]]>
خواطر :
رأيت من وراء الأطلال دموع التاريخ ... سألته ، ما أباك يا تاريخ...أهو الماضي البعيد...أم الحاضر الكئيب...أو المستقبل المجهول....   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

تحيا المزرعة

بواسطة: عزيزة محمود خلايلة  |  بتاريخ: 2013-08-24 ، الوقت: 09:42:54
  • تقييم المقالة:
تحيا المزرعة        جارنا يمتلك قطيع أغنام ملّ من خدمتها، فوكّل ذلك الأمر لأقوى تيوس المزرعة، وهو تّيس قويّ يمتلك قرنين قويّين طويلين يرتفعان في السّماء، قرنان قادران على سحق أيّ غنمة تخترق القانون مهما كان وزنها، وقوّتها، ويمتلك رغبة قويّة تكفي لإرضاء جميع الغنمات، التي تعرض نفسها على التيس الميمون، تيس جارنا فحل وضخم، يميل لونه إلى السّمار، ومع أنّ المزرعة تمتلئ بالأغنام من كلّ الأطياف والألوان، إلّا أنّه كان يحبّ الغنمات البيضاء، ويراهاّ رموزاً للسّلام، وفي أيّ لحظة يهيج التيس  المجنون، فإنّه يشكّل حرب إبادة، وينشر الدّمار والخراب، ينطح الرؤوس، ويبقر البطون، ويسمل العيون .       قرّب إليه سبع غنمات ماسوشيّات، الرّقم الرّسميّ المعلن عن حصّة التّيس السّاديّ النازيّ الناريّ الملعون، واحدة تطعمه، وثانية تسقيه، وثالثة تحادثه، ورابعة تلاطفه وتونّسه، وخامسة تدلّكه، وسادسة تضاجعه، وسابعة تحممه، وتنتظر أمراً يصدره، وسبع مما ملكت الأيمان تخدمه، وتظلّ رهن الإشارة، وتنتظر بفارغ الصّبر دورهاّ في بيت الدّعارة، وتطالب بفرصة لخدمة التّيس بمنتهى الشّطارة، فتراهاّ جميعاً مشغولة في كلّ الأوقات، وهكذا أعلن التيس أنّه قضى على مشكلة البطالة في المزرعة، ووفّر فرص العيش الشّريف لجميع السّكان.       كان التّيس يحبّ كلّ الغنمات، ويضاجعها جميعاً، ويمدّ نفوذه سرّاً إلى غنمات الجيران، نفوذه النسويّ كالسّحابة، تسير أينما شاءت، لكنّ خراجها على رأي الرّشيد يستقرّ في حضن هارون، وفي النّهاية يرفض الاعتراف بالسّخلات، ولا بالجديان، يتبرّأ ممن يخرجون من صلبه، كان بعض الجيران يهدون أغنامهم لجارنا ليلقحها فحله الميمون، الذي كان يقول: إنّه لا نسب في شريعة الغنم، فالكلّ للمزرعة، الجميع في خدمة المزرعة، كلّنا فداء للمزرعة، كلّنا في النّهاية جنود ندافع عن المزرعة، الغنم أغلى ما نملك، فتنفعل الأغنام، وتدبك بأرجلها وتصيح كلّ الغنمات، يا فحل المزارع كلّها، يا دنجوان القرن الواحد والعشرين، كلّنا نفديك، هلمّ لنرضيك.       رقصت الأغنام في المزرعة، ولمّا زادت نشوتها وفرحها، توسّعت بالرّقص في الشّوارع، وعلى الأرصفة لمّا اعتلى التّيس المنصّة، وخطب في الأغنام، وحلّل البغاء، واعتبره شكلاً من أشكال الجهاد وخدمة الوطن، ووعد الغنمات بثواب عظيم، وقال: إنّ الغنم لا تعترف بمفهوم الشّرف، فكلّ الغنم مستباحة لكلّ التّيوس، وأنّ مفهوم الشّرف، يعتقد به بعض المتخلّفين والرّجعيين من البشر، حتّى أنه تمّ تجاوزه عند المتنوّرين منهم.     أحلام التّيس تصل في أقصاها إلى تشكيل جيش من الغنم والسّخلات، وأن يشكّل من الجديان بعض الميليشيات، لتحرسه عندما يعتلي المنصّات، وتعاقب من يخالف الأوامر من سكان المزرعة.      قرّر التيس أن يعرض المزرعة للبيع بالمزاد العلنيّ، وقال إنّ هذه خطوة لشراء مزرعة جديدة فيما بعد، وأقنع كثيراً من الأغنام بحمل الإعلانات، وعلّق اليافطات بحبل حول أعناقهاّ، وقد كتبت عليها عبارات تتحدّث عن مزايا المزرعة، وتغري المشتري بآلاف الميّزات، رأت هذه الشّريحة من الأغنام أنّ بيع المزرعة يتيح لهم فرصة الحصول على مزرعة جديدة، أو التّسكع في كلّ المزارع، دون قيود، ويلغي بين المزارع السّدود والحدود.        وعندما سمع التّيس عن تجمّع بعض الأغنام في أحد الحقول، للاحتجاج على بيع المزرعة، اعتلى المنصّة، وخطب في الأغنام، وأوضح أنّ مفهوم الوطن لا معنى له في شريعة الغنم، فحيثما يوجد العشب والماء ترتع الغنم، ويكون ذلك المكان وطنها، تبعته كثير من الأغنام، إلّا أنّ بعضها ظلّت مصرّة على رأيها، قام التيس بتجميع تيوس المزرعة، وهاجم الأغنام المحتجة، وبقر بطون الكثيرات، واستدعى جارنا الذي قام بذبح الكثيرات، وقد سبب مشهد الضحايا استياءً بين غالبيّة الأغنام في المزرعة، فسارت كلّها وحاصرت التيس وبقرت بطنه، وداسته بأقدامها.        أعلن جارنا أنّ التيس المرحوم ارتكب خطأً جسيما عندما فكّر في بيع المزرعة، وأكّد أنّه لن يبيع المزرعة، ولو كلّفه ذلك حياته، وأنّه سيقوم شخصيّاً بواجب خدمتها، ووضع في رأسه خطّة خمسيّة سرّيّة لذبح الأغنام تدريجيّاً، ثمّ بيع لحومها سرّاً للجزارين المجاورين، وبدأ بتنفيذ خطته فوراًّ- وكان بعض جيرانه في المزارع المجاورة قد أعجبوا بفكرته وبدؤوا ينفذونها-وأخبر الأغنام أنّه سيتمّ بيع بعضها لأصحاب المزارع المجاورة، حيث ستستكمل حياتها كالمعتاد، بل ربّما في مزارع أجمل وأفضل وأنظف، خاصّة أنّه لا وجود لمفهوم الوطن- ولا لكلّ المفاهيم الآدميّة الرجعيّة مثل:الشّرف والنّسب والدّين- في شريعة الغنم، كان مقتنعاً أنّ التدرّج في التّخلص منها أفضل، فسرعان ما تنسى الأغنام بضع رفاق تغادرها كلّ يوم، وستكون مطمئنّة إلى أنّ رفاقها يحيون في مزارع مجاورة أو بعيدة، وفي نهاية السّنوات الخمس، سيسهل عليه استيراد قطيع هولندي أو أسترالي، وهكذا وبعد انتهاء السنوات الخمس، كان جارنا قد ذبح جميع الاغنام، واتّخذ الإجراءات لاستيراد قطيع أغنام استراليّة وهولنديّة، فاعتلى المنصّة وخطب في نفسه قائلاً: تحيا المزرعة، كلّنا فداء للمزرعة، الحمد لله على سلامتي وسلامة المزرعة، وهنيئاً للأغنام الهولنديّة والاستراليّة بالمزرعة، وهنيئا لجيراني المزارعين بسلامتهم وسلامة مزارعهم، وبأغنامهم الوافدة الجديدة. تحياااااااااااااااااااااااااااااا المزرعة.                                                        الكاتبة:عزيزة محمود الخلايلة                                                 مشرفة اللّغة العربية/ مكتب تربية الخليل                                                 azizah_m2012@yahoo.com.                                                                    
« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق