]]>
خواطر :
يا فؤادُ، أسمع في نقرات على أبوابك تتزايد... أهي لحب أول عائدُ ، أم أنت في هوى جديد منتظرُ...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

قصَّتي مع الكتب .

بواسطة: الخضر التهامي الورياشي  |  بتاريخ: 2013-08-28 ، الوقت: 15:05:43
  • تقييم المقالة:

كنتُ مثل كل الطلبة العاديين ؛ أُواظبُ على الحضور إلى قاعات الدرس ، ومُدرجَّات الجامعة ، وأُنصتُ باهتمامٍ إلى الأساتذة ، وأُدوِّنُ المحاضرات ... ولا أذهبُ أبعد من ذلك .

وأزيدُكم عِلْماً أنني كنتُ من المتفوقين في الاختبارات ، وأملكُ خطَّاً حسناً ، ولا أبخلُ على زملائي بدفاتري ، ومَراجعي ...

وكانَ يقْصدُني من هؤلاء زميلٌ ، يشتغلُ في التعليم ، ويأتي من مكان بعيدٍ ، من حين إلى آخر ، ويطلبُ مني أن أساعده في الحصول على الدروس ، وأُمَكِّنَهُ من نسْخِ المحاضرات ، لجميع الموادِّ ، وذلك لجمالِ خطّي ، كما أسلفتُ ...

وحدثَ في المرَّةِ الثانية أن قصدْنا معاً مكتبةً في وسط المدينة ، تبيعُ كتباً مختلفةً ، وتقوم بعملية النَّسْخِ ، في نفس الوقت . وبينما كان الزميلُ المُعلِّمُ مستغرقاً في نسخِ الأوراق ، كنتُ أتجول في المكتبة ، وأنظر إلى الكتب ، وعناوينها ، وألْوانِها ، وشدَّني منها كتابٌ ، في حجمٍ صغير ، وغلافٍ أحمر ، بصورة فنيةٍ ، لشابٍ بدت ملامحُهُ منقبِضَةً ، وشعْرُ رأسه مُجَعَّداً ، وذراعاه مشْبوكتيْنِ علَى صدْره ، كي يعبر عن حالةِ غضبٍ ، وتأكدتُ من ذلك حين وجدتُ عنوان الكتاب هو : (مذكرات شاب غاضب) ، ومؤلفه هو : (أنيس منصور) ...

ثم تركته ، وانصرفتُ عنه إلى كتب أخرى ، أتأملُها فقط .

ثم تقدَّم نحوي زميلي ، وأعاد إليَّ أوراقي ، شاكراً ، ولم يقتصر شُكْرُه على اللسان فقط ، بل اقترح عليَّ أن أختار كتاباً ، ويدفع هو ثمنَهُ ، وحاولْتُ أن أرفضَ ، كي لا أكلفه شططاً ، غير أنه ألحَّ عليَّ ، وأقسمَ أنه لن نغادر المكتبة إلاَّ بعد أن يشتري لي كتاباً هديَّةً ، فاخترتُ كتاب الشاب الغاضب .. وحين وجد ثمنه بخْساً ، رجاني ثانيةً أن أختارَ كتاباً آخر ، فامتدَّتْ يدي إلى كتابٍ قريبٍ ، وكان بعنوان : (سباق المسافات الطويلة) لعبد الرحمن منيف ... وأخذتُ الكتابين ، وأخذَ المعلِّمُ سبيلاً غير سبيلي ...

وفي البيتِ شرعْتُ في قراءة الكتاب الأول .. وما أن بدأتُ في (كلمة أولى) حتى شدَّتني باقي الكلمات ، وباقي الصفحات ، وباقي الفصول ، وقرأتُه كلَّهُ ، واستمتعت به غاية الاستمتاع ، وسحرني أسلوبُ الكاتب الجميلُ ، وانبهرْتُ بأفكاره ، وآرائه في الحياة ، والمرأة ، والحب ، والعمل ، والدراسة ، والأصدقاء ، والدين ، والسياسة ، والفن ...

وتخيَّلْتُ يومئذٍ أنه يُعبر عني أقوى تعبيرٍ ، وأنني ذلك الشاب الغاضب ، وأنَّ مذكراته تشبه ذكرياتي .. وخواطره ، وهواجسه ، وأحلامه ، ورغباته ، تقترب من خواطري ، وهواجسي ، وأحلامي ، ورغباتي ...

ولم يكنْ هذا الأمر فحسبُ ؛ بل وجدتُ في الكتاب عناوينَ لكتب أخرى ، لمؤلفين آخرين ، من الشرق والغرب ، ذكرهم (أنيس منصور) ، وأشاد بهم كثيراً . وكأنَّ الكتابَ خريطةٌ لجزيرة الكُتُبِ ، فأثار فضولي ، ودفعني للبحث عنها ، واقتنائها ، وقرائتها ... وحصلتُ على الكثير منها ، وقرأتُها ، بعد أن قرأتُ (سباق المسافات الطويلة) طبعاً ..فنمتْ رغْبتي في القراءة ، وازدادت مع الأيام ، وطالعْتُ أكثرَ كتب (أنيس منصور) ، وروايات (عبد الرحمن منيف) ، وأكبر عددِ من  كتب عمالقةِ الكُّتاب العرب والأجانب .. وأنشأْتُ لنفسي مكتبةً ، كبرتْ مع الأيام والسنوات ، وازْدانت بمختلف الأسْفار ، والمجلدات ، و المؤلفات الدينية والفلسفية ، والأعمال الأدبية والنقدية ، والقصص والروايات ... وعرفتُ بفضلها الأسباب الحقيقية للغضب ، والأسباب الممكنة للرِّضا ... وعرفت معاني الحب ، والجمال ، والخير ، والحق ... واكتشفْتُ أنَّ القراءة هي نورُ الحياة ، وهي تاجٌ فوق رؤوس القراء ، لا يراهُ إلاَّ القراءُ مثلُهم !!

وما زالتْ صورة الكتاب الأول لا تبرحُ مخيِّلتي ، والشاب الغاضبُ يدعوني إلى مزيد من المَعْرفةِ ، و(أنيس منصور) يقول لي : (اقرأ أي شيء) !!


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق