]]>
خواطر :
رغم إني أخاف من الغرق ، عقدة تلازمني منذ الصغر...أتمنى الغرق في بحر ذكرى هواك...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

أزمة شمال مالي

بواسطة: محمد الامين بن عائشة  |  بتاريخ: 2013-08-20 ، الوقت: 21:25:16
  • تقييم المقالة:
خياران لحل الأزمة.. الدبلوماسية أم الحرب؟

من الواضح لمن يتابع أزمة شمال مالي أن المواقف الإقليمية والدولية حول هذه الأزمة يتوزعها موقفان: الموقف الديبلوماسي الساعي إلى تغليب الحوار والجمع بين الأطراف المتصارعة حول طاولة واحدة، ومن أهم الدول الإقليمية الداعية إلى هذا التوجه الجزائر وموريتانيا وبوركينافاسو، وإلى حد ما الولايات المتحدة التي تقف موقفا متناغما مع هذا الموقف دون أن يكون متطابقا معه تماما.

أما الموقف الثاني فهو الداعي إلى حسم عسكري ويسعى إلى قيام حرب "سريعة" من شأنها –نظريا- طرد المسلحين الجهاديين من الشمال واستعادة مالي سيطرته على كامل ترابه. ويتحمس بعض أعضاء مجموعة الأكواس لهذا الموقف وعلى رأسهم النيجر والتشاد وكوت ديفوار ونيجيريا، وتساند فرنسا وجنوب إفريقيا والمملكة المغربية هذه المقاربة الداعية إلى الحسم العسكري.

تقوم المقاربة الدبلوماسية لحل مشكل شمال مالي على استراتيجية من الممكن قراءة بعض ملامحها؛ فهي استراتيجية تقوم في بدايتها على أساس سياسي يؤول إلى خيار عسكري في مرحلة لاحقة. فالمقاربة تقوم على تشجيع تنظيمات الطوارق المسلحة (جماعة أنصار والحركة الوطنية لتحرير أزواد) على الدخول في مفاوضات مباشرة مع حكومة بماكو في إطار اعتراف هذه التنظيمات بشرعية الدولة المالية، واعتراف بماكو بالمقابل، وبالسعي عبر المفاوضات، إلى إيجاد حلول سياسية واجتماعية لمظالم الطوارق التي طال عليها الأمد وظلت تراوح مكانها دون حل منذ استقلال مالي سنة 1960 لحد الساعة. ويمكن أن نصف هذه المقاربة بأنها تفعيل وتنشيط للعبة السياسية المالية من الداخل. وقد بدأت تطبيقات هذه المقاربة تظهر ميدانيا؛ فمنذ 4 ديسمبر/ كاون الأول 2012 جمع الرئيس البوركينابي بليز كومباوري، وسيط مجموعة الإكواس في أزمة مالي، بالعاصمة البوركينابية واغادوغو ثلاثة أطراف تمثل الحكومة المالية وجماعة أنصار الدين والحركة الوطنية لتحرير أزواد. وقد غابت عن حوار واغادوغو الأطراف المحسوبة على التنظيمات الجهادية؛ سواء تعلق الأمر بالقاعدة ببلاد المغرب الإسلامي المتولدة أواخر عام 2006 من الجماعة السلفية للدعوة والقتال الجزائرية لتصبح تنظيما مرتبطا فكريا بتنظيم القاعدة الأم. كما أبعدت حركة التوحيد والجهاد بغرب إفريقيا التي أعلن عنها لأول مرة في أكتوبر/ تشرين الأول 2011 عن هذا الحوار. نجح كومباوري حتى الآن في جمع الأطراف الثلاثة وجها لوجه وإقناعهم بضرورة وضع حد للعنف بإقليم أزواد. ومن الواضح أن اجتماعات وغادوغو التي ما زالت في بداياتها لا تهدف إلى خلق تفاهم بين حكومة بماكو وبين المسلحين الطوارق بقدر ما تهدف إلى عزل العناصر الجهادية المحسوبة على تنظيم القاعدة في شمال مالي.

وقد عزز هذا التوجه نحو تشجيع الحل السياسي ولقاء أطرف الأزمة على طاولة واحدة ما دار ويدور في أروقة مجلس الأمن الدولي، وما جاء على لسان الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون الذي حذر من العواقب الوخيمة لأي حرب قد تشتعل في أزواد.

وتؤكد الدبلوماسية الجزائرية والموريتانية، وهو أمر يبدو أن الدوائر الدبلوماسية الأمريكية تتفهمه، على أن الخسائر البشرية لأي حرب ستقوم في شمالي ستكون خسائر هائلة خصوصا وأنه منذ اشتعال الأزمة وحتى الآن تشرد أكثر من 370 ألف شخص من بينهم 167 ألف شخص داخل مالي، كما فر آلاف اللاجئين الأزواديين إلى النيجر وموريتانيا وبوركينا فاسو وجنوب الجزائر. وقد نجم عن هذا التطور وضع إنساني صعب تمثل في حدة الوضع الغذائي والصحي والتعليمي لهؤلاء المشردين واللاجئين. وفي حالة قيام الحرب فإن الوضع الإنساني سيتفاقم أكثر وسيزداد عدد المشردين في الداخلين وعدد اللاجئين إلى الخارج وهو أمر لن يكون في طاقة دول فقيرة كدول الساحل أن تستوعبه.

وموازاة مع التحرك الدبلوماسي الساعي إلى الجمع بين بعض أطراف أزمة شمال مالي فإن مجموعة الإكواس ومعها فرنسا وجنوب إفريقيا تسعى إلى تحقيق حل عسكري حاسم وسريع، وهو أمر من شأنه –لو نجح- أن يجعل بماكو تستعيد سيطرتها على الشمال المتمرد. وفي هذا السياق اتفقت قمة الإكواس المنعقدة بأبوجا في 11 نوفمبر/ تشرين الثاني 2012 على خطة تدخل عسكرية سيتم بموجبها إنشاء قوة إقليمية مكونة من 3300 جندي، سيتم الاعتماد عليها لتحرير شمال مالي على أن تعزز وتساعد ميدانيا وقتاليا الجيش المالي. ومن المتوقع أن تقوم الدول الغربية وخصوصا فرنسا بدعم لوجيستي لهذه القوة، كما يتوقع أن تساهم بالمعلومات الاستخباراتية الضرورية بواسطة طائرات بدون طيار من شأنها أن توفر من المعلومات الاستخبارية ما تحتاجه القوة الإفريقية والمالية الموجودة على الأرض.

وسواء وجدت المقاربة الدبلوماسية الساعية لتغليب الحوار طريقها إلى أن تكون هي المعتمدة وهو أمر متوقع أكثر من غيره، أو تم اختيار المقاربة العسكرية لحل أزمة شمال مالي؛ فإنه بات من الواضح أن استرجاع مالي لجنوبه ما زال بعيد الوقوع؛ فلا السبيل الدبلوماسي الذي ما زال في بداياته قد استطاع أن يخلق جوا من التقارب والتفاهم والمصارحة، بين الأطراف الأزوادية نفسها وبينها مجتمعة وبين الطرف المالي، من شأنه أن يجعل الأزواديين يقبلون بالرجوع إلى الشرعية المالية في مقابل إصلاحات من شأنها أن ترفع من مستوى الاعتناء بالإقليم وساكنته. كما لا نجد أن الحل العسكري –رغم تحمس العديد من الدول له- قد تحددت ملامحه. فالدول الداعمة لحل عسكري في شمال مالي لم تصرح بعد بعدد الجنود الذي ستدفع به كل دولة إلى ساحة المعركة كما لم تتحدد الجهات التي ستمول هذه الحرب فضلا عن اختلاف حاد حول قيادة القوة الإفريقية. فالماليون يريدون أن يكونوا هم من يتولى القيادة العامة للقوة الإفريقية وللجيش المالي، في حين ترى دول الإكواس الأخرى أن يكون كل طرف قياته الخاصة مع إمكانية تنسيق بعض العمليات. فضلا عن أن الأمم المتحدة، التي يفترض أن تساهم بقسط كبير من التكاليف المادية للخطة العسكرية لم تبد بعد استعدادها للقبول بخوض غمار هذه الحرب.

هل تنجح الإكواس في طرد الجهاديين من شمال مالي

صرح رئيس الأركان في ساحل العاج الجنرال سومايلا باكايوكو يوم الأحد 16 ديسمبر/ كانون الأول 2012 أن قادة أركان جيوش مجموعة الإكواس قد استكملوا تفاصيل الخطة المنسقة المشتركة والمتعلقة بالتدخل العسكري في شمال مالي والهادفة إلى طرد الجماعات التي سماها بالإرهابية؛ إلا أن القوى المشتركة الإفريقية والمالية ستجد أمامها في إقليم أزواد مجموعات جهادية منظمة تعرف صحاري أزواد وجباله معرفة تامة وقد نسجت علاقات اجتماعية مع ساكنة الإقليم، وهو أمر يجعل عمل هذه القوة العسكرية الإفريقية في غاية الصعوبة. ومن الجلي أن الجماعات الجهادية قد استفادت من الوضع غير المستقر في شمالي مالي ومن البطالة المستشرية في صفوف الشباب الأزوادي مما مكن الجماعات المسلحة من جذب العديد منهم إلى صفوفها.

ويعتبر تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، التنظيم السلفي الذي خرج من عباءة الجماعة السلفية للدعوة والقتال الجزائرية، من أقدم التنظيمات في أزواد. فمنذ أواخر 2006 ومسلحو هذه الجماعة، التي تعرف كذلك بإمارة الصحراء، يسعون إلى جعل شمال مالي منطقة للاحتماء وملاذا لجمع الرهائن الغربيين ممن يتم اختطافهم في دول الساحل الإفريقي أو المغرب العربي، وممرا آمنا كذلك لقوافل تهريب البضائع والمخدرات، فضلا عن كونهم قاعدة خلفية للضغط على الجزائر وموريتانيا. ومنذ انسحاب الجيش المالي يتركز مسلحو إمارة الصحراء في تنبكتو إلى جانب مسلحي حركة أنصار الدين التي تشكل الوجه الطارقي للجماعة السلفية في أزواد. ويتزعم حركة أنصار القنصل المالي السابق في السعودية والزعيم القبلي والسياسي إياد آغ غالي، وهو أحد أكثر الأسماء حضورا في الأزمة الراهنة وهو الذي كان قائدا ميدانيا قاد التمرد مرارا ضد حكومة بماكو، كما تصالح معها أحيانا بفضل وساطات الجزائر المتكررة. وتعتبر حركة أنصار الدين على الرغم من توجهها السلفي الجهادي- ذات صلة وثيقة بالجزائر.

وفي الوقت الذي تنتشر فيه عناصر أنصار الدين في منطقة كيدال وتنتشر معها عناصر تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي في منطقة تنبكتو نجد أن عناصر جماعة التوحيد والجهاد في غرب إفريقيا تبسط نفوذها في منطقة غاوة. ولم يأت هذا التوزيع المناطقي صدفة بل إن من أسبابه الروابط القبلية والاجتماعية بين قادة بعض هذه التنظيمات مع قبائل ومجموعات في هذه المناطق. فمن الطبيعي أن تتولى حركة أنصار الدين السيطرة على منطقة كيدال حيث قبيلة الأيفوغاس الطارقية التي ينحدر منها إياد أغ غالي. كما أن قبيلة الأمهار العربية توجد بكثافة في مدينة غاوة، ومن هذه القبيلة ينحدر سلطان ولد بادي المكنى أبو علي وهو زعيم جماعة التوحيد والجهاد في غرب إفريقيا. ويوجد ضمن جماعة التوحيد والجهاد في غرب إفريقيا مسلحون جاؤوا متطوعين من بلدان مختلفة منها ما هو عربي كموريتانيا والجزائر وتونس والمغرب كما يوجد من بينها عناصر من جماعة بوكو حرام من نيجيريا وعناصر من التشاد والنيجر وغيرها.

ومن الصعب معرفة عدد مسلحي الجماعات الجهادية في إقليم أزواد، ذلك أن عددهم ما فتئ يزداد منذ اندلاع الأزمة في بدايات سنة 2012. ومن تقاليد منتسبي تنظيم القاعد المتعارف عليها أن يهبوا لنجدة إخوانهم في الفكر والتوجه. فكثيرا ما تداعت عناصر تنظيم القاعدة من مختلف الجهات لنصرة إحدى الجماعات الجهادية عندما تتعرض لخطر، ومن هنا تصعب معرفة عدد مسلحي هذه الجماعات في إقليم أزواد؛ حيث إنهم في ازدياد مطرد منذ أن بدأت الأزمة. فإذا كانت بعض التقارير تقول إن عناصر الحركات الجهادية الثلاث لم تكن تتجاوز الثلاثة آلاف قبل الأزمة فإن هذا العدد قد تضاعف وقارب الستة آلاف حيث انضمت إليهم عناصر من نيجيريا (بوكو حرام) ومن التشاد والسودان والنيجر وبوركينافاسو فضلا عن عناصر من بلدان المغرب العربي الخمسة. ومع صعوبة تحديد عدد هؤلاء المسلحين فإنه من المؤكد أنهم يمتلكون كمية من الأسلحة المتطورة التي جاؤوا بها إلى المنطقة بعد سقوط الزعيم الليبي معمر القذافي. كما أن الفديات التي حصلوا عليها بعد الإفراج عن رهائن غربيين فضلا عن السيطرة عن شبكات تجارية محرمة وغير محرمة قد وفرت لهم أموالا طائلة


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق