]]>
خواطر :
قالوا الصبرُ علاج للآلام... فزادت صبرُ السنين للجراح آلاما...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

مسرحية "الشياطين الخرس" تأليف د. خالد سرواح

بواسطة: د. خالد سرواح  |  بتاريخ: 2013-08-28 ، الوقت: 06:49:04
  • تقييم المقالة:
عزيزي القـــــارئ هذه المسرحية "الشياطين الخرس" تعكس أحداثاً واقعية تؤديها شخصيات حقيقية، بمعنى أنه لا مجال بها لأي إضافةٍ أو خيالٍ، على عكس معظم المسرحيات التي يُعول فيها الكُتاب بقسطٍ كبير على المبالغة والخيال لخلق عنصر التشويق. وهذا يفسر أن أي تشابه بين أحداث أو شخصيات المسرحية وغيرها من الواقع ليس مطلقاً من سبيل المصادفة، بل هو إسقاط مقصود لشخصيات واقعية وواقع معاش.

            عندما شرعتُ في كتابة هذا العمل الأدبي لم أك أبداً أقصد الكتابة عن الإخوان المسلمين، بل كان الهدف الرئيس هو تجسيد تجربة واقعية لظلمٍ اجتماعيٍ تعرض له بطل المسرحية؛ ومن المصادفة الغريبة أن معظم من ساهموا في إيقاع هذا الظلم عليه هم أناس ينتمون لجماعة الإخوان المسلمين. وقد آثرتُ أن أعكسَ هذه القصة الواقعية من خلال الحوار وليس السرد لأن الأول أقرب للواقع من الأخير فكانت النتيجة هذا النص المسرحي "الشياطين الخرس." ورغم أن الحوار العامي أقرب للصدق من الحوار الفصيح فإنني فضلتُ اللجوء للأخير لأنه يضفي على العمل جمالاً وجاذبيةً ويعطيه مصداقيةً قد لا تتوفر له بالأول الذي يؤدي أحياناً إلي تعطيل النص نظراً لإمكانية قراءة اللفظة العامية بأكثر من طريقة.

            تدور أحداث المسرحية حول مصطفى المحلاوي الذي يتعرف على أحلام الغريب ابنة قريته ويتقدم لخطبتها وتتطور الأحداث ويتزوجها لكنه يفاجأ بأنها تعاني من مشكلة خاصة تمنعها من العلاقة الزوجية. دامت المشكلة لأكثر من عام لم يألُ فيها الزوج جهدًا في طرق جميع الأبواب الشرعية كالأطباء المتخصصين والمعالجين بالقرآن لعلاج زوجته لكن دون جدوى. يتأكد الزوج من خداع زوجته وأهلها له لعلمهم بمشكلتها قبل الزواج من خلال ما تقصه على المعالجين من زيارة الجن القديمة والمتكررة لها في المنام وإصراره على الزواج منها من ناحية ومصارحتها لمصطفى بأنها كانت دائماً تراه (أي مصطفى) في أثناء فترة الخطوبة بأشكال مخيفة وغريبة تتنافى وشكله الطبيعي من ناحيةٍ أخرى. ورغم ما أدى إليه اكتشافه لهذه الحقائق من صراع نفسي بداخله، فإن الزوج لم يتوقف عن الاستمرار في محاولة علاج زوجته. وتتفاقم الأحداث وتصل إلى ذروتها عندما يقترح مصطفى على أحلام فكرة الزواج من أخرى مع الإبقاء عليها. هنا تتحول الزوجة من حمل وديع إلى مارد رافضةً فكرة الزواج من الأساس فيعدل مصطفى عن فكرته مراعاةً لظروفها المرضية وحالتها النفسية. لم يتوقف الأمر عند ذلك بل انقلبت الحقائق وبدأت حملات هجوم وتشهير عديدة وواسعة شنها ضد مصطفى كل من الغريب (والد أحلام المنافق الذي باع ضميره ليهاجم زوج ابنته بالباطل حتى يكسب تعاطف المجتمع) وابن عمه رجب (المحامي الفاشل الذي فُصل من عمله لفضيحة أخلاقية ورأس الأفعى الذي تحالف مع الشيطان على الحاق كل أذى بمصطفى وتكبيده أكبر خسارة ممكنة) وزوجة الأول حميدة (التي تُؤثر أي شيء ولو كان كفرًا على رؤية ابنتها مطلقة) وأخيها طارق (الخال الأوسط لأحلام الذي أخذ على عاتقه الانتقام من مصطفى بالتشهير به وذلك لرفض الأخير اتباع الدجالين والسحرة في علاج زوجته). أدى ذلك كله إلى زيادة الفجوة والصراع بين مصطفى وأهل زوجته من ناحية وبينه وبين المجتمع الذي يعيش فيه ويمتلئ بالشائعات ضده من ناحيةٍ أخرى.

            استخدم خصوم مصطفى حملات الهجوم الباطلةَ هذه ضده محاولةً منهم الدفاع عن ابنتهم وليحرجوه بألا يتزوج بأخرى وبذلك يُضطر للإبقاء على ابنتهم زوجةً له. أدت هذه الحملات إلى نتائج معاكسة إذ زادت من إصرار مصطفى على موقفه بالانفصال عن زوجته والزواج بأخرى مما أدى إلى تشبث خصومه بأخذ كل شيء منه كورقة أخيرة للضغط عليه للإبقاء عليها فكان اقتراح د. عبدالله الأخ الأكبر لمصطفى باللجوء إلى ما يُعرف باللجنة العرفية التي تفصل بين الطرفين بعد سماعهما.

            استشهد مصطفى برجالٍ كان يعدهم من الأخيار، لأنهم ساهموا بشكلٍ مباشرٍ في محاولة علاج الزوجة، ليقولوا كلمة حق أمام اللجنة لكنهم خذلوه وتخلفوا عن الحضور. فمن هؤلاء الشياطين الخرس الذين كتموا شهادة الحق سيدأحمد الخال الأكبر لأحلام وهانئ خالها الأصغر والشيخ الشيشيني مفتش الأوقاف وغيرهم كُثُر. فأما سيدأحمد، موجه اللغة العربية، فإنه رفض المثول أمام اللجنة بحجة باطلة وهي أن شهادته ستتسبب في قطيعة الرحم بينه وبين أخته. وأما هانئ، الذي نشأ وترعرع في أحضان الإخوان المسلمين، فقد فر إلى القاهرة ليبعد عن الأنظار بعدما علم بوجود لجنة تنتظر سماع شهادته. وأما الشيشيني، الإخواني البارز والذي أبدى استعداده الكامل للشهادة، لم يحضر وتهرب من الرد على التليفونات. لم تُنصف اللجنة مصطفى بهذا الشكل، بل ساهم رجالاتها فى تأكيد الظلم على مصطفى باستماعهم لشهادته هو مقابل شهادة خصومه دون السماع لأحلام وهي طرفُ أصيلُ في المشكلة.  

            لم يعبأ مصطفى بما سيترتب على كل هذا التخاذل من قبل الشياطين الخرس من ضياعٍ لحقوقٍ مادية ومعنوية إذ كان شغله الشاغل هو التخلص من هذه الزيجة بأي ثمن وقد كان له ما أراد بعد مهاترات ومراوغات من جانب أهل الزوجة ممثَلين في شخص رجب. لم يسلم مصطفى بعد ذلك كله من حملات التشويه التي لاحقته من قبل رجال الإخوان بالقرية الذين لا يعرفون شيئًا سوى العزف على أوتار أهليهم وذويهم من خصومه لتشويهه بالباطل. ومن أبرز من قام بذلك المدعو أبوالسعود المنافق الذي يستتر خلف لحيته وأخذ يردد ما يمليه عليه رفاقه من الإخوان من شائعات مغرضة دون تعقل ود. طه صديق السوء الذي وجد من حقده على مصطفى ذريعة للتشهير به بالباطل، وغيرهما كُثر. لكن إرادة الله تعالى أبت إلا أن تقطع ألسنة هؤلاء عندما علموا بزواج مصطفى الذي رزقه الله تعالى بثلاثة أطفال.

هكذا جسدت مسرحية "الشياطين الخرس" معاناة مصطفى المحلاوي من خداع وظلم زوجته أحلام الغريب له مدعومة في ذلك من أهلها الذين لم يختلفوا كثيرًا عن الجني الذي كان يتردد عليها في كوابيسها. فإذا كان الجنيُ قد ساومها على الزواج منها وإلا فلن تكون زوجةً لغيره، فإنها وأهلها قد ساوموا مصطفى (الذي يئس من علاجها وعزم على الزواج بأخرى) على أن يتحملها وإلا سيهاجمونه بالباطل حتى لا يتمكن من الزواج بغيرها. لكن الفرق بين الحالتين هو أن مصطفى نجح فيما فشلت فيه أحلام وأهلها بأن أصر على موقفه بالانفصال عنها والزواج بأخرى رغم حملات التشهير الباطلة التي نالت منه ماديًا ومعنويًا سواءً بكتمان مجموعة من الإخوان المسلمين لشهادة الحق وتشهيرهم به بالباطل أو بعجز اللجنة العرفية عن إجبارهم على الشهادة. وإن كانت نهايتها قد جاءت تتويجًا لصبر مصطفى على الظلم بأن تزوج بأخرى ورزقه الله بثلاثة أبناء، فإن هذه المسرحية التي جمعت بين المعاناة والنصر فيما يُعرف بالتراجيكوميديا tragicomedy قد نجحت في تجسيد الظلم الاجتماعي من خلال أدوات جدلية غير مألوفة مثل الجن الذي سيطر على أحلام وأهلها فأصبحوا ينهجون نهجه في تعاملهم مع مصطفى ناسين الفرق بينهما.  

أما عن سبب تسمية هذا النص المسرحي بـ"الشياطين الخرس" فهو واضح مما سبق. فإن الساكتَ عن الحق شيطانُ أخرس. كما أن السكوت عن الحق وكتمان الشهادة لا يقل جرمًا عن شهادة الزور لأنه يؤدي إلى قلب الحقائق وضياع الحقوق وهذا ما حدث في قصة المسرحية على أيدي جماعةٍ كان المنوطُ بها أن تقول الحق ولا تخشى في الله لومة لائم.


« المقالة السابقة

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق