]]>
خواطر :
انساك ! ده كلام ؟... اهو ده اللي مش ممكن ابدا...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

روسيا و البحث عن الإمبراطورية الضائعة....بن غائشة محمد الامين

بواسطة: محمد الامين بن عائشة  |  بتاريخ: 2013-08-19 ، الوقت: 18:51:09
  • تقييم المقالة:
روسيا و البحث عن الإمبراطورية الضائعة.

محمد الأمين بن عائشة*

في الفترة التي أعقبت انهيار الاتحاد السوفييتي، اتبعت روسيا سياسة خارجية ذات توجه أوربي- أطلسي واضح، حيث سعت إلى الاندماج في الحضارة الغربية و الانضمام إلى كافة مؤسساتها، إلا أنها سرعان ما أدركت أن الغرب لن يسمح لها بالاندماج الكامل في حضارته، وأنها لن تكون بأي حال دولة غربية و إن ظلت دولة أوربية، هذا فضلا عن خيبة الحكومة الروسية من تدفق المعونات الغربية عليها، فحجم ما تدفق من معونات كان محدودا جدا مقارنة باحتياجات روسيا،و بتعهدات الدول الغربية ذاتها و وعودها لروسيا، و بخاصة بعد تفاقم الأزمة الاقتصادية فيها.

و من ثم بدأت روسيا في الاتجاه شرقا، سعيا وراء الفرص الاقتصادية المتاحة، و تنويعا لعلاقاتها،حتى لا يكون اعتمادها بالكامل على الغرب وحده، و من هنا كان التقارب التاريخي مع الصين و تدل متابعة التاريخ المعاصر للعلاقات بين البلدين على تطور مبرمج، فمنذ أول قمة بين البلدين بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، و التي عقدت في بكين عام 1992 ، إلى الاتفاقيات التي وقع عليها عام 1993 و الخاصة بالتبادل العسكري لمدة خمس سنوات، إلى البحث في ترتيب الحدود بينهما، إلى نتائج زيارة رئيس الوزراء الروسي الأسبق "تشيرنو ميردين" عام 1994 ، و التي دعت إلى التعاون بين البلدين في مختلف الميادين المدنية و العسكرية، إلى الاتفاق على ترسيم الحدود خلال زيارة الرئيس الصيني الأسبق "جيانغ زيمين" لروسيا عام 1994 ،إلى الاتفاق في العام ذاته على الالتزام بعدم القيام بنشاطات عسكرية خطرة من قبل إحدى الدولتين على حدود الدولة الأخرى،و في عام 1995،اتفق البلدان على تبادل الطلبة من الأكاديميات العسكرية، و مناقشة المشكلات الأمنية في منطقة آسيا و المحيط الهادي، و في عام 1996 ، توصل البلدان خلال لقاء القمة في بكين إلى إقامة (Hot Line) خط ساخن بينهما ،وٳبرام عقود لإمداد الصين بالغاز الطبيعي الروسي.

مما سبق يبدو أن روابط الصين مع روسيا في المستقبل القريب ستكون أقوى منها مع الولايات المتحدة، و تكمن أسباب ذلك في أنه ليس هنالك عوائق كبيرة للتعاون بين البلدين، فالصين تشارك روسيا في وجهات نظر عامة بخصوص مشاكل عالمية كبرى، أكثر مما تشارك الولايات المتحدة، كذلك فإن الصين و روسيا تلتزمان بالمبادئ الخمسة للتعايش السلمي، و على العكس فإن الولايات المتحدة تمارس سياسة المحاصرة و الاحتواء تجاه الصين، و لا تتوقف عن إثارة مشاكل مثل تايوان، و حقوق الإنسان، و العجز التجاري، و العديد من المشكلات الأخرى، و يواجه سعي الولايات المتحدة لجعل عالم ما بعد الحرب الباردة أحادي القطبية معارضة من الصين و روسيا ويمكن القول في شأن العلاقات الصينية الروسية أنها علاقات معقدة ومتداخة فكلا البلدين يتقاسمان نفس المقاربة في الكثير من المسائل الإقليمية والدولية ،والصين هي أهم زبون لروسيا في مجال الأسلحة و الطاقة،ٳلا أن موسكو قلقة من التحول الصيني الذي يؤدي بها لأن تصبح قوة عالمية ونتائج هذا على الأمن الروسي ومكانة روسيا في العالم ،حيث مستقبل العلاقات الصينية-الروسية قائمة على توازن هش un équilibre fragile

و على الجانب الآخر تراهن روسيا على إقامة علاقات إستراتيجية نوعية، مع قوة رئيسية أخرى في آسيا، و المتمثلة في الهند،ٳن العلاقات الروسية-الهندية علاقات متميزة للغاية تقليديا،حيث طور الجانبان علاقة صداقة متينة أثناء الحرب الباردة، و لكنها لم ترق إلى مستوى التحالف الاستراتيجي، وكانت هذه العلاقات المتميزة مرتبطة في الأساس بشبكة العلاقات الإقليمية أثناء الحرب الباردة، حيث كانت باكستان ترتبط بعلاقات متينة للغاية مع الصين، باعتبار أن الهند خصما لهاتين الدولتين، كما كانت باكستان تحتفظ بعلاقات سياسية و عسكرية متميزة مع الولايات المتحدة، و لذلك اتجهت الهند نحو تطوير علاقاتها مع الاتحاد السوفييتي السابق، كرد فعل على تلك الشبكة المتداخلة من العلاقات، كما كانت العلاقات الهندية-السوفييتية ترتبط آنذاك بحقيقة أن حركة عدم الانحياز التي كانت تتزعمها الهند، كانت أقرب إيديولوجيا للإتحاد السوفييتي، لدوره في دعم الحركات التحررية في العالم الثالث آنذاك.

  و يؤكد المحلل الروسي "فيليكس يورولوف"(Felix.N.Yorolov)،على أهمية تدعيم العلاقات  الروسية-الهندية، لمواجهة تحديات البيئة الدولية المتغيرة بعد نهاية الحرب الباردة بقوله: "في كل الأحوال، يجب أن نؤكد أن التغيرات الرئيسية في توازنات القوى الدولية، لها تأثير مباشر على العلاقات الروسية-الهندية، فروسيا و الهند مضطرتان عندما تضعان استراتيجيتهما الخاصة بالمصالح القومية و الأمن، أن تأخذان بعين الاعتبار التحولات التي طرأت على النظام الدولي، لأنه ليس بإمكانهما تجاهل الحقائق الدولية الجديدة"،صرح "بوتين" أثناء قمة نيودلهي أن: "الهند هي شريكنا الاستراتيجي المفضل،الهند هي الرقم واحد"، و أبدت روسيا مساندتها لمطلب الهند في الحصول على مقعد دائم في مجلس الأمن الدولي تتمتع فيه بحق الفيتو، حيث قال: "نحن ندعم مطلب الهند، إذ يجب أن تنال جميع حقوق عضو  دائم، بما في ذلك حق الفيتو"، و هذا التصريح يريح الهنود مقارنة بموقف الولايات المتحدة الذي لم يؤيد صراحة حق الهند في مقعد دائم في مجلس الأمن، أو الصين التي و بعد التزامها الصمت مبدئيا، لم تؤيد هي الأخرى لحد الآن فكرة انضمام الهند لمجلس الأمن كعضو دائم.

و لكن بالنظر لطبيعة العلاقات الهندية-الصينية التي تتسم بوجود قدر كبير من التنافس بينهما لبسط هيمنتهما في آسيا، و بالنظر كذلك لتزامن تصاعد طموحاتهما للاضطلاع بأدوار إقليمية مؤثرة، وسعيهما لأن تصبحا ضمن قائمة القوى العالمية العظمى، وبالنظر كذلك لحيوية علاقات روسيا بكلا البلدين، فالإشكالية التي تطرح بحدة أمام صناع القرار في موسكو،هي كيفية الحفاظ على توازن دقيق في علاقات روسيا مع الهند و الصين، بحيث تكون روسيا ملزمة بالتوفيق بين حاجتها لإقامة شراكة إستراتيجية مع الهند و الصين في آن واحد، حتى يتسنى لها استغلال هذه العلاقات لتوطيد نفوذها في الإقليم و موازنة النفوذ الأمريكي هناك، و في نفس الوقت فروسيا مطالبة بأن لا يكون تقاربها مع أي من الطرفين على حساب الطرف الآخر،أمام هذه الإشكاليةعملت روسيا على إيجاد عامل مشترك يشكل نقطة التقاء بين مصالح الأطراف الثلاثة، و يبدو أن العمل على إقامة عالم متعدد الأقطاب، هو الأساس الذي يمكن من خلاله إرساء علاقات متوازنة و متينة بين الأطراف الثلاثة.

منذ عهد أول رئيس وزراء "جواهر لال نهرو"،يعتري الهند القلق من هيمنة الدول الكبرى والغنية على الشؤون العالمية،و من ثم فهي تدعو دائما إلى إقامة نظام عالمي جديد على المستويين السياسي و الاقتصادي،و قد صرح رئيس الوزراء الهندي الأسبق "أتال بيهاري فاجباي"، أن مجتمعا ديمقراطيا تعدديا مثل الهند، لا يمكن إلا أن يطالب بصياغة عالم تعددي ديمقراطي أيضا،و استغلت روسيا هذا التطلع الصيني و الهندي نحو عالم متعدد الأقطاب، حتى تجمعهما إلى جانبها ضمن تحالف ثلاثي عرف ب "المثلث الاستراتيجي"(StrategicTriangle).

و تعود فكرة "المثلث الاستراتيجي" لوزير الخارجية الروسي الأسبق "يفغيني بريماكوف" (Yevgeny Primakov)، الذييمثل"ٳتجاهتعددالأقطاب"،وهوأحدالاتجاهاتالاستراتيجيةالتي ظهرت في الفكر الاستراتيجي الروسي بعد الحرب الباردة،إلى جانب "الاتجاه التقليدي المتشدد" أو "المحافظ"، الذي يعد الوريث الفكري للتوجه المحافظ للاتحاد السوفييتي المنهار، و"الاتجاه البراغماتي"، الذي يدعو إلى ارتباط روسيا بالغرب، و إعطاء طابع غربي لروسيا،وقد تمكن "بريماكوف" من صياغة فلسفة متناغمة، تحمل ٳسم "مبدأ تعدد الأقطاب"، ترمي لتجنب ما تميزت به المدرستان السابقتان من وجهات نظر متطرفة،و تتمثل الفكرة الاستراتيجية الأساسية التي يؤمن بها أنصار هذا الٳتجاه في بناء تحالف جيوسياسي مرن، يطلق عليه "المثلث الكبير" أو "المثلث الاستراتيجي" يضم الصين و الهند و روسيا، بحيث يشكل ثقلا موازنا للولايات المتحدة و حلف الناتو،و تكمن قوة هذا المثلث في أطرافه الثلاثة، التي تعد دولا نووية، و ذات قدرات عسكرية وٳستراتيجية هامة، و تستند إلى قاعدة بشرية تتجاوز ملياري نسمة أي أكثر من 1/3 من سكان العالم فضلا عن أن هذا المثلث يمتد جغرافيا إلى ما يزيد عن نصف مساحة قارة آسيا.

تزامنت محاولة بعث فكرة "المثلث الاستراتيجي" مع وقوع"أحداث الحادي عشر من سبتمبر"، والحرب الأمريكية على أفغانستان، و تمركز الولايات المتحدة في المنطقة رفقة قوات الناتو، وهو ما أثر على التوازنات الاستراتيجية عالميا، و على مستوى وسط و جنوب آسيا بالخصوص، باعتبارها من المراكز الحيوية للمصالح الروسية و الصينية و الهندية.

فرغم موقف روسيا الذي جاء مساندا للولايات المتحدة في حربها على "الإرهاب"، إلا أنها أبدت تخوفها من التهديدات التي يمكن أن تنجم عن التواجد الأمريكي في المنطقة، مثل احتمالات تفاقم مشكلة اللاجئين الأفغان في جمهوريات آسيا الوسطى،و ما يمكن أن يترتب عنها من مشكلات سياسية واقتصادية و اجتماعية، و التخوف من احتمال استمرار التواجد العسكري الأمريكي في المنطقة،الأمر الذي يؤدي إلى التأثير على التوازن الاستراتيجي الإقليمي،و الآثار السلبية لدخول الولايات المتحدة كضلع خامس في المربع النووي في المنطقة (روسيا، الصين، الهند، باكستان)، فضلا عن التنافس على اقتصاديات و ثروات النفط و الطاقة في آسيا الوسطى، والتخوف من أن تكون العمليات العسكرية الأمريكية خطوة لعزل روسيا عن مناطق نفوذها التقليدية في وسط و جنوب آسيا.

كما أن الولايات المتحدة الأمريكية الساعية للحفاظ على وضعها المهيمن في العلاقات الدولية، لن تسمح بسهولة بتكوين تكتل معاد لها في قارة آسيا، يضم دولا في حجم الصين و روسيا والهند، يقول "هنري كيسينجر": "المصالح الأمريكية في آسيا، أبعد من كونها تقتصر على الجانب الاقتصادي، و إنما تتعداه إلى مصالح سياسية أساسية، و هي عدم السماح بقيام تكتل معاد للمصالح الأمريكية هناك"، فهناك تحول استراتيجي مهم في موازين القوى العالمية، وأن قواعد اللعبة الاقتصادية لم تعد حصراً بين اللاعبين التقليديين،بل انضم إليهم لاعبون جدد في مقدمتهم الهند والذي يبشر بظهور قوة اقتصادية عالمية جديدة ، وفي ظل التحول الملحوظ الذي بدأ يطرأ على مركز القوة العالمية وانتقاله من الغرب إلى الشرق حيث تقف الصين كإحدى أبرز المرشحين لتتبوأ مركز الصدارة، شرعت اليابان والولايات المتحدة في التحرك وبدأت تبرز أهمية العلاقات الهندية الأمريكية واليابانية الهندية دون أن ننسى العلاقات مع الصين طبعا.

المراجع

1- Dodds Klaus, Geopolitics A Very Short Introduction,( Great Britain: Oxford University Press,2007).

2-Gandhi, Andira. South Asian regional cooperation. Ministry of external

affairs, New Delhi, 1983.

3-Overholt.H. William.,Asia, America, and the Transformationof Geopolitics,( NewYork: Cambridge University Press, 2008).

4-فهمي شيرين حامد،، "جنوب آسيا .. بديل أمريكي أم صيني؟". قراءة في تقرير المركزالباكستاني للدراسات الإقليمية،18/03/2005،تاريخ الاقتباس18/03/2008،عن: http://www.islamonline.net/Arabic/politics/2006/03/article16.

5-كور لانتزكجوسوا. "قوة الصين الناعمة .. مقاصدها و أخطارها". ترجمة: عمرو فرحات.موجز لدراسة أعدها معهد كارنيجي للسلام الدولي، نشرت بتاريخ5/7/2006،تاريخ الاقتباس18/2/2009عن:"http://www.islamonline.net/arabic/politics/Strategies/topic_04/2006/07/01.shtml

*جامعي.  

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق