]]>
خواطر :
انساك ! ده كلام ؟... اهو ده اللي مش ممكن ابدا...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

فنجان قهوة

بواسطة: عزيزة محمود خلايلة  |  بتاريخ: 2013-08-07 ، الوقت: 08:03:09
  • تقييم المقالة:
فنجان قهوة بقربي يجلس أموات كثيرون ، يتجاورون باحترامٍ وبهدوءٍ وسكينة , لكنّ ما خطر لي عندما جلستُ مع  الأموات هو التفكيرُ في  غباء الأحياء ، فهؤلاء الأموات حكم عليهم بالسَّجن المؤبّد في زنازينَ صغيرةٍ تصل في أحسن حالاتها إلى مترين في متر ونصف ، ولا يستطيعون الخروج حتى لو بذلوا كلّ الجهود ، تحول بينهم وبين الخروج كمياتٌ ضخمة من الإسمنت ، وبابٌ صغير محكم الإغلاق من الخارج ، كم هم أغبياء هؤلاء الأحياء ! لماذا يُفنون أعمارهم في الهمّ والحَزَن والنّكد والصّراع ما داموا سيموتون، وسيقبعون هنا حتى يملّوا المكوث ؟ الذباب هنا له شكلٌ آخر وحجم آخر وفعلٌ آخر، لا اشك في أنّه أحد الأمور التي تقلق هؤلاء الموتى،ولكنّه لن يكون أشدَّ الأمور إقلاقا لهم ، فلديهم في الداخل ما لديهم من الأمور التي نجهلها ، لا نعرف ما الذي يقضُّ مضاجعَهم في الداخل لكننا متأكدون من وجوده ، قرّرت أن أتناول فنجان قهوة هنا ، وأنا متأكدة من أنّهم يحسدونني على هذه النّعمة التي لا يستطيعون التمتّع بها حتى ولو أرادوا ، فقد يكون بعضهم مدخنين سابقا  أو من عشاق القهوة ، لكن بالموت تنتهي كلُّ الأشياء التي كنت تحبّها ، ويصادر الأحياء أموالك وأشياءك وعاداتِك _وحتى زوجتك لو استطاعوا _. بدا الأحياء يزعجونني ، بعكس الموتى ، الأموات لا يزعجون أحدا ، بالموت تنتهي كلّ العادات ، وتنتهي تدخلاتك في الآخرين ، بالموت يصبح الإنسانُ أكثَرَ أدباً وذوقاً وحيادية !!! هنا تسود عدالةٌ مطلقةٌ  فهناك تساو في الملابس والأثاث ومكان السّكن ، واختفاءٌ مطلقٌ لكلّ مظاهر التّفاوت فحتى اللغات تلاشت ، وسادت أبلغُ اللغات لغةُ الصّمتِ ، فروقاتٌ بسيطةٌ كوجود ورقة نخل فوق هذه الحفرة وعدم وجودها فوق تلك ، أو وجودِ شاهدٍ فوق هذه الحفرةِ وعدمِ وجوده فوق تلك . اقتصاديون جداً هؤلاء الأموات  فالشّخصُ الذي كان يحتاج لأربع غرف في حياته _واحدةٍ لنومه وأخرى لجلوسه ، وثالثةٍ لضيوفه ، ورابعةٍ لمكتبته ، أصبحت تكفيه الآن حفرة صغيرة يقبع فيها ، صودرت كلُّ غرفِه وأملاكِه قسراً . وديعون جدا هؤلاء الأموات فالإنسان الذي كان يحتاج لثلاثة آلاف علم لدراسة سلوكه: كعلم النّفس، وعلم الشّخصية ، وعلمِ الاجتماع ، وعلمِ الإجرام ......أصبح الآن هادئا ووديعا ولا ُيقِلق أحدا ولا يَقلقُ به أحدٌ ، الإنسان الذي كان يُكثر الصّراخ والصّياح والعنف والتبرّم والسّباب والّشتم صار الآن في منتهى الأدب ، فسبحان من يؤدِّب كلّ النّفوس في النّهاية . إياك أن يخدعَك الأحياء بأنهم سيحزنون لحظة على موتك، هم سيتقاسمون كلّ ما تملك ، وبأيديهم سيغلقون الباب عليك ، فانطلق وعش حياتك بعيدا عن الوهم بأنّك تعني أيَّ شيء لمن حولك. عزيزة محمود خلايلة مشرفة اللغة العربية/ مكتب تربية الخليل Email : azizah_m2012@yahoo.com  
« المقالة السابقة ... المقالة التالية »
  • محمد عزمي | 2013-08-08
    المقالة تأبى إلّا أن تذكّرنا بحقيقة نحاول أن ننساها، ولكنّها آتية لا محالة، حقيقة الموت الذي ينتظرنا، الزّائر المرّ، هادم اللذات ومفرّق الجماعات،أبدعت أستاذة عزيزة.

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق