]]>
خواطر :
“كلا – كلا ! لا ظلام في الحياة وإنما هي أنظارنا الكليلة التي تعجز عن مرأى النور في أبهى مجاليه(مي زيادة )   (طيف امرأه) . 

بن عائشة محمد الامين...السياسة الخارجية الجزائرية

بواسطة: محمد الامين بن عائشة  |  بتاريخ: 2013-08-20 ، الوقت: 21:50:16
  • تقييم المقالة:

        تشكل السياسة الخارجية الجزائرية أحد المجالات السيادية التي عرّفت دستوريا على أنها المجال الحصري لمؤسسة الرئاسة و بالشكل الذي يجعل من دور البرلمان دورا ضعيفا بل وحتى شكليا  من حيث النقاش و المساهمة في صنع السياسة الخارجية باعتباره يمثل الشعب  فغياب التصديق البرلماني على الالتزامات الدولية هو احد المؤشرات على ضعف التباين السلطوي و هذا ما يضعف من احتمالات الرقابة المواطنية على السياسة الخارجية. تقوم السياسة الخارجية على 05 خمس معايير و هي القيم ، المبادئ، المصالح، التوجهات و الأولويات  و هذه المعايير هي التي تحدد الاطار، التصور والمنظور للسياسة الخارجية فهذه الخماسية يمكن ان  تختزل عمليا في مفهوم المصلحة الوطنية و التي تعرف على انها مجمل المصالح التي لا يمكن للدولة باي حال من الاحوال التنازل عنها فهي مرجعية مطلقة باسم الدولة و خادمة لهويتها.

 

      شهدت الجزائر مع بداية الأزمة في مالي العديد من التهديدات نتجت عن نشاط حركات التمرد في شمال مالي والنيجر مما أجبر الجزائر على التحرك الدبلوماسي و العسكري من أجل تفادي أي تدخل أجنبي و دولي على حدودها الجنوبية وخلق بؤر توتر جديدة، ومن الضروري الإشارة إلى التهديدات التي تخلفها وجود جماعات متمردة متطرفة في منطقة الساحل حيث أن الزحف المتواصل من الهجرات البشرية الفردية والجماعية داخل التراب الجزائري و النشاط المتنامي لعصابات التهريب و الجماعات الإجرامية ثم دخول الحركات الإرهابية والقاعدة في المغرب الإسلامي في السنوات الأخيرة.

 

تشهد القارة الإفريقية تجاذبات وصراعات بين مصالح الولايات المتحدة الأمريكية و باقي القوى الكبرى في العالم في ظل التوجهات الإستراتيجية الجديدة لما بعد ﻧﻬاية الحرب الباردة، وكذا محاولة كل طرف تطبيق المشاريع الإستراتجية للهيمنة على مناطق النفوذ و الثروة في القارة الإفريقية انطلاقا من  سياسة جيوبوليتكية براغماتية، خصوصا منطقة الساحل الإفريقي  الذي هو منطقة شبه جافة تقع بين الصحراء الكبرى في الشمال و السافانا في الجنوب ويمتد غربا من السنغال عبر موريتانيا، مالي، النيجر، بوركينافاسو، شمال نيجيريا، تشاد، السودان حتى إثيوبيا شرقا، وهو ذو أهمية استراتيجة كبيرة نظرا للموقع و الثروات المتواجدة بهذا الإقليم .

 

إن اهتمام الجزائر بما يجري في منطقة الساحل راجع لكون هذه الأخيرة أصبحت تشكل مجالا لاستقطاب قوى خارجية ومجالا لعمل قوى إقليمية وذلك نظرا لما تتميز به هذه المنطقة من ثروات فوق و تحت الأرض، لذا كان لزاما على الجزائر أن تعمل من أجل إيجاد حلول في هذه المنطقة تفاديا لأي تهديد للأمن القومي الجزائري، فالجزائر سعت وتسعى جاهدة لقطع الطريق ضد أي تدخل أجنبي تحت مبرر مكافحة الإرهاب حيث جاء الرد سريعا  على لسان الرئيس  "عبد العزيز بوتفليقة" الذي أكد على رفض الجزائر القطعي لأن تكون أراضيها مقرا لقاعدة أفريكوم  ودعى أيضا دول المنطقة إلى تأمين الحدود من مخاطر الإرهاب وتهريب السلاح والهجرة السرية غير الشرعية بعيدا عن الوصاية الأميركية و الأجنبية في المنطقة.

 

تشهد السياسة الخارجية الجزائرية في الآونة الأخيرة حركية دبلوماسية مكثفة باتجاه الوسط الجغرافي المحيط بها من تونس إلى المغرب ومن النيجر إلى موريتانيا مرورا  بمالي، رهانات السياسة الخارجية الجزائرية هي متعددة -فالرهان هو الهدف الاستراتيجي للدولة في مجال تنافسي- أولها تحديد المكانة الدولية حيث تراجعت الجزائر من أفريقيا إلى الاشكالية الامنية في الساحل خصوصا مع تطبيق مبدا عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، كما أنه من بين رهانات الجزائر في الوقت الحالي هو أمننة حدودها فالجزائر الأن هي في مأزق أمني حدودي خطير فكل المجال الجغرافي مهدد من تونس إلى المغرب خصوصا بعد سقوط نظام معمر القذافي الذي كان بمثابة مركز متقدم لحماية الجزائر برفضه لتواجد قواعد عسكرية أجنبية في ليبيا و لكن بعد سقوط القذافي انتهى هذا الغطاء وأصبحت المنطقة وكرا للقاعدة و مصدرا تجارة الأسلحة وممر لمهربي المخدرات اللينة و الصلبة.

تظهر منطقة الساحل الإفريقي من بين أكثر المناطق في العالم التي تشهد حالة من الانهيار والانفلات الأمني  أو حالة الاأمن وما يخلفه من أثار سلبية على سكان المنطقة حيث أصبحت المنطقة المصدر الأساسي لكثير من المشاكل التي ترتبط في الغالب بعدم توفر أدنى مستويات الحياة للأفراد بالإضافة إلى غياب مفهوم الدولة وحالة الهشاشة و الانكشاف الأمني و الاقتصادي وخصوصا الاجتماعي الذي غالبا ما ينتج عنه أزمة هوية التي ينتج عنها تفكك المجتمع وبالتالي الدولة مما يؤدي إلى ظهور الدولة الفاشلة أمنيا و مجتمعيا، و تعتبر الجزائر الامتداد الإفريقي لحدودها محورا استراتجيا نظرا لثقل انعكاساته السلبية في حال عدم الاستقرار أو التهديد على الجناح الجنوبي لأمنها القومي الذي أصبح مهددا بقوة على خلفية حالة الانفلات الأمني في منطقة الساحل التي تهدد بطريقة مباشرة استقرار الأمن القومي الجزائري

 

الجزائر وبموقعها الاستراتيجي أصبحت مطالبة أكثر فأكثر بمراجعة علاقتها مع دول الجوار خصوصا في الجنوب حيث المشاكل و التهديدات التي تعاني  منها منطقة الساحل الإفريقي  تتفاقم بشكل سريع و خطير دون اهتمام كبير من المؤسسات المسؤولة عن الأمن القومي الجزائري بشقها السياسي والعسكري التي لا تتحرك إلا في إطار رد الفعل  و التركيز على العمل العسكري أكثر من السياسي والدبلوماسي ، صحيح أن التهديدات الأمنية في منطقة الساحل تتطلب أحيانا العمل العسكري فقط لكن الرهان على هذا العامل قد لا يكون مفيدا وصالحا في كل الأحوال فلا يمكن القضاء على الفقر و السيدا و الفيروسات الأخرى بالدبابة العسكرية،  فالجزائر اكتفت بإجراءات وحلول ناقصة لا تكفي لوضع حد لهذه التهديدات الأمنية خصوصا مع وجود أطراف أجنبية تعمل على الرفع من مستوى التهديدات في المنطقة لخدمة أجندتها الجيواستراتجية في المنطقة.

 

فيما يتعلّق بالدائرة الإفريقيّة للدبلوماسية الجزائرية، فيغلب على فواعلها الأمنيين الطابع غير الدولاتي، وعلى تهديداتها البعد الليّن وغير العسكري، لكنّ هذا لا ينفي أبدًا ثقل تأثيرات تهديداتها وانعكاساتها السلبيّة على الأمن القومي الجزائري منذ بداية التسعينيات ، بحكم سيطرة  حالة اﻼأمن  و اﻼاستقرار على غالبية دول وأقاليم القارّة الإفريقيّة (خاصّة الإقليم الساحلي).

 

       فبالنظر للمصالح المتنامية (النفط على وجه الخصوص) للغرب والصين في المنطقة وكذلك تفاقم الأزمات الداخلية وتفشي الظواهر المرضية مثل الهجرة السرية والجريمة المنظمة والإرهاب فإن الساحل مرشح لأن يكون في السنوات القادمة بحرا متلاطما من الأزمات الداخلية مع تزايد احتمالات لبروز ارهاب أفرو-مغاربي قد يهدد المنطقة برمتها.

 

     وحسب المنطق الإستباقي للإستراتيجية فإنه من واجب دول المنطقة، ودول الجوار الاستراتيجي وكذلك المجموعة الدولية عموما؛ وخاصة الأمم المتحدة ووكالاتها؛ العمل حسب منطق يجمع بين الاستباقية -الوقاية- والحماية ضد الكوارث المحتملة من فشل الدول، الحروب الداخلية وحتى الارهاب وذلك عن طريق تمكين هذه الدول من تحقيق شروط التنمية حسب ما تنص عليه أهداف الألفية وذلك بمرافاقتها لبناء أنظمة سياسية قادرة على ادماج مختلف المكونات الاجتماعية بمنطق حقوقي وديمقراطي.

 

فالنزاع في مالي مرشح للتأزم في بحر من التناقضات الداخلية مع تزايد للحسابات الخارجية، فيجب بالنتيجة التعامل مع الحركيات السببية وليس فقط مع الأشكال التعبيرية والعنيفة للأزمات.

    

       من خلال الدراسة توصلنا إلى أن الدبلوماسية الجزائرية تجاه أزمة مالي تميزت بنوع من الاستقرار و الاستمرار من حيث التمسك بمبادئ العمل الدبلوماسي و التأكيد على الحل السلمي والحوار السياسي و رفض التدخل العسكري الأجنبي، لكن في مقابل هذا تميزت الدبلوماسية الجزائرية بالتغير و ذلك من خلال تبني الخيار العسكري و القبول بالتدخل العسكري الفرنسي في مالي و فتح المجال الجوي لهذه العملية و هنا يظهر التغير في تعامل الجزائر مع أزمة بحيث تبرر الجزائر هذا الموقف بأن الرئيس المالي طلب المساعدة الأجنبية، بالإضافة الى أن الجزائر لا تستطيع مخالفة القرار الأممي الذي يقضي بالتدخل العسكري في مالي ، حيث فشلت الجزائر في فرض أجندتها و منع استصدار قرار أممي بعدم التدخل العسكري في مالي، وهو ما يؤكد فرضية البحث "كلما زاد التدخل الأجنبي (الأمريكي و الفرنسي) في ازمة مالي كلما قلّ دور الدبلوماسية الجزائرية وزاد تهميشها من القضية".

من خلال ما سبق يمكن الخروج بالنتائج التالية:

-سياسة الجزائر في مجال الأمن في منطقة الساحل يشوبها العديد من النقائص، حيث أن العلاقات الجزائرية- الساحلية تتميز بالتقطع و عدم الاستمرارية، وهذا راجع الى غياب الجزائر المتكرر عن أحداث المنطقة الا في حالة الخطر الحقيقي مثل أزمة مالي، وهو ما يفسح المجال لدول أخرى ( المغرب، فرنسا و الولايات المتحدة الاميركية) بنسج علاقات مع فواعل في المنطقة تكون اغلبها ذات مشاريع معاكسة و لا تخدم المصالح الجزائرية.

-الجزائر لم تستخدم كافة امكاناتها الاقتصادية في علاقاتها مع دول المنطقة، وهذا الضعف في التعاون الاقتصادي يرجع الى عدم اهتمام الجزائر بالمنطقة الساحلية على غرار اهتمام الجزائر الموّجه دائما نحو الشمال.

-في المجال الثقافي و الديني لم تستغل الجزائر كما يجب الروابط و العوامل التي تربط شعوب المنطقة على غرار عامل الدين و اللغة و كذا استخدام الزوايا( التيجانية خصوصا بحكم انتشارها في المنطقة)، حيث بإمكان الجزائر لعب ورقة العامل الديني من خلال استقبال الطلبة و الائمة لتكوينيهم في هذا المجال، حيث أن زوايا أدرار كانت في القديم وجهة طلاب العلم من سكان منطقة الساحل الصحراوية.

- تجنب الجزائر للتهديدات و المخاطر الأمنية القادمة من منطقة الساحل باعتباره ساحل أزماتي، يحتم عيليها استغلال عدة أبعاد تتميز بها المنطقة بإمكانها أن تشكل وسيلة لتقوية الروابط معها وفي كافة المجالات، هذه الأبعاد تتمثل في الابعاد الجيوسياسية و الاقتصادية و الأمنية، فالموقع الجيوسياسي لمنطقة الساحل يجعل من الجزائر بوابة المنطقة الى افريقيا و أوروبا في نفس الوقت كما أن شساعة حدود الجزائر مع منطقة الساحل يجعلها في عرضة دائمة و في حالة انكشاف أمني دائم.

-نظراً إلى قوتها العسكرية وتفوقها الاقتصادي ومعرفتها الوثيقة بالصراع في مالي فإن لدى الجزائر القدرة على المساهمة في حلّ النزاعات في منطقة الساحل عموما و في مالي خصوصا.

-الدور الجزائري في الساحل الإفريقي يرتبط أساسا بطبيعة التهديدات الأمنية في هذا الأخير ومدى تأثيرها على الحدود الجنوبية للجزائر.

-لأن دول الساحل الإفريقي إن وجدت في تعاونها مع الجزائر سيأتي بنتائج ايجابية  ويحسن من الوضع الأمني في دولهم ويحقق لهم الاستقرار، فإنها لن تكون بحاجة إلى التعاون مع الولايات المتحدة الأمريكية و  فرنسا.

- تمسك الجزائر بمبادئها الدبلوماسية لم يساهم كثيرا في دور الجزائر لحل الأزمة في مالي.

- العمل الجماعي هو الكفيل بحل الأزمة في مالي لكن مع سيطرة الأجندة الأجنبية و صراع الارادات في المنطقة أصبح من المستحيل التفاهم على حل سياسي و سلمي يرضي جميع الأطراف.

- عدم اهتمام الجزائر بالمنطقة بفسح المجال أمام المشاريع المحلية و الأجنبية في المنطقة مما يؤدي الى مزيد من التهميش للأجندة الجزائرية في المنطقة، خصوصا وأن المنطقة مرشحة لظهور المزيد من الأزمات واستقطاب نشاط الجماعات الإرهابية المختلفة.

- على الجزائر تعزيز دور وسائل الإعلام المحلية لمساندة المقاربة الجزائرية وذلك من خلال استعمال القوة الناعمة للإعلام.

- الإرهاب في منطقة الساحل ما هو إلا تهديد واحد من بين التهديدات الكثيرة و المتنوعة في هذه المنطقة ، فهناك الجريمة المنظمة المرتبطة بالمتاجرة بالأسلحة على خلفية الانتشار المخيف للأسلحة القادمة من ليبيا وأيضا المتاجرة بالمخدرات الصلبة (الكوكايين) القادمة من أمريكا اللاتينية عبر خليج غينيا مرورا بغرب إفريقيا وصولا إلى الساحل ثم المغرب العربي نحو أوروبا ، وطريق أخر للمخدرات اللينة القادمة من المغرب عبر البوليساريو -الصحراء الغربية-  وموريتانيا وصولا إلى الساحل.

- أن اهتمام الجزائر بمنطقة الساحل يعود بالدرجة الاولى الى الأزمات المتعددة التي تعرفها المنطقة و تأثيراتها المحتملة على الجزائر خصوصا أزمة مالي، وبالتالي فان اهتمام الجزائر بالمنطقة يقوم على العامل الأمني الذي له الأولوية القصوى في السياسة الجزائرية ، فمن خلال دراستنا للواقع الأمني للساحل الإفريقي اتضح بأن هذه المنطقة تعاني من العديد من المشاكل التي تجعل من الوضع الأمني فيها غير مستقر، حيث تنتشر الجريمة المنظمة بكل أشكالها و الأزمات الداخلية ومشاكل الأقليات، إضافة إلى التنظيمات الإرهابية التي لجأت في الآونة الأخيرة إلى منطقة الساحل الإفريقي.

وبالتالي فان أي مقاربة جزائرية أو أجنبية لايجاد حل للأزمة في مالي و منطقة الساحل عموما لابد أن تقوم على العناصر التالية:

1-      الاعتراف بأن التهديدات وان اختلفت حدتها من دولة لأخرى هي تهديدات مشتركة وهذا ما يقتضي تحرك وعمل مشترك.

2-      كل هذه التهديدات تقتضي وجود إستراتجية متعددة الأطراف و متعددة الأبعاد.

3-      بالنظر إلى ضعف المقدرات الذاتية لدول المنطقة دون الجزائر فمن الضروري وجود تعاون دولي للدعم اللوجيستي لكل من النيجر ومالي و موريتانيا –دول الميدان-.

4-      الإقرار بأن الإقليم يحتاج ريادة جزائرية بحكم المقدرة و الخبرة و الارتباطات الدولية في مجال مكافحة التهديدات خصوصا الإرهاب.


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق