]]>
خواطر :
رغم إني أخاف من الغرق ، عقدة تلازمني منذ الصغر...أتمنى الغرق في بحر ذكرى هواك...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

الممكن والمستحيل

بواسطة: عزيزة محمود خلايلة  |  بتاريخ: 2013-08-07 ، الوقت: 12:53:09
  • تقييم المقالة:
الممكن والمستحيل  

      كضفدعة سريعة الملل مللت من المستنقع الذي قضيت فيه زمناً، فقرّرت الرّحيل إلى الجهة الأخرى من الغابة حيث قالوا لي: إن فيها مستنقعاً أوسعَ وأعمقَ،  ومياهُهُ أصفى، فيه تحيا الضفادع حياة رغيدة .

على مدخل الغابة وجدت ثعلبا بيديه المفاتيح قال لي: من يريد أن يعيش هنا يجب أن يقول عن كلّ ما يسمع ويرى: ممكن أن يكون.

سرت فوجدت حدائق تزينها أشجار خضراءُ وارفةُ الظلّ تحيط بالبيوت ، سألت عنها فإذا هي زرائب للحمير ، في المدخل شاهدت حماراً قميئًا أعرج يسير جيئةً وذهاباً ، قد قطع ذيلُه وعُلّق في رقبته ، خبّرني أنه يتدرّب ليشارك في سباق الخيول ، وأكّد لي أنّه سيقطع شوط المضمار ، ويعود مكلّلاً بالنّصر ، ومظفّراً وسيحصد ميدالية ذهبية ،قلت: ممكن  .

 

عرّجت على زاوية منعزلةٍ في الغابة فإذا بإسطبلات الخيول كانت محاطةً بسياج حديديّ مغلق ، وفيها خيول محدودةُ العدد ، بيضاءُ وحمراءُ وبلقاءُ ، كانت الخيول تفور وتمور ، يتصاعد مع  أنفاسها لهيب النار ، تطالب بفتح الباب ، حزِِنت حزِنت تمنيت لو كان المفتاح بيدي ، قالوا : إن مفتاح الحظيرة مع الفأر ، وهو لا يستيقظ إلا بعد غروب الشّمس ، وعندها يطلق الخيول لساعة ، ويعيدها إلى الحظيرة، ويغلق الباب ؛لأنه مقتنع أن الهواء وشعاع الشّمس يجعلها عصبيةً وعدائيةً , قلت : ممكن .

 

سألت عن سبب قلّة عددها ، فعرفت أن يُفرَضُ عليها  تعاطي حبوب منع الحمل الذي يمزج بماء الشرب للحدّ من الأعداد بسبب كبر حجم الخيول وضيق الغابة،  ولضمان ذلك تتعرض لعقوبة مع كلّ مهر يولد ،  وأكدوا لي أن الخيول سعيدة جداً  جداً بهذا  الإجراء ، قلت : ممكن .

تعبت من المسير ودميت قدماي،فأنا معتادة على الماء ولا أستريح للسير على اليابسة، لذا قررت أن آخذ قسطا من الراحة بجانب جحور الجرذان، كانت واسعةً جداً، وتزيد ملايين الأضعاف عن أحجام الجرذان، تحيط بها الحدائق والمتنزهات،وتتراكم فيها الأجبان من  مختلف الأنواع والأشكال والألوان ، سألت عن سبب اتّساع المكان ، فقيل لي :إن هذه الجرذان تتعاطى حبوبا تزيد الخصوبة , وتتقاضى مخصصات كبيرةً عن كلّ فأر يولد ،  ويمنع تنظيم النّسل داخل هذه الجحور ويتمّ توسيع مِساحاتها باستمرار ، وأنّ هذا الإجراء منطقيّ وحضاريّ وتقدميّ ، قلت ممكن .

عرّجت على عرن الأسود والنّمور والضّباع والدّببة ، فوجدت نساءها على المدخل يحضرن طعاما من عجن اللّحوم والدّماء ، قالوا إنّه يشكِّل طعام الأغنياء ، ويمكن لكلّ من يرغب تذوقه ، وأكّدوا أنه في منتهى اللّذة، قلت: ممكن .

 

وأخيراً وصلت إلى مستنقع الضّفادع ، فوجدته ضخمًا ومشمسًا تسبح فيه ضفادع قد سُلِخَتْ جلودُها لحظة نزولها إلى المستنقع ، يقودها ضفدع ذكر مفقوء العيون ، يتحسس طريقه في المستنقع ،سألته إن كان يحتاج إلى مساعدة، لكّنّه أكّد لي أنه يرى كلّ شيء بوضوح، وأنه مثل زرقاء اليمامة في بعد الرؤية ، وأنّ مهمّته تحديد ما يجب أن يكون وما لا يجب أن يكون، سألته لماذا تُسلَخُ جلودُ هذه الضفادع، فقال لي: إن هذا حافز لها لبناء جلود جديدةٍ ونظيفةٍ وبراقةٍ ومطابقةٍ للمواصفات،  تألمّت وحزنت عندما تخيّلت مشهدَ سلخ الجلد الذي لا يتوافق مع مبادئ الديمقراطية ، لكنّ الضّفدع الذّكر أكّد لي أن الضّفادع تكون في منتهى السّعادة أثناء سلخ جلدها ، قلت: ممكن أن يكون، سألني إنّ كنت أرغب بالّنّزول إلى المستنقع والعيش فيه ؟قلت: مستحيل ولا يمكن أن يكون .

الكاتبة عزيزة محمود خلايلة

مشرفة اللغة العربية

مكتب تربية الخليل

 Email : azizah_m2012@yahoo.com                           


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »
  • محمد عزمي | 2013-08-08
    إلّا سلخ الجلد إلى هنا ويكفي، مقالة قويّة تنساب فيها الكلمات بعذوبة وهدوء، متميّزة يا عزيزة ، أنت قادرة على سحب القارئ إلى حيث تريدين ، استمرّي أرجوك.

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق