]]>
خواطر :
اسقيني كاس من رحيق ذكرى وجودك ... لا تتركيه يجف ،كلما جف الكأس ازداد الحنينُ...و لا يطفي شعلة الفؤاد سوى كأس الحنين...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

الشرق الاوسط الجديد

بواسطة: أحمد المغازى كمال  |  بتاريخ: 2013-08-25 ، الوقت: 00:35:18
  • تقييم المقالة:
مؤامرة الشرق الأوسط الجديد وفصول الربيع العربى :
1-
لم يسجل التاريخ منذ بداية الخليقة وحتى يومنا هذا، صداقة دائمة في عالم السياسة، بل تحالفات بنيت على المصالح المشتركة، يمكن لها أن تنقلب إلى عداوة أو حرب غير معلنة، في حال تضاربت مصالح القوى التي تحالفت فيما بينها يوماً. أكثر تحالفات التاريخ الحديث شهرة وإثارة للجدل، هو تحالف الاتحاد السوفييتي مع الولايات المتحدة في الحرب العالمية الثانية، الذي كان سبباً مباشراً في استسلام ألمانيا واليابان غير المشروط، ثم انقسام العالم إلى معسكرين شرقي وغربي، كإعلان مباشر عن نهاية التحالف، ودخول العالم فيما سمي "الحرب الباردة"، التي شهد الشرق الأوسط والمنطقة العربية كثيراً من فصولها، ولا تزال تبعاتها مستمرة حتى اليوم، حتى إن البعض يربط مجمل الأحداث والأزمات السياسية، والثورات العربية وتداعياتها في المنطقة الآن، بخطة «الشرق الأوسط الجديد» التي تحاول السياسة الأمريكية فرضها على المنطقة العربية والدول المحيطة، كي تضمن بقائها قطباً أوحد يحكم العالم.
قبل تاريخ 15 آذار عام 2011 كان كل من الشيخ حمد آل ثاني أمير دولة قطر، الإمارة النفطية الباحثة عن مجد يخولها منافسة المملكة العربية السعودية على زعامة الخليج العربي، ورجب طيب أردوغان رئيس الحكومة التركية، المحبط من رفض الاتحاد الأوروبي ضم بلاده، كانا يعتبران الحكومة السورية حليفاً استراتيجياً، فما الذي حصل حتى انقلب الأمر إلى عداوة معلنة، وصلت حد التآمر السافر على حياة وسبل عيش الشعب السوري؟!....
الحكاية بدأت العام 1991 عندما شهد العالم انهيار الاتحاد السوفييتي الذي كان يدعم العديد من دول العالم، بما فيها بعض الدول العربية، لخلق حالة توازن في معادلة القوة العالمية، وسرعان ما استفادت الولايات المتحدة من حالة الضعف التي كان يمر بها غريمها وعدوها اللدود، لتعد العدة لحرب الخليج الثانية، التي قادت بها 34 دولة في "عاصفة الصحراء" ضد العراق، تنفيذاً للخطة التي وضعتها الحكومة الأمريكية لتحقق مكاسب اقتصادية هائلة، خلصتها من ديون النفط المتراكمة عليها، وأعلنتها القوة العظمى الوحيدة المتحكمة بمصير العالم.
بدأت حكاية ما يسمى «الربيع العربي» عام 1992، أي قبل عقدين من إحراق الشاب التونسي محمد بوعزيزي نفسه في تونس، احتجاجاً، ليتحول بعدها إلى أيقونة للثورات العربية! في ذاك العام أبرمت الدول الصناعية الكبرى، اتفاقية «كيوتو» التي تفرض على الدول الموقعة "الحد من انبعاث الغازات الحرارية إلى الجو، في محاولة إيقاف ظاهرة الاحتباس الحراري، الذي يزيد من مخاطر ثقب الأوزون في الغلاف الجوي للأرض"، حسب ما جاء في الاتفاقية. لم تكترث مجمل الحكومات والأنظمة العربية بخطورة هذه الاتفاقية، وتبعاتها المختلفة والتي أعلنت لحظة توقيعها وإقرارها، قرار إعدامها وإنهاء وجودها، بعد تحول الكثير إلى ديكتاتوريات مستبدة، تتحكم بمقدرات وثروات شعوبها مسلوبة الحرية والإرادة.
سرعان ما التزمت مجمل دول الاتحاد الأوروبي باتفاقية "كيوتو" مما حول الغاز الطبيعي إلى مصدر الطاقة الرئيسي، بدلاً من النفط. وتوجهت أنظار الدول العظمى في العالم للسيطرة على مناطق توافر الغاز الطبيعي.
من المعروف أن أراضي إيران وروسيا الاتحادية من أغنى بقاع العالم بالغاز الطبيعي، هذا ما شكل رعباً حقيقياً لدى الولايات المتحدة التي اعتبرت اتفاقية "كيوتو" تهديداً حقيقياً لمصالحها، إذ ستسحب منها قدرتها على فرض السعر على السوق العالمي، وتمنح روسيا وإيران نفوذاً جديداً يزعزع سيطرتها المطلقة.
سرعان ما أعاد البيت الأبيض حساباته، ووضع القائمون على شؤونه خططاً جديدة، تتناسب مع متغيرات المرحلة القادمة من الصراع العالمي، بدأ تنفيذها سريعاً مع العالم 1995، عندما عقدت صفقة سرية مع الحكومة القطرية، كانت نتيجتها انقلاب الأمير حمد آل ثاني على والده، واستلامه الحكم بدعم أمريكي، وحرض البيت الأبيض حاكم قطر حديث العهد، لتنفيذ جملة من الأوامر السريعة، التي تضمن المحافظة على حكمه تمثلت بالمطالبة سريعاً بترسيم الحدود مع إيران، التي تسيطر على مصادر منابع الغاز في الخليج العربي، والبدء باستخراج الغاز الطبيعي وضخه للاتحاد الأوروبي، الذي كان بأمس الحاجة إلى مصدر دائم يلبي احتياجاته من الطاقة، لكن المشكلة التي واجهت هذا المخطط كانت في نقل الغاز عبر أنابيب تمر في الأراضي العراقية والسورية والتركية لتصل إلى الأراضي الأوروبية.
في ذلك الوقت كانت بلدان عربية مجاورة لقطر، مثل البحرين وسلطنة عمان، تعمل على شراء الغاز من أماكن بعيدة، بينما فضلت الحكومة القطرية احتكار ضخ الغاز إلى الأسواق الأوروبية، لمنافسة شركات الغاز الروسية، التي كانت تعتبر أوروبا سوقها الأساسي. وسرعان ما تنبهت روسيا إلى المنافس الجديد، وبشكل خاص في عام 1996 عندما عمل فلاديمير بوتين على تأسيس شركة "غاز بروم" التي تحولت إلى المتحكم الفعلي بالاقتصاد الروسي، محدثة انقلاباً جذرياً في نظام الشركات الاستثمارية في روسيا، عندما بدأت العمل بشكل مماثل للشركات الأمريكية الكبرى.
لم تقف السياسة الأمريكية مكتوفة الأيدي، أمام زيادة نفوذ شركة "غاز بروم" التي شكلت تهديداً مباشراً للمخططات التي رسمتها، وبدأت واشنطن بالبحث سريعاً من أجل إيجاد بدائل وموارد جديدة، تحقق لها معادلة التفوق على منافسيها، إلى أن وجدت ضالتها أخيراً في تركمانستان وأذربيجان ومصر.. وجن جنون الحكومة الأمريكية عندما وصلتها تقارير لخبراء تفيد بأن أكبر مخزون للغاز الطبيعي، يقع في ساحل البحر الأبيض المتوسط في المنطقة الممتدة بين فلسطين ولبنان وقبرص، وهذا ما جعلها تضع السيطرة على هذه المناطق في المرتبة الأولى ضمن جدول أوليات سياستها الخارجية، فالسيطرة على منابع الغاز تعني بالضرورة توجيه ضربة قاصمة لروسيا، والمحافظة على الولايات المتحدة قطباً أحاديا حاكماً للعالم، باعتبار أن الوصول إلى منابع الغاز في تركمانستان وأذربيجان أمراً مستحيلاً، لخضوعهما إلى منطقة النفوذ الروسية. من هنا بدأت السياسة الأمريكية بإعداد خطة محكمة تقضي بإحداث جملة من الانقلابات في البلاد العربية، سميت لاحقاً بالثورات العربية.
-2-
في رغبتها المحمومة للسيطرة على مصادر الغاز الطبيعي في الشرق الأوسط، عملت الإدارة الأمريكية على تقديم جملة من الخطط والسيناريوهات، تهدف جميعها "إلى إعادة تقسيم ما هو مقسم من دول الشرق الأوسط، بهدف إضعاف المنطقة حتى يسهل تمرير مخططاتها، وتفعيل دور إسرائيل، لقيادة المنطقة بكاملها" لكن إدارة البيت الأبيض فضلت الطريقة الأسهل من الخطط المعدة للتنفيذ، إلا وهي "القضاء على المقاومة، التي طالما شكلت حاجزاً وعائقاً مستعصياً للمشاريع الإمبريالية في المنطقة".
لم يكن حل القضية الفلسطينية المتعثر، أو تحقيق مشروع السلام وارداً في أجندة واشنطن، لذلك أرادت العمل على إنهاء المقاومة اللبنانية، الأمر الذي ترجم على الأرض بالحرب على لبنان عام 1996، فيما سمي "عناقيد الغضب"، ومحاولة فرض مشروع السلام في لبنان مع الكيان الصهيوني، كبديل فعلي عن حل القضية الفلسطينية. لكن الحرب فشلت وتسببت بفضيحة إنسانية سياسية لكل من مهندس العملية، الولايات المتحدة الأمريكية، ومنفذها جيش الاحتلال الإسرائيلي، حسب ما ذكره الصحفي الايرلندي روبيرت فيسك، في فصل "المجزرة" من كتابه "ويلات وطن"، والذي تحدث فيه عن خروقات إسرائيل لجميع الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان، خاصة مجزرة "قانا" بحق 107 مدنيين لبنانيين، حاولوا اللجوء من قذائف المدفعية الإسرائيلية، إلى مركز تابع لقوات المراقبة الدولية في الجنوب اللبناني. وأكسبت تداعيات "ناقيد الغضب" المقاومة اللبنانية شرعية دولية، وجاء اتفاق نيسان 1996 معلناً هزيمة نكراء لهذا الكيان، وبالتالي فشلاً ذريعاً للمخطط الأمريكي.
جاء عام 2000 الذي اعتبره العديد من المحللين السياسيين "عام الانكسار والنكسة" للسياسة الأمريكية في المنطقة، إذ تحرر الجنوب اللبناني، واستلم بوتين، مقاليد الحكم عقب موت الرئيس الروسي بوريس يلتسين. وضع بوتين ضمن أولياته "إعادة الاعتبار للسياسة الروسية الخارجية، والعمل سريعاً على انعاش الاقتصاد المتهالك، الذي كان تصدير الغاز الروسي إلى الدول الأوروبية، أحد أهم ركائزه"..
في عام "النكسة الأمريكية" أدركت واشنطن أن آبار الغاز القطرية، أصبحت عاجزة تماماً عن تلبية احتياجاتها المطلوبة، مقابل ازدياد نفوذ الغاز الروسي في السوق الأوربية، وجاء الحل الأمريكي سريعاً لهذه الأزمة المتفاقمة، بالهجوم الإرهابي على برجي التجارة في نيويورك، الذي نفذته مجموعات انتحارية من تنظيم القاعدة حسب رواية البيت الأبيض. كانت واشنطن المستفيد الوحيد من تداعيات هذه الهجمات، إذ عطتها الضوء الأخضر، والمساندة الدولية لإعلان حربها على الإرهاب، التي كان الهدف الأساسي منها: إعادة الاعتبار إلى الكيان الصهيوني بعد هزيمته في لبنان، والرد على استلام فلاديمير بوتين السلطة في روسيا، مما تطلب موطئ قدم لواشنطن في آسيا، من أجل محاولة ضرب التقارب الصيني الروسي، على أثر عقود طويلة من الحرب الباردة، التي أسقطت قواعد وحلفاء واشطن في أمريكا الجنوبية، والذي ترجم خلال الأزمة السورية بالفيتو الروسي الصيني المشترك، في مجلس الأمن الدولي.
إذاً استثمرت الإدارة الأمريكية هجمات 11 أيلول 2001 ووظفتها لخدمة مصالح السياسة الأمريكية، عندما احتلت أفغانستان، بحجة القضاء على تنظيم القاعدة وزعيمها أسامة بن لادن، لكنها، في حقيقة الأمر، حولت أفغانستان إلى قاعدة عسكرية أمريكية، بهدف قطع الطرق التجارية القريبة من الصين، وإبقاء جميع التحركات الروسية والإيرانية تحت المراقبة.
أحد أهم فصول مؤامرة "الشرق الأوسط الجديد" التي هيأت لما تشهده المنطقة العربية اليوم، من جملة تغييرات وأزمات سياسية، لعب بطولته رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان عام 2002، عندما عقد اتفاقاً سرياً مع واشنطن للانقلاب على معلمه نجم الدين أربكان بالتعاون مع عبد الله غل.
أسس كل من أردوغان وغل حزب "حزب العدالة والتنمية"، ليدخلا به لعبة "الإسلام السياسي" التي تديرها واشنطن، من أجل تحويل الإسلام إلى حركة سياسية بالمطلق، تساعد على تحقيق مصالحها. وصل حزب "العدالة والتنمية" إلى سدة الحكم في تركيا، بمساعدة ودعم خفي من واشنطن، لكن سرعان ما قبضت السياسة الأمريكية ثمن دعمها لأردوغان، عندما وافق الأخير على خطة خط غاز "نابوكو"، وهو الاسم المأخوذ من أوبرا للموسيقي الإيطالي جوزيبي فيردي «1813 – 1901» التي تتحدث عن سبي نبوخذ نصر لليهود في العراق.
لا غرابة إذاً أن يحول أردوغان الأراضي التركية إلى قاعدة عسكرية، للقوات والطائرات الأمريكية التي قصفت العراق قبل احتلاله عام 2003، لاستكمال المخطط التي بدأت واشنطن بتنفيذه لبسط سيطرتها على منطقة الشرق الأوسط، من أجل هدف واحد، هو الحصول على الغاز الطبيعي.
بعد احتلالها للعراق، توجهت الإدارة الأمريكية – التي كان يحكمها المحافظون الجدد بزعامة جورج بوش الأبن- نحو سورية التي كان المخطط يقضي بتقسيمها ، وفي حال نجحت في تفتيت سورية إلى دويلات طائفية، ستنجح بالتأكيد في الحصول على الغاز الإيراني دون حرب تذكر، بالتالي ستنجح في القضاء على النفوذ المحتمل لروسيا في المنطقة، وتبقى مسيطرة على العالم، لكن سورية دولة قوية في المنطقة، ولها وزنها الاستراتيجي، وهذا ما تطلب من إدارة البيت الأبيض الانتظار سنوات طويلة لإعداد خطة محكمة ومتأنية للنيل من دمشق، تلعب دول عربية وإقليمية دوراً رئيسياً فيها.
-3-
اعتقد رئيس الوزراء التركي أردوغان أن انصياعه وتنفيذه للخطة الأمريكية، ومساهمته في مشروع "نابوكو" سيحول تركيا إلى دولة ثرية، وذات نفوذ في المنطقة، لكنه اصطدم بالعائق المصري، وبالفعل توجه أردوغان إلى القاهرة عام 2009 للقاء الرئيس المصري المخلوع حسني مبارك، ونجح في إقناعه على توقيع معاهدة الغاز، والدخول في مشروع خط "نابوكو"، لكن مبارك لم يدرك أن أردوغان أجرى لقاءات سرية مع زعامات وأسماء بارزة من الأخوان المسلمين في مصر، واتفق معهم وعدهم أن أيام حسني مبارك في الحكم باتت معدودة، وأن توقيعه على اتفاقية الغاز، ما كان إلا توقيع على إقالته من الحكم.
وعد أردوغان الأخوان المسلمين في مصر "بتقديم الدعم والمساعدة لوصول مرشح حزبهم إلى كرسي الرئاسة المصرية، خلفاً لحسني مبارك الذي أنجز مهامه لخدمة مصالح الولايات المتحدة الأمريكية على أكمل وجه، وحلفائها الجدد وعلى رأسهم تركيا".. بالقراءة السريعة للأحدث المصرية، وتداعيات السباق الانتخابي الأخير لرئاسة الجمهورية، والصراع الديمقراطي الانتخابي المفتعل، بين الدكتور محمد مرسي مرشح الأخوان المسلمين (الرئيس حالياً)، وأحمد شفيق رئيس أخر حكومة في عهد حسني مبارك، يمكن الخروج بنتائج تصب جميعها في خانة الدور السياسي القادم، التي وعدت به تركيا لتتزعم المنطقة رافعة راية الإسلام السياسي.
بعد أن ضمنت تركيا دورها في مصر، وأعدت العدة مع واشنطن لمرحلة ما بعد مبارك، تعهدت الإدارة الأمريكية لحلفائها في تركيا، أن تعمل جاهدة على تقسيم مصر إلى ثلاث دول على أساس طائفي، كما هو معد لكل من العراق وسورية، والعمل لأن تكون مرجعية وتبعية هذه الدويلات الجديدة هي تركيا، بشرط أن تقبل أن تكون تبعية بقية الدول إلى الكيان الصهيوني، كما تتعهد واشنطن أن تحصل تركيا على جزيرة قبرص على حساب اليونان، التي تعاني أزمة اقتصادية حادة، أربكت دول منطقة اليورو. وتشير دراسات اقتصادية إلى أن خروج اليونان من منطقة اليورو بات قريباً جداً لصالح دخول تركيا إليه، على أن يقبل أردوغان بالوصاية الأمريكية المطلقة عليها.
أعقب إعلان نائب الرئيس المصري عمر سليمان تخلي حسني مبارك عن منصبه يوم 11 شباط 2011، أحداث عنف طائفية بين الأقباط ومجموعات إسلامية سلفية متشددة، تعاملت مجمل وسائل الإعلام مع هذه الأحدث وقدمتها على أنها "حوادث اعتيادية بين فئات الشعب المصري، أو نتيجة طبيعية للاحتقان الشعبي في الشارع".. لكن حقيقة الأمر أنه كان "تصعيدا طائفيا مدروسا وموجهاً، ومخططا له حتى قبل إعلان تنحي مبارك"، دخلت بعدها مصر في دوامة الصراعات الانتخابية، حدث فراغ دستوري، كانت الغاية الأساسية منه انتظار الواقع الجديد في سورية، التي صدمت أمريكا وتركيا والحكومات الخليجية المتعاونة معها، بصمودها أمام الفتنة والمخطط لتقسيمها. على أثر الأحداث المصرية، فجرت مجموعات من المقاومة المصرية خطوط الغاز في سيناء، المخصصة لتزويد الكيان الصهيوني بالطاقة، موجهة بذلك رسالة واضحة إلى القائمين على مشروع غاز "نابوكو" مفادها: أن مشروع الغاز الذي يمر بأراضي مصر مرهون ومرتبط بتطور الأوضاع والأحداث السورية، ولن تحصل أوروبا على الغاز طالما بقيت سورية على حالها... بشكل مفاجىء يتوقف العنف الطائفي في مصر، وفضلت واشنطن مع حليفتها تركيا، المماطلة وإطالة مدة الفراغ الدستوري في أرض الكنانة قدر الإمكان، ريثما تجد حلاً لتعنت وصمود سورية، التي سيطرت على الأزمة المفتعلة على أراضيها، ونجحت في كشف جملة المخططات وتفاصيل المؤامرة المعدة لها.
قبل بداية فصول ما يسمى "الربيع العربي" كانت إدارة البيت الأبيض على يقين تام بمدى قوة سورية، لذلك عملت على إعداد العدة، وافتعال جملة من الأحدث في المنطقة، بهدف محاولة إضعاف سورية، ومحاصرتها وعزلها سياسياً ولوجستياً. اغتيل رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري في 14 شباط 2004، وفوراً وجهت أصابع الاتهام إلى دمشق، حتى قبل صدور نتائج التحقيق الأولية، وصعدت واشنطن من الضغوط السياسية ضد سورية، التي استطاعت إفشال المخطط الأمريكي، وخرجت منتصرة من أزمة الحريري. كان لابد للسياسة الأمريكية وحلفائها في المنطقة، من إيجاد حل جذري ونهائي، يمكنها من إنهاء تحالف الممانع والمقاوم لمشروعها في المنطقة، المبني على العلاقة القوية التي تجمع كل من سورية وإيران وحزب الله، فجاءت حرب حزيران التي شنها الكيان الصهيوني على لبنان عام 2006، التي كان الهدف الأساسي لها رد اعتبار الكيان الصهيوني على هزيمته عام 2000 في جنوب لبنان، وتهجير سكان الجنوب اللبناني إلى العراق. لكن المقاومة اللبنانية انتصرت، وأعلن الكيان الصهيوني هزيمته في الحرب، مما أحدث زلزالاً مدوياً في البيت الأبيض، وتحطمت أحلام الحكومة الأمريكية وحلفائها بتحقق ما كانت تخطط له في المنطقة.
انشغلت الإدارة الأمريكية بالقضاء على المقاومة اللبنانية، وتجريد حزب الله من سلاحه بالتعاون مع قوى سياسية لبنانية تكن عداء واضحاً وصريحاً لسورية ولفكرة المقاومة فيما بدأت بالبحث عن ورقة رابحة تبرر الانقلابات القادمة على المنطقة، التي خطط لها ورسم إحداثياتها البيت الأبيض. بدأ موقع "ويكيليكس" بنشر وثائق سرية برعاية وتوجيه من واشنطن، تفضح عدداً كبيراً من حكام الدول العربية، والزعماء السياسيين، في رسالة واضحة: من يرفض الانصياع للإرادة الأمريكية، ويعارض مصالحها في المنطقة، ستنشر وثائقه.
بالطبع من بين عدة وثائق صحيحة كانت تمرر وثيقة أو أكثر تحوي معلومات مفبركة، تشوه سمعة صاحبها، بشكل يخدم توجهات الحكومة الأمريكية وحلفائها في المرحلة القادمة، التي قلبت الموازين، وحولت منطقة الشرق الأوسط إلى ما يشبه فيتنام جديدة، تتصارع على أرضها القوة العالمية العظمى، لتحقيق مصالحها المستقبلية، التي تضمن بقائها وحضورها العالمي.

« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق