]]>
خواطر :
انساك ! ده كلام ؟... اهو ده اللي مش ممكن ابدا...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

زريبة الحاج عزام

بواسطة: عزيزة محمود خلايلة  |  بتاريخ: 2013-08-07 ، الوقت: 16:49:41
  • تقييم المقالة:
زريبة الحاج عزّام  

       الحاج عزّام رجل في الّسّتين من العمر، لم يعرف منذ نعومة أظفاره عملا غير خدمة الحمير في زريبته، التي  كانت ملأى بالحمير من كلّ الأشكال، والألوان، والأحجام، والأمزجة، فمنها العصبيّ كثير الهيجان ،ومنها الهادئ والمتّزن ، وكذلك كانت متفاوتةً في قوتها، فمنها من كان يحرث طَوال اليوم دون أن يشعر بأيّ تعب ، ومنها من تُنهك قواه بعد حراثة ساعة أو ساعتين ، كان  يقوم بتأجيرها  لكلّ من  يحميهاّ، إلّا أنّه كان يرفض رفضا قاطعا التفريط بأيّ منها أو بيعَه، فقد كانت لديه قناعة كبيرة بأن كلّا منها في منزلة ولد من أولاده، بل أعزّ من أولاده، حيث كان يُسَخّرُ أولادَه الذكور السّبعة وزوجتَه وبناتِه لخدمتها  وإطعامها والعناية بها وحذوها، وكان يرفض رفضا قاطعا السّماح بركوبها، ولا يسمح بمناقشته في هذه القضيّة، ويقبل بتأجيرها لساعات لحراثة الأرض فقط ،معلنا أنّها بالحراثة تشقّ الأرض للخير، وأنّ حراثتها لها ستوجد رابطة دم بينها وبين الأرض، وهكذا سيكون لها دور في زرع العشب الذي تأكله، وبالرّغم من ظهور الحراثة الآليّة و (التراكتورات)، إلّا أنّه  ظلّ مصرّاً على الإبقاء علىها، ومتمسّكاً بمقولته : "إنّ لهذه الحمير من يقدّرها ويطلبها وسيأتي يوم لن تقوم فيه إلّا بأدوار الخيول ولكن بالتدريج ".

 

        كان الحاج عزّام يدرك ما يحدث في الزرائب المجاورة ،من استعباد للحمير ، ومعتقدات النّاس حولها، ونظرتَهم إليها ، ووضع لنفسه خطّة لتغيير كلّ ذلك تدريجيّا، وبدأ بأوّل خطوة، حيث صار يزيّن  بأجملها مدخل الزّريبة ، أسوة بالعرب القدامى الذين كانوا يزيّنون مضاربهم بالخيول، وقرّر إزالة جميع البرادع عن ظهورها ، وأعلن أنّه يجب كشف ظهورها للشّمس والهواء، وليس للضرب بالسّياط ، وسمح لمن يرغب منها بوضع سروج الخيل متى ما تشاء .

 

       كان هذا الرجل يعتبر نفسه مثقّفاً، وظلّ متمسكا( براديو )اشتراه والده منذ أكثر من خمسين عاما ،وكان يسمعه، ويروقه أن تسمعَ الحمير معه َالبرامج الهادفة، وخاصة تلك التي تتحدّث عن أوضاع نظيراتها في الزّرائب المجاورة ، وكان يحرص  على أن يُسمِعَها صهيلّ الخيول يوميّا، في البداية كانت تصاب بالذّعر، وتشنّف آذانها، وترفس كلّ من حولها كلّما سمعت هذا الصّوت، ومع الوقت أدرك أنّها أصبحت تتفاوت في درجة إتقانها له، فبعضها أتقنه تماما، وبعضها ظلّ يخلط النّهيق بالصّهيل، وبعضها لم يتقبل الصّوت الجديد قطعيّاً، وعندما كان يسخر جيرانُه منه، ويقولون له: إنّها حمير لا تفهم، فكيف تُسْمِعها صوت المذياع؟ كان يصرّ على أنّها تفهم، وأنّهم سمّوها حميرا ظلما وعدوانا،وأن الله عندما خلق أول حمار لم يكتب على ظهره حمار، ولكنّ الناس هم الذين أطلقوا عليه هذه التسمية ،وربطوها بالغباء،  وكان يقدّم الدّليل على ذكائها، بأنّ يؤكّد بأن كلّ حمار من حميره يحفظ الطّريق التي يسلكها مع الزّبون  من المرّة الأولى، ويتذكّرها ولو بعد سنوات. وأنّ تواصلها مع الراديو، وسماعها الصّهيل سيكون الطّريق إلى تفوقها على الخيول مستقبلا.

 

       وذات يوم سمع برنامجا عن زريبة الخواجا يعقوب، وعرف أنه يتمّ فيها تحديد ساعات عمل يوميّة، وأن الحمير في هذه الزّريبة تكثر من الاستحمام ،ويتناول كلّ منها حصته من الشّعير من سطله الخاصّ، وأنّ الخواجا  يستورد لها البرادع المزركشة من دولة مجاورة، برادع تمّ التفنن في ألوانها وأشكالها، وحتى في حشوها، وليست كالتي أتلفها الحاج  ،والتي كانت مصنوعة من قش ّخفيف ّ، أمّا التي يستوردها الخواجا فحشوها من الإسفَنج الناعم، ورغم كلّ ما ورد في البرنامج، إلّا أنّ الحاج ، لم يروقه كلّ ما سمع، باستثناء ما يتعلّق بساعات العمل، والتي قرّر تخفيضها إلى ثماني ساعات، ولم يعد يسمح بتأجير الحمار لأكثر من ثماني ساعات يوميّا ،انتهى البرنامج وعاد الرجلّ  إلى عمله كالمعتاد.

        بدأ بعض حميره  يدخل زريبة الخواجا ، وكان ذلك في البداية لأكل الحشائش والنجيل من أطرافها، على حدّ تعبيرهم ، حتّى تكوّنت علاقات بين الحمير في الزّريبتين،وحال علم الحاج  بذلك وبّخها ،وحبس بعضها ، ولكن الحمير صارت تتسرّب إلى الزّريبة المجاورة سرّا وبأعداد أكبر ،وصار بعضها يمتنع عن العمل، ويرفض حراثة الأرض، مما أدى إلى خسارة الحاج  لبعض الزّبائن، وذات يوم فوجئ بأكثر الحمير فصاحة - وهو الحمار الذي كان نهيقه مفهوما أكثر من غيره ، وكان صوته الأكثر ارتفاعا ، والأكثر إزعاجا للحاجّ - وقد  حضر للمطالبة بكسوة جميع الحمير- أسوة بحمير الخواجا - ببرادع إسفنجية مزركشة وملوّنة ، وبلّغه أنّ الحمير تطالب بالسّماح بركوبها ، وحملها للأثقال ،وأنّها تعشق النّهيق، وتعتبره غناءً وطربا، وتضيق ذرعا بالصّهيل ،كما تعشق الرّقص ، وتتضايق من تسميته رفسا (رفصاً) .

 

   حاول الحاج عزّام مرارا وتكرارا إقناع الحمار واضح نبرة الصّوت بأضرار البرادع، وأنّها مع الزّمن تؤدي إلى انحناء وتقوّس ظهر الحمار، وقد تؤدي إلى تشنّج في الرّقبة بحيث لا تعود لدى الحمار القدرة على رفع الرأس، و في بعض الحالات قد تقصم ظهره، إلّا أنّ الحمار مرتفع نبرة الصّوت كان يصرّ على مطالبه، وفي كلّ مرّة كان يحضر قائمة بمواصفات جديدة للبرادع،  ويسلّمها للحاجّ، حتّى وصل به الأمر حدّ المطالبة بتبطين بعض البرادع بالحرير الأحمر، للحمير المميزة، والتي كانت الأكثر اهتياجاّ عند سماع الصّهيل، ولم تتمكّن منه أبداَ،أوفد الحمار الفصيح مبعوثا إلى زريبة الخواجا لإحضار البرادع فوراً، نظر الحاج  فوجد أنّ الحمير قد اعتلت الهضاب والجبال والتلال وكلّ ما نشز من الأرض، وغطت السّهول والوديان، والميادين ،وأنّ حميره مختلطة بحمير الخواجا، وحمير بقية الخواجات في الزّرائب المجاورة ، نهقت كلّها بصوت واحد ومرتفع في وجه الحاج عزام،بصوت له هدير الرّعد، ولم يصهل أيّ حمار، حتّى الذي كان قد أتقن الًصّهيل، وبدأت تستعد لرفسه والدّوس عليه، وقام الحمار ذو الصّوت المرتفع باستلام البرادع من مبعوث الخواجا، وركّبها على ظهور الحمير، بدأت الحمير بالتعبير عن سعادتها وسرورها بالبرادع الجديدة ، ورقصت فرحا، وصارت تتمايل مزهوة بالكسوة الجديدة  ، نهقت بصوت عال ، وقام الحمار ذو الصّوت الواضح بإطلاق الزّغاريد ، هنّا الحاج حميره بكسوتها الجديدة ، وقال عبارات غير واضحة أعتقد أنّها :"عجزت عن تخليصها من حمرنتها "كم ستوضع على ظهورها من برادع ، وستركب حتّى تمل الركوب ! لكنّني أتمنّى أن لا تنسى أنني حرصت على نزع البرادع،ورفع السّياط عن ظهورها، واستدار نحو التّلال واختفى.

 

                                                                                    عزيزة محمود الخلايلة مشرفة اللغة العربية مكتب تربية الخليل Email : azizah_m2012@yahoo.com                          

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق