذا الرجل مع من حواليه ، فهو نفس التعامل الذي نراه في جميع من ملك هذه الجنسية وكانها حالة شيطانية تتلبسهم. الزهو والفرح الزائد هو السمة الغالبة في مثل هذه الحالات. ولا اعرف اذا انا حصلت عليها كيف سيكون تعاملي مع الناس؟ هل ساتصرف بمثل ما يتصرفون ام اكون شاذ عن القاعدة؟ لا اعرف!!

هل هذه الحالة عامة لكل سكان الارض المعدمين ام انها حالة خاصة بسكان اهل هذه الارض؟؟ لا اعرف!!

انني لا اناقش هنا هذه الحالة ولكنى اركز على نقطة بعيدة في نفسية صاحبنا الا وهي:

حصول هذا الرجل على الجنسية لن يقدم او يؤخر اي شئ بالنسبة الى حياته. فكما قلنا سابقا انه لم يتزوج او يرتبط باي احد وليس عليه اي التزامات بالنسبة للمحيطين به فلماذا كل هذا الفرح؟؟؟

هل تسامي الهدف هو الذي جعله يتصرف هكذا؟ فلكل منا اهدافه في الحياة . ونفرح كثيرا عندما تتحقق اهدافنا عندما تاتي في الوقت الذي كنا نحدده ولكنها لا تكون بنفس القدر من الفعل علينا عندما يتاخر ميعاد وصولها فما بالك عندما تاخذ من اوقاتنا عقود؟؟

غريبة هي النفس الانسانية ، غريبة في حزنها وفرحها ، الامها وشقائها وتعاستها وكبوتها وغفوتها وتحملها للمصائب التي تتنزل عليها. مهما حاولنا ان نفهمها فلن نقترب الا قيد شعرة منها.

 

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق