]]>
خواطر :
“كلا – كلا ! لا ظلام في الحياة وإنما هي أنظارنا الكليلة التي تعجز عن مرأى النور في أبهى مجاليه(مي زيادة )   (طيف امرأه) . إذا سمعت عويل الذئاب...يعني ذلك ، إما في المصيدة تتألمُ أو في الغنائم تتخاصمُ...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

رائحة القهوة ( قصة قصيرة )

بواسطة: مارك كاسترو  |  بتاريخ: 2013-08-11 ، الوقت: 13:23:52
  • تقييم المقالة:

تصاعد بخار قهوة الصباح ممازحاً انفى برائحته النفّاثة بعد ان وضعه النادل كعادته امامى على الطاولة . تلمستُ بتثقل حافة الفنجان لعلنى اتخلص بسخونته المنبعثة من آخر بقايا النوم الرابضة بأجفانى . يراودنى النعاس كلما تذكرت ان حِزمة من الصحف مُلقاة بقليل من العناية امام عينىّ ، تجاورها بضع وريقاتٍ بيضاء لم يطأها قلم . كل هذه استعداداً لكتابة المقال الأسبوعى للجريدة الذى قلّما افرغ منه فى موعده المحدد .

رشفتُ رشفةً أخيرة من القهوة قبل ان افرك وجهى بكلتا يدىّ معلناً بإستياءٍ عن البدء فى الكتابة . أخذتُ نفساً عميقاً و انا أتطلع الى الكافيه الواقع فى احدى أقدم و أرقى أحياء مصر الجديدة ، حيث لا تحلو لى كتابةً الا هنا . أخذت انظر الى الزبائن ، و العاملين ، و أطباق الحلوى و الأكواب الساخنة المارة بجانب رأسى .. لا شىء جديد ! فأجمل الأشياء ينطفىء بريقها بداخلنا حينما نفقد متعة الإشتياق إليها ..
وضعتُ ابهمى على أحد أزرار اللابتوب محاولاً ايجاد ديباجة ملائمة لمقالى ، و مع أنى لازلت اجهل فى أى موضوع سوف أكتب الا ان هذا ليس على قدرٍ من الأهمية ؛ فحينما يدخل السأم قلوبنا لا تختلف الأشياء كثيراً فى مقدماتها ..
تذكرت أنى مُكلف بتبنى ملف المرأة هذا الأسبوع ، علىّ اذاً أن أكتب عنها هذه المرة . بدأت فى نسج المقدمة حتى نظرت الى يدى اليسرى و قد ارتسمت على شفتىّ ابتسامةٌ فيها من السخرية ما يكفيها لتبقى طويلاً على وجهى . ببساطة يدى اليسرى فارغة ؛ ليس لدى تجربة حقيقية مع هذا الكائن الذى علىّ ملء صفحاتٍ عنه .
و مع أنى كنتُ منزوعٌ من أى حِس الا أنى ارغمتُ نفسى على التدوين ، تصفحت عدة مواقع إخبارية بحثاً عن أية أنشطة نسائية  لهذا الأسبوع . و بينما تدخل أصابعى فى سباق مع عقارب الساعة و قد تلاشى بداخلى أى احساس بالمكان أو الزمان فى مواجهة هذا المارد المتسلط ؛ موعد الطباعة و النشر .

مرّت بالقرب منى بينما أنا غارق ٌ فى صفحاتى ، لم ألحظ دخولها فى البداية ، و لم ألتفت حتى لمعرفة ما اذا كان المار بجانبى رجلاً ام إمرأة ، الا أن رائحة العطر الفرنسى الفاتن يبدو انها ستظل فى صراعها الأبدى مع الرجال .. كانت كفيلة لإخراجى من هذا الانكباب لأعرف من أين يأتى هذا الرحيق الأنثوى الأخّاذ .
كانت قد جلست هى قبالى فى طاولةٍ لا تبعد كثيراً عنى . و مع انها لحظات بسيطة التى تسللتُ فيها ببصرى للتطلع الى هذه الزائرة الجديدة ، الا انها كانت بالوضوح الكافى لأن تُبقى مكاناً لها فى ذاكرتى .
بُساطٌ من الشعر الأصفر يحيط وجها بيضاوى هادىء ليفصح عن عينين عسليتين تملؤهما الرغبة ...
انتزعتُ نفسى من هذه الحالة الاستسلامية الولهانة التى طالما ارفضها، و قد ظننتُ أنى فعلتها ، و لكن سرعان ما وجدتُ نفسى أطرق البصر لها مراراً و مرارا ..
صرنا نتناوب النظرات حتى اشتبكت عيوننا فى بضع لحظات خاطفة بين الحين و الآخر ، تطول حيناً و تقصر حينا آخر .. حاولت للحظات التظاهر بعدم الاكتراث الا أن هيهات الصمود امام اصرار امرأة ..
إن ثمّة معضلة استشعر وجودها تقف حائلاً بينى و بين هذا الكائن المجهول . فأول امرأة فى حياتى ، التى منها انا خرجت ، لم يشأ القدر أن يجمعنا سوياً على أرضٍ واحدة ، ففى اليوم الذى جئت فيه الى الحياة غادرتها هى . ثم كانت تجربتى الأخرى و الأخيرة ، اختى الكبرى التى عنيت بتربيتى ، احببتُ فيها الأمومة المفتقَدة الى أن صارعها المرض فهزمها..

تجربتان انتهوا بى الى حقيقة ثابتة ؛ إن هذا الجنس يرتبط فى ذاته بثنائية مريرة مع الموت و الفناء ، و من هنا كان هروبى المبرر من النساء الذى هو فى الحقيقة هروبٌ من الموت ..

و لكن انا الآن جالسٌ فى مواجهة امرأة غايةً فى الجمال ، لستُ متأكداً إن كان داء الموت قد اصابها أم لا ، و لكنها تظهر مفعمة بالحيوية .. تجلس أمامى ، و بيننا نظرات ممتدة ، تتعانق حيناً و تنفك حيناً .. أجد نفسى فى مفترق طرق عسير ، أحمل ورائى تجربةً أليمة لسيدتين كانتا أعز ما املك  و قد جعلانى اكتشف حقيقة الموت .. و لكنى فى ذات اللحظة أجد أمامى واحدة أخرى من نفس هذا الجنس ، من عينيها تتفتق الحياة ... و ليس من الذكاء ألا نختار الحياة ...
من المؤكد ان الورقة التى تركتها لها مع النادل ستكون بين يديها حينما اكون على ابواب الكافيه فى طريقى الى العمل بالجريدة . فسنظل نتذكر كلانا انى فى صباح هذا اليوم كتبتُ لها على ورقة كان من المفترض ان تُملأ بجملٍ جوفاء تُنشر ليقرأها المئات ، أرادها الله كلماتاً مقتضبة لتصل الى شخصٍ واحد ، أو ربما لتذكرنى بهذا الميثاق الجديد : " يا امرأة .. كانت مبارزة ممتعة هذا الصباح ، حاولتُ فيها الإفلات من شباكك ظاناً منى انها الهلاك الى ان عرفت أن ما دونها هو كذلك ... لا يهمنى إن كنت قد احببتكِ أم لا ، و لكن يكفى انى عرفت فى هذا الصباح أن هنالك رائحةٌ تفوق فى جمالها رائحة قهوتى الصباحية ... "

مارك كاسترو
« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق