]]>
خواطر :
انساك ! ده كلام ؟... اهو ده اللي مش ممكن ابدا...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

انهيار الدولة في مالي

بواسطة: محمد الامين بن عائشة  |  بتاريخ: 2013-08-20 ، الوقت: 21:22:43
  • تقييم المقالة:
انهيار الدولة وتزايد نفوذ المؤسسة العسكرية

لا شيء أشد تعقيدا من الوضع السياسي والأمني في مالي، تلك الدولة الواقعة في غرب إفريقيا والتي ظلت حتى شهر مارس/ آذار 2012 دولة ديمقراطية يقودها رئيس منتخب، وتوجد بها تعددية حزبية وحرية تعبير عز وجودها في محيطها الإفريقي. لكن تلك الديمقراطية وذلك التعدد صارا في خبر كان بعد أن تمت الإطاحة بالرئيس آمادو توماني توري في انقلاب عسكري قاده الرائد آمادو هيا سنوغو، متزعما مجلسا عسكريا يدعى اللجنة الوطنية للإنقاذ الديمقراطي وتأهيل الدولة.

انسحبت كتيبة الرائد آمادو هيا سنوغو وغيرها من كتائب الجيش المالي أمام هجمات مسلحي الطوارق من منتسبي الحركة الوطنية لتحرير أزواد في الشهور الأولى من سنة 2012؛ حيث لم يكن ميزان القوى متكافئا بين الطرفين: فالمسلحون الطوارق، وأغلبهم  يحمل الجنسية الليبية بالإضافة إلى جنسيته المالية ممن كان في الجيش الليبي وظل نشطا ضمن كتائب القذافي، انسحبوا غداة الإطاحة بالقذافي من ليبيا بمعداتهم وعتادهم الحربي مرورا بالنيجر والجزائر ليجدوا أمامهم جيشا ماليا ضعيف البنية وسلاح قديم يعود إلى سبعينات القرن الماضي كما أن كفاءته القتالية واستعداده الميداني محدودان جدا. انهزم الجيش المالي بسرعة أمام مسلحي الحركة الوطنية لتحرر أزود تاركا وراءه منطقة تشكل أكثر من 66% من مساحة الأراضي المالية في يد المسلحين الطوارق ثم ما لبثت المجموعات السلفية الجهادية أن استخلصتها من الحركة الطارقية.

ومع كثرة تمرد الطوارق في شمال مالي منذ استقلال البلاد عن فرنسا سنة 1960، ورغم كثرة الاتفاقيات التي رعتها الجزائر وأشرفت على إبرامها بين مسلحي الطوارق وبين حكومة مالي، فإن هذه هي المرة الأولى التي ينسحب فيها الجيش المالي بشكل تام من إقليم أزواد تاركا تسييره بكل مطلق للتنظيمات المسلحة.

تحت الضغط الخارجي المتمثل أساسا في عقوبات مجموعة الإكواس على الرائد سنوغو ورفاقه من الانقلابيين، ومع تجميد عضوية مالي في هذه المجموعة تم تعيين رئيس البرلمان ديونكوندا تراوري في 6 إبريل/ نيسان 2012 رئيسا مؤقتا لجمهورية مالي، وقد قام ديونكوندا بتعيين الشيخ موديبو جارا رئيسا للوزراء، وهو الرجل المحسوب على رئيس مالي الأسبق موسى تراوري (1968-1991). لكن يبدو أن تسليم الحكم للمدنيين لم  يكن سوى إجراء تكتيكي وقناع سطحي فنفوذ الانقلابيين وتحكمهم في الشأن السياسي المالي ظل أمرا ملموسا؛ فقد صادروا السلطة بشكل تام منذ اليوم الأول للانقلاب، وما زالوا يتحكمون في تفاصيل الشأن السياسي بكل جزئياته. تمت الإطاحة برئيس الوزراء الشيخ موديبو جارا يوم 11 ديسمبر / كانون الأول 2012 وتعيين ديانغو سيسكو مكانه وهو أمر دبره الرائد آمادو هيا سنوغو وزملاؤه الانقلابيون من قاعدتهم العسكرية في كاتي بضاحية ماكو مما يؤكد مدى سيطرة الانقلابيين –رغم ابتعادهم العلني عن تسيير الشأن العام- على كل ما يدور في بماكو.

وللخروج من تعقيدات الأزمة في الجزء الجنوبي من مالي تقدر العديد من الجهات وعلى رأسها الولايات المتحدة أنه بات من الضروري تنظيم انتخابات رئاسية تعددية في شهر أبريل/ نيسان 2013، قد تؤدي –لو تمت- إلى إعطاء النظام السياسي شرعية دستورية، كما ستسمح بعودة الجيش إلى ثكناته وبالتالي ستنفرج المشكلة في جنوب البلاد وستتفرغ القيادة الجديدة والمنتخبة ديمقراطيا لحل المشكل الشمالي.

وفي انتظار هذا الحل الذي ما زال بعيد المنال، والذي يتطلب وقتا طويلا قد يكون أكثر من ثلاثة أشهر وهي المدة تفصلنا عن التاريخ المحدد للانتخابات؛ فإن الوضع في الجنوب مرشح لمزيد من تجاذب النفوذ والتنافس بين المؤسسة العسكرية وبين الأجنحة المدنية المتعددة في بماكو. وهذا يعني أن المسلحين الجهاديين في شمال البلاد سيجدون فرصة أكثر لترسيخ وجودهم وإحكام قبضتهم على إقليم أزواد. ومع توزع مراكز النفوذ في مالي بين عدة أطراف متنافرة ومتنافسة، منها ما هو عسكري وهو الأقوى والأكثر تحكما، ومنها ماهو مدني، فإن مراكز النفوذ هذه ستبقى عاجزة في ظل انقاسمها عن إيجاد حل لأزمة شمال البلاد، وسيبقى الانقلابيون هم المتحكمين في كل صغيرة وكبيرة في الشأن العام.

كما أننا نجد تباينا في المواقف الإقليمية والدولية حول الحلول المقترحة لهذه الأزمة. وهذا التباين في المقاربات يزيد المشكل تعقيدا ويجعل الحل أبعد منالا.

خياران لحل الأزمة.. الدبلوماسية أم الحرب؟

من الواضح لمن يتابع أزمة شمال مالي أن المواقف الإقليمية والدولية حول هذه الأزمة يتوزعها موقفان: الموقف الديبلوماسي الساعي إلى تغليب الحوار والجمع بين الأطراف المتصارعة حول طاولة واحدة، ومن أهم الدول الإقليمية الداعية إلى هذا التوجه الجزائر وموريتانيا وبوركينافاسو، وإلى حد ما الولايات المتحدة التي تقف موقفا متناغما مع هذا الموقف دون أن يكون متطابقا معه تماما.

أما الموقف الثاني فهو الداعي إلى حسم عسكري ويسعى إلى قيام حرب "سريعة" من شأنها –نظريا- طرد المسلحين الجهاديين من الشمال واستعادة مالي سيطرته على كامل ترابه. ويتحمس بعض أعضاء مجموعة الأكواس لهذا الموقف وعلى رأسهم النيجر والتشاد وكوت ديفوار ونيجيريا، وتساند فرنسا وجنوب إفريقيا والمملكة المغربية هذه المقاربة الداعية إلى الحسم العسكري.

تقوم المقاربة الدبلوماسية لحل مشكل شمال مالي على استراتيجية من الممكن قراءة بعض ملامحها؛ فهي استراتيجية تقوم في بدايتها على أساس سياسي يؤول إلى خيار عسكري في مرحلة لاحقة. فالمقاربة تقوم على تشجيع تنظيمات الطوارق المسلحة (جماعة أنصار والحركة الوطنية لتحرير أزواد) على الدخول في مفاوضات مباشرة مع حكومة بماكو في إطار اعتراف هذه التنظيمات بشرعية الدولة المالية، واعتراف بماكو بالمقابل، وبالسعي عبر المفاوضات، إلى إيجاد حلول سياسية واجتماعية لمظالم الطوارق التي طال عليها الأمد وظلت تراوح مكانها دون حل منذ استقلال مالي سنة 1960 لحد الساعة. ويمكن أن نصف هذه المقاربة بأنها تفعيل وتنشيط للعبة السياسية المالية من الداخل. وقد بدأت تطبيقات هذه المقاربة تظهر ميدانيا؛ فمنذ 4 ديسمبر/ كاون الأول 2012 جمع الرئيس البوركينابي بليز كومباوري، وسيط مجموعة الإكواس في أزمة مالي، بالعاصمة البوركينابية واغادوغو ثلاثة أطراف تمثل الحكومة المالية وجماعة أنصار الدين والحركة الوطنية لتحرير أزواد. وقد غابت عن حوار واغادوغو الأطراف المحسوبة على التنظيمات الجهادية؛ سواء تعلق الأمر بالقاعدة ببلاد المغرب الإسلامي المتولدة أواخر عام 2006 من الجماعة السلفية للدعوة والقتال الجزائرية لتصبح تنظيما مرتبطا فكريا بتنظيم القاعدة الأم. كما أبعدت حركة التوحيد والجهاد بغرب إفريقيا التي أعلن عنها لأول مرة في أكتوبر/ تشرين الأول 2011 عن هذا الحوار. نجح كومباوري حتى الآن في جمع الأطراف الثلاثة وجها لوجه وإقناعهم بضرورة وضع حد للعنف بإقليم أزواد. ومن الواضح أن اجتماعات وغادوغو التي ما زالت في بداياتها لا تهدف إلى خلق تفاهم بين حكومة بماكو وبين المسلحين الطوارق بقدر ما تهدف إلى عزل العناصر الجهادية المحسوبة على تنظيم القاعدة في شمال مالي.

وقد عزز هذا التوجه نحو تشجيع الحل السياسي ولقاء أطرف الأزمة على طاولة واحدة ما دار ويدور في أروقة مجلس الأمن الدولي، وما جاء على لسان الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون الذي حذر من العواقب الوخيمة لأي حرب قد تشتعل في أزواد.

وتؤكد الدبلوماسية الجزائرية والموريتانية، وهو أمر يبدو أن الدوائر الدبلوماسية الأمريكية تتفهمه، على أن الخسائر البشرية لأي حرب ستقوم في شمالي ستكون خسائر هائلة خصوصا وأنه منذ اشتعال الأزمة وحتى الآن تشرد أكثر من 370 ألف شخص من بينهم 167 ألف شخص داخل مالي، كما فر آلاف اللاجئين الأزواديين إلى النيجر وموريتانيا وبوركينا فاسو وجنوب الجزائر. وقد نجم عن هذا التطور وضع إنساني صعب تمثل في حدة الوضع الغذائي والصحي والتعليمي لهؤلاء المشردين واللاجئين. وفي حالة قيام الحرب فإن الوضع الإنساني سيتفاقم أكثر وسيزداد عدد المشردين في الداخلين وعدد اللاجئين إلى الخارج وهو أمر لن يكون في طاقة دول فقيرة كدول الساحل أن تستوعبه.

وموازاة مع التحرك الدبلوماسي الساعي إلى الجمع بين بعض أطراف أزمة شمال مالي فإن مجموعة الإكواس ومعها فرنسا وجنوب إفريقيا تسعى إلى تحقيق حل عسكري حاسم وسريع، وهو أمر من شأنه –لو نجح- أن يجعل بماكو تستعيد سيطرتها على الشمال المتمرد. وفي هذا السياق اتفقت قمة الإكواس المنعقدة بأبوجا في 11 نوفمبر/ تشرين الثاني 2012 على خطة تدخل عسكرية سيتم بموجبها إنشاء قوة إقليمية مكونة من 3300 جندي، سيتم الاعتماد عليها لتحرير شمال مالي على أن تعزز وتساعد ميدانيا وقتاليا الجيش المالي. ومن المتوقع أن تقوم الدول الغربية وخصوصا فرنسا بدعم لوجيستي لهذه القوة، كما يتوقع أن تساهم بالمعلومات الاستخباراتية الضرورية بواسطة طائرات بدون طيار من شأنها أن توفر من المعلومات الاستخبارية ما تحتاجه القوة الإفريقية والمالية الموجودة على الأرض.

وسواء وجدت المقاربة الدبلوماسية الساعية لتغليب الحوار طريقها إلى أن تكون هي المعتمدة وهو أمر متوقع أكثر من غيره، أو تم اختيار المقاربة العسكرية لحل أزمة شمال مالي؛ فإنه بات من الواضح أن استرجاع مالي لجنوبه ما زال بعيد الوقوع؛ فلا السبيل الدبلوماسي الذي ما زال في بداياته قد استطاع أن يخلق جوا من التقارب والتفاهم والمصارحة، بين الأطراف الأزوادية نفسها وبينها مجتمعة وبين الطرف المالي، من شأنه أن يجعل الأزواديين يقبلون بالرجوع إلى الشرعية المالية في مقابل إصلاحات من شأنها أن ترفع من مستوى الاعتناء بالإقليم وساكنته. كما لا نجد أن الحل العسكري –رغم تحمس العديد من الدول له- قد تحددت ملامحه. فالدول الداعمة لحل عسكري في شمال مالي لم تصرح بعد بعدد الجنود الذي ستدفع به كل دولة إلى ساحة المعركة كما لم تتحدد الجهات التي ستمول هذه الحرب فضلا عن اختلاف حاد حول قيادة القوة الإفريقية. فالماليون يريدون أن يكونوا هم من يتولى القيادة العامة للقوة الإفريقية وللجيش المالي، في حين ترى دول الإكواس الأخرى أن يكون كل طرف قياته الخاصة مع إمكانية تنسيق بعض العمليات. فضلا عن أن الأمم المتحدة، التي يفترض أن تساهم بقسط كبير من التكاليف المادية للخطة العسكرية لم تبد بعد استعدادها للقبول بخوض غمار هذه الحرب


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق