]]>
خواطر :
الحياة فصول .. جلوسنا لدقائق , لا يعني إحتوائها تماما هي دقائق نتأملها ..لا غير.   (طيف امرأه) . شوهدت ذئاب على أطراف الوديان في فرائس تتحينُ ...مرت عليها البهائم وهي تتعجب... ردت الذئاب على البهائم ، لما العجبُ لولا الفرائسُ لما وُجدت الذئابُ...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

منزلنا الجديد

بواسطة: عزيزة محمود خلايلة  |  بتاريخ: 2013-08-07 ، الوقت: 07:50:10
  • تقييم المقالة:

                                          منزلنا الجديد

         اشترينا البارحة منزلاً جديدًا مكوّناً من غرفتين منفصلتين، وحتّى أكون موضوعيّة، ولا أظلم البائع، لاحظت أنّ فيه سلبيّات، وإيجابيّات كثيرة، ما يضايقنا في هذا المنزل هو صغر الباب، ولكننا تغاضينا عن هذه السّلبيّة، عندما تذكّرنا أنّ الحركة ستكون معدومة فيه، وأنّها ستقتصر على الدّخول، ولمرّة واحدة، لا أخفيكم أنّنا فكّرنا كثيراً في مشقّة الدّخول من هذا الثّقب الصّغير، ولكنّنا شعرنا بشيء من الاطمئنان الزّائف، عندما تذكّرنا أنّنا لن نكون وحيدين ساعة الّدخول، فسيتمّ افتتاح كل غرفة من غرفتي المنزل بحضور حشد كبير من الأهل والأحباب والأصدقاء، ممن سيساعدون على إدخالنا ودفعنا خلال هذه الفتحة الصّغيرة، وسيتطوعون لذلك دون انتظار طلب من أحد.

      نسيت أن أقول لكم: إنّنا اشترينا المنزل عظم وليس تشطيب، تضايق زوجي عندما وجد الجدران خشنة، وليست مبطّنة، ولا ناعمة، ولا مطليّة، وفيها ثقوب وبروزات ونتوءات كثيرة، وأن بعض الأسلاك المستخدمة في البناء ستبقى موجودة، ولكنّه سكت عندما أكّدت له أننا عندما نسكنه لن نرى الحيطان، وأنّ أيّاً منّا لن يتقلّب أبداً داخل غرفته، وبذلك فأيدينا  لن تلامس حيطانها، لن تلامس الجوانبُ (المخشرمةُ)أيَّ جزء من أجسادنا، قلت في نفسي ليته: يركّز على الأرضيّة ، فاستقرارنا سيكون عليها، تذكّرنا أرضيات البلاط و(السّيراميك )و(البورسلان )والًصّيني، ولكن نحن أمامنا خياران فقط: فرش الأرضية بالتّراب أو الرّمل، فهذان الخياران المسموح بهما، استقرّ رأيه على فرش أرضيّة غرفته بالرّمل، هو يرى أنّه أنعم وأحنّ على الجسد، أمّا أنا ففضّلت  فرش أرضيّة غرفتي بالتّراب، فهو أصلنا ومنشؤنا، ولذلك سيكون أسهل على جسدي أن يتّحد معه، ويذوبَ فيه، سيستلقي كلّ واحد منّا مرّة واحدة، على الجانب الأيمن، وستوضع تحت رأسه طوبة صغيرة، ولا مجال للتقلّب أبداً.

       فكّرنا في بوابات النّاس التي تعمل بالكهرباء، وفي ( السّكاكر )الذّهبية وتلك البرونزيّة، والفضّيّة، والأقفال، والمفاتيح، ولكن هنا لا يوجد أقفال، ولا (سكاكر)، ولا مفاتيح، اطمئن سنكون آمنين هنا ، فلن يرغب أحد بالدّخول إلينا، ولن يكون عندنا ما يُسْرَق، كان باب منزلنا ملقى جانبا،  يبلغ  طوله نصف متر وعرضه كذلك، وسُمكه حوالي عشرة سنتمترات، لا أدري لماذا تضايق زوجي من مسألة سُمك الباب؟ لا تجزع  فتقليل السُّمك لا يعني إمكانية الهروب، هناك خلطة سيكون لها دور في زيادة الإحكام والإغلاق، ولا تنس التراب الذي سيسدّ المدخل.

       هذا أغرب منزل رأيته في حياتي، ليس فيه أيّ مرافق، لا داعي للمطبخ ،ولا الحمامات، ولا الشرفات، ولا الإطلالة،ولا السّاحات، ولا مصفّات السيّارات، ولا شرط المجور الحسن، هنا كلّ الجيران خير وبركة، ولا تقلق بشأن الخروج فلن يكون من هذا الباب الَضّيق، ستنشقّ الغرفة ونخرج، بصحبة سكان كلّ الغرف المجاورة، حال سماع ذلك الًصّوت المروّع، ألا ترى أنّ الجلوس هنا قد يحوّلنا إلى فلاسفة؟ صدق رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الذي قال:"كنت قد نهيتكم عن زيارة القبور، ألا فزوروها، فإنّها تُذكّر بالآخرة".

        أمّا بشأن الحديقة فلا داعي لها ولا داعي لأّيّ ورود أو أزهار، لأننا لن نرى الحديقة أبداً، سيراها المشاركون في حفل الافتتاح مرّة واحدة، وأؤكد لك أنّ أيّا من المشاركين لن يزورنا غير تلك المرّة، وهذه المرّة لا تستحقّ عناء شراء الحديقة، والورود ،وزرعها،   ونكشها، وتسميدها، وسقايتها، كم مرّة قلت لك: إنّنا لا نعبأ بهم، فهم سيعودون إلى بيت العزاء لتناول ما لّذّ وطاب من الأرزّ واللحم والمرق، وسينسون أمرنا حال تناول أوّل لقمة.

        طوال أعمارنا ونحن نمشي على أرجلنا، ولا يعيرنا الآخرون أيّ اهتمام، ما يروقني في هذا المنزل هو أنّنا سنأتي إليه محمولين على الأكتاف، وفي هذا من التّقدير والاحترام ما لا يخفى عليك، ألا يسعدك هذا؟ لأول مرّة يضحك زوجي ضحكة فيها الكثير من المرارة، رأيت الدّموع في عينيه، هل علينا أن نموت حتّى يشعرنا الآخرون بقيمتنا؟

       هذان اللوحان الحجريّان من مرفقات المنزل، سندوّن على كلّ منهما، هنا يرقد فلان ...توفي عن عمر يناهز...، يرقد  بلا ألقاب فمصطلحات  مثل سيادة و معالي وعطوفة والعميد،والعقيد،والدّكتور ....لا مجال لها هنا، هذا المكان يُسقط كلّ الألقاب، ينزعها ويخلع عن صدرك كلّ الأوسمة، بالضّبطّ كما تخلع الأحذية قبل الدّخول إلى مكان طاهر، تدخل إلى هنا وأنت مجرّد من كلّ ألقابك، اسمك الجديد هنا هو: الميّت أحضروا الميّت غسّلوا الميت... ,وأخيرا ادفنوا الميّت، وتدوّين اسمك القديم على اللوح الحجريّ هو فقط من باب أنّه لو حصلت معجزة، وأراد أحد أن يزورك، سيساعده اسمك القديم على الاهتداء إليك، أمّا عن سنين عمرك، فحـّتى لو كنت أكبر زعامات المافيا في العالم، سيقال في نعيك: إنّك قضيتها في أعمال البرّ والتّقوى، النّاس لا يشرّحون الإنسان إلّا في حياته، لديهم ميل لسبّ الأحياء وشتمهم، ولا يجرؤ أحد على سب الأموات، وحتّى لو فعل فإنه يعرّض نفسه للشّتم، ولذلك تجده يتحفّظ ،ويكتفي بقوله: "إنّه في دار الحقّ"، إذن عندما نسكن هذا المنزل سنصبح في مأمن من تشريح البشر، سيُخْفون مشارطهم فورا، أليست هذه إيجابيّة ضخمة لمنزلنا الجديد؟

        من غرائب هذا المنزل أنّ أحداً لم يُهنئنا بشرائه، ولم يبارك لنا أحد، ولم نتلق الهدايا من أحد، على كلّ أعتقد أنّ بعض الورود قادمة، ولكن ليس الآن، وإنما كما قلت لكم: في حفل الافتتاح، سمّوه حفل الإغلاق إن شئتم، بكى البعض عندما تأكّد أننا اشتريناه حقيقة، أعتقد أنّهم بكوا على أنفسهم، وليس علينا، البعض طلب منّا بيعه، وعدم الحديث بشأنه مرّة أخرى ،والحديث عن منزلنا القديم، ولكن هناك سؤال منطقيّ يطرح نفسه: لماذا نهتمّ بمنزل سنقيم فيه خمسين عاماً منذ الآن على أعلى تقدير، ونترك سيرة منزل قد نقيم فيه ملايين السّنين، حتّى سماع صوت البوق فالبعث والنّشور؟

        هجم علينا الظّلام فجأة، لن أكذب عليكم، عندما حلّ الظلام أصبح هذا المكان أكثر وحشة, وأكثر إثارة للرّعب، كم كنت أكره بيتنا القديم! وأرى له ألف سلبيّة وسلبيّة، أمّا الآن فأراه أجمل منزل في العالم، ألا يكفي توفّر عنصر الإضاءة فيه، هذا وحده يكفي حتّى لو أشعلنا فيه شمعة، اشتقت إليه، سنغادر هذا المكان، دون أن ننساه، ولكن لن نعود إليه إلّا في حفل الافتتاح، محمولين على الأكتاف، وسنعمل على إضاءته لكن بطرق أخرى.

صدق الشّاعر الجاهلي كعب بن زهير عندما قال:

كلّ ابن أنثى وإن طالت سلامتهّ     يوما على آلة حدباء محمول

عزيزة محمود الخلايلة

                                                                                       مشرفة اللغة العربية

مكتب تربية الخليل   Email : azizah_m2012@yahoo.com                          

 

 

 

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق