]]>
خواطر :
قالوا الصبرُ علاج للآلام... فزادت صبرُ السنين للجراح آلاما...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

تأملُ كأس شربات

بواسطة: Younes Ben Amara  |  بتاريخ: 2013-08-22 ، الوقت: 23:06:59
  • تقييم المقالة:

في الحقيقة ، كان لعنوان هذه المقالة ان تكون ( علة وجود النقص في العالم ) وهو عنوان فلسفي ربما ، وهو مغزى هذا المقال وقد استمعت بافساد اكتشاف ذلك لوحدكم بذكره هنا اولا .. اذ انكم توقعتكم ان اتكلم عن الشربات أولا وهو فعلا ما ساقوم به لكن كضرب لمثال فقط وفي اخر المقال ايضا..

 

الكثير يريد من هذا العالم ان يكون كاملا ..ولا يعرف حقيقتان اولها : ان العالم لا يمكن ان تعرف انه كامل لو كان كاملا .لان النقص غير موجود ويلخص ذلك المتنبي في قول رائع (وبضدها تتبين الاشياء )..فلو لم تعرف اساسا ما لا يمكن ان تعرف نقيضه ولهذا لا يعرف النور من لم يكن في الظلمة فالظلمة ليست شرا انما هي عدم النور .

الحقيقة الثانية انه حتى لو فرضنا جدلا ان العالم كامل فلا يمكن للطبيعة البشرية ان تتقبله لانها مجبولة على التعامل مع النقائص وليس الكمال . وهذا ما قاله برنامج التعقب لنيو في الماتريكس (لقد خلقنا عالما مثاليا لكن البشر لم تتقبله وانهار ) .

 

الشيء الآخر هو ان ما تراه اعوجاجا ونقصا في بعض الناس أو الامور أو الاشياء هي خصائصها الكاملة ..فكما في حكمة انشتاين  أو كما ينسب اليه في النت : لا يمكن ان تحقق منافسة بين السمك في البر أو الغزال في البحر .. ضع السمكة في البحر والغزال في البر وانظر الى المنافسة .لان الخصائص تختلف وقديما الحكماء قالوا ان الخٌطاف الذي تمسك به الدلو لتجلب الماء من البئر : اعوجاجه عين استقامته . اذا انك اذا اقمته مستقيما لم يكن خطافا ولم يجلب لك الماء .فهو مهتمه وخصائصه (وكماله ) ان يكون معوجا هكذا ليحقق غايته لو فهمت هذا فهمت العبارة الحقيقة ان المرأة ضلع اعوج في الاسلام فلا يعتقد منه النقص ابدا اذ هو عين الكمال والاستقامة ..

 

قال نبي الإسلام عليه السلام" فإِن ذهبتَ تُقيمُهُ كسرتَهُ، وإِن تركتَهُ لم يزلْ أعوجَ" كذلك كما قلنا عن الخُطاف الذي يجلب الماء من البئر .. لو أقمته لما كان مستقيما في نفسه ولن يؤدي مهمته فصلاحه في كونه هكذا  ..

هذا شيء ..والحجج الأخرى هي ان النقص (كمال ) في نفسه ..اذ ان بعض الاشياء عندما تنقص تكون كاملة ، وعندما تزاد شيئا تنقص ،حتى لو بدا لك ذلك تناقضا .. وعندما يصل الشيء الى كماله فان اي (زيادة) هي نقص وشذوذ ..فالإنسان كامل لما يكون له رأس واحد ويدان ..لكن لو اتى ل كانسان فيه رأسين واكثر من يدان لعلمت مباشرة ان هذا نقص رغم انه (زيادة) عن الطبيعي .

 

وهناك كتاب نحوي اسمه الخصائص لابن جني كتاب مميز جدا وأبدع فيه صاحبه للغاية ..وفيه باب جميل وكلام رائع عن هذا الأمر لكن من ناحية لغوية عنوان الباب هو  (باب في التام يزاد عليه فيعود ناقصا) .

 

وفيه " هذا موضع ظاهره ظاهر التناقض ومحصوله صحيح واضح ، وذلك قولك‏:‏ قام زيد فهذا كلام تام فإن زدت عليه فقلت‏:‏ إن قام   زيد صار شرطاً واحتاج إلى جواب‏.‏   وكذلك قولك‏:‏ زيد منطلق فهذا كلام مستقل فإذا زاد عليه أن المفتوحة   فقال أن زيداً منطلق احتاج إلى عامل يعمل في أن وصلتها فقال‏:‏ بلغني أن زيداً   منطلق ونحوه‏.‏   وحاصل هذا أن كل كلام مستقل زدت عليه شيئاً غير معقود بغيره ولا   مقتض أسواه فالكلام باق على تمامه قبل المزيد عليه‏.‏ "

والباب الذي ذكرته هنا في الكتاب صغير جدا ولا يفوق ورقة لكنه جيد و يدعم كلامنا هنا وكي أشوق للكتاب اكثر اذكر ابواب طريفة و رائعة منه لكنها نحوية ولغوية فتكتسبون فوائد لدى مطالعتها : ومما اخترته منها :

 

1-باب القول على أصل اللغة أإلهام هي أم اصطلاح ؟  تعليق : وهي مشكلة عويصة لغوية وانصح بقراءة فلسفة اللغة ( الذي يقول تمهيده انه 10 كتب في 1 ، وهو رائع من افضل انجازات المنظمة العربية للترجمة ، يمكن تجاوز بعض الفصول التقنية والاستفادة من الفصول التي تهمك فقط لانها منفصلة ) ،اضافة الى بحوث ودراسات امبرتو ايكو المنتشرة.

2-باب في الرد على من اعتقد فساد علل النحويين لضعفه هو في نفسه عن إحكام العلة. تعليق: وهذا الباب يعني بلغتنا الحالية : فهم لماذا علينا الاعتناء بكل هذا الزخم من فعلون ومفاعلين ومستفعل ؟ وهل هو مفيد حقا والرد على من لا يعتقد الفائدة في ذلك .

 3-باب في الرد على من ادعى على العرب عنايتها بالألفاظ وإغفالها المعاني . تعليق : جميل جدا !!

4-باب في هل يجوز لنا في الشعر من الضرورة ما جاز للعرب أو لا  ؟ .تعليق : سؤال يهم كل من له علاقة بالشعر .

5-باب في أن ما قيس على كلام العرب فهو من كلام العرب . تعليق : من أروع الأبواب وهي ترد على شبهة ان القرآن به ألفاظ أعجمية كإستبرق وسندس وقسورة ..الخ .

 6-باب في الاشتقاق الأكبر : أهم أبواب الكتاب و أروعها وهو نظرية عبقرية لابن جني .واترككم تكتشفونها لوحدكم ..بحر رحب حرب ..حبر !!

7-باب في تصاقب الألفاظ لتصاقب المعاني . باب جميل جدا قال عن هذا الباب : " هذا غور من العربية لا ينتصف منه ولا يكاد يحاط به‏.‏ "

8-باب في شجاعة العربية .

9-باب في العدول عن الثقيل إلى ما هو أثقل منه لضرب من الاستخفاف .

10-باب في التراجع عند التناهي . (باب جيد !)

11-باب في قوة اللفظ لقوة المعنى .

 

ونقول تنبيها ان الاختيارات شخصية وحسب الذوق وننبه ايضا الى ان الكتاب ليس سهلا تماما على الاقل يجب ان يكون لديك الاساس الادنى للغة العربية كي تفهمه . اذ انه يستحيل على اي اجنبي تعلم اللغة العربية ان يفهم اي حرف مما يقول هذا العلامة ..زد على ان الكثير جدا من العرب لم يفهموه زيادة على انهم غير مدروس بشدة كدراستنا لدي سوسير ونعوم تشومسكي رغم ان له نظريات اي العلامة بن جني دقيقة جدا ورائعة .

 

 والمهم سناتي الان الى كأس الشربات كي نتامل فيه فنقول انه اذا ملأت كأسا من العصير أو الشربات أو غيره للغاية فانه من الصعب ان تمسك به وتشربه ..اذ انه غالب الامر سيتدفق خارج الكوب وهذه خسارة فملئه الى التمام فساد له و اسراف لك في تبذير بعض العصير ..فتمام ملئه هنا عين النقصان ..

 

وكذلك الشاي ..معظمنا يشرب الشاي ساخنا جدا فاذا ملأت الكوب الزجاجي تماما وكان الشاي ساخنا فانه لا يمكنك حمل الكأس الى ان يبرد اما ان ملأته وتوقفت قبل ان تملأه تماما كي يتسنى لك ان تحمله من أعلاه ..كان يبدو ذلك نقصانا من الشاي لكنه عين الكمال لانه مؤدي للمهمة لك ويمكنك من شرب الشاي ..فالنقص هنا كمال والكمال هناك نقص ..اذ انهم يختلفان بحسب درجة الرؤية والعلم .

 

سؤال : لم قلنا كأساً ولم نقل كوب ؟ الجواب : الفرق بين الكوب والكأس : يطلق لفظ الكأس على الكوب المملوء بالشراب فقط ولا يشترط ذلك في الكوب ولهذا لم يأت لفظ الكأس في القرآن إلا للكوب المملوء شراب.

 

في العربية كل لفظ في مكانه فحتى قعد ليست مرادفا تماما لجلس ، واترككم مجددا تبحثون عن الفرق بانفسكم .

 

سلام


1-الخصائص لابن جني .

2-مراجع اخرى .


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق