]]>
خواطر :
قالوا الصبرُ علاج للآلام... فزادت صبرُ السنين للجراح آلاما...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

القومية والمصالح الإقتصادية

بواسطة: Nadia Cheniouni  |  بتاريخ: 2013-08-01 ، الوقت: 18:12:34
  • تقييم المقالة:

جتمعت كلمة العلماء والباحثين متفقة على أنّ القرن التاسع عشر هو عصر القوميات بالنظر إلى اتجاهاته السّياسية, ولكون الأحداث البارزة التي غيّرت معالم خارطة أوروبا سياسيا لم تكن لتحدث لولا توغّل وترسّخ فكرة القومية في عقول ونفوس الدول الأوروبية.
واتسع بعدها حدود انتشار هذه الفكرة في القرن العشرين بالنسبة لسائر الشعوب الأسيوية والإفريقية ممّا حتم على الدول الأوروبية والأمريكية الاعتراف بحق هذه الشعوب في تقرير مصيرها.
وتزعم فئة من الكتاب والمفكرين على أن المصالح الاقتصادية هي أهمّ قوى محرّكة وموجّهة للحياة الاجتماعية والسّياسية, حيث يعتبر هؤلاء أنّ وحدة المصالح الاقتصادية أساس لكلّ وحدة وشعارهم في ذلك: أنّ لا أمّة دون حياة اقتصادية مشتركة.

لكن الاعتقاد بأنّ اتحاد المصالح الاقتصادية أساس بناء صرح وحدة قومية صلبة متينة أمر فيه الكثير من المغالاة والمغالطة. لأنّ الواقع الاجتماعي والسّياسي أثبت ويثبت في كلّ مرة أنّ المصالح الاقتصادية عادة ما تصبح سبباً رئيسياً في نشوب الخلافات المؤدية إلى التفرقة, ولا عجب في ذلك لأن المصالح بشكل عام والمصلحة الاقتصادية والمادية بشكل خاص عُدّت من المسائل النسبية التي يختلف البشر في تقديرها, فضلا على أن تقديرهم لها يتغير بتغير الظروف ويتطور بتطور العصور (ساطع الحصري: الأعمال القومية.. ما هي القومية؟).

إنّ التاريخ يحفظ مدوّناً عبر طياته وسجلاته المشاكل والأزمات التي تعرّضت لها العديد من الدول والحكومات نتيجة لتضارب المصالح الاقتصادية, فعلى سبيل الذكر لا الحصر وفي بداية تكوين الاتحاد اضطرت أمريكا إلى بذل جهود كبيرة لتوحيد مصالح الولايات المتحدة ومطالبها الاقتصادية والمادية, فهناك ولاية تعيش على التجارة بالدرجة الأولى باتت تطالب بتخفيض الرسوم الجمركية لكي تتحرّر التجارة, وولاية أخرى تعيش على الصناعة راحت تطالب برفع الرسوم الجمركية لحماية الصناعات المحلية من منافسة البضائع الأجنبية المستوردة, بينما راحت مصلحة السّكك الحديدية تطالب برفع أجور النقل, بعكس المزارعين والتجار الذين طالبوا بخفضها ليتمكنوا من نقل بضائعهم بأقل تكلفة, وهكذا تضاربت المصالح واختلفت المطالب في كلّ المجالات تقريبا.

ولهذا نرى الحكومات التي ترعى مصالح شعوبها تبحث دائما عن أنجع السبل للتوفيق والتأليف بين مختلف هذه المصالح بغرض تحقيق أقصى ما يمكن تحقيقه من المصلحة العامة.

لذا فإنّ الاعتقاد بأنّ المصالح الاقتصادية هي من أهم مقومات نشأة القومية هو اعتقاد مخالف لمقتضيات العقل والمنطق والواقع. فالمشاعر الوطنية والقومية لا ترتبط عادة بالمصالح المادية الاقتصادية إذ أنها من النوازع التي تترفّع عن الحسابات والأغراض النفعية, ولو سعى الناس إلى المنفعة المادية وحدها لانحلّت الروابط الاجتماعية بما فيها الأسرية والقومية.

فالنوازع القومية والوطنية بإمكانها دفع البشر إلى التضحية بالنفس والروح وهذه الأخيرة هي أغلى ما يملكه الإنسان ولا تقدّر بثمن.

وهذا ما يجعل المصالح الاقتصادية أقل الأمور ارتباطا بالقومية, لكنها مع هذا أشدّها خضوعا ورضوخا لهيمنة الأنظمة والحكومات الظالمة المستبدة والفاسدة , التي لا تر غير المصالح المادية هدفا وغاية, وهي أساسا ما يجعلها تتثبّت بكرسي الحكم أكثر فأكثر, وهي ما يدفعها قطعا للغزو والاستعمار والظلم.


« المقالة السابقة

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق