]]>
خواطر :
قالوا الصبرُ علاج للآلام... فزادت صبرُ السنين للجراح آلاما...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

مَنْ يشتري الفقر؟

بواسطة: محمد الحداد  |  بتاريخ: 2013-07-31 ، الوقت: 12:51:29
  • تقييم المقالة:

 

مَنْ يشتري الفَقر؟

 

محمد الحداد /العراق

بالأمس..زارَ قريتنا رئيسُ البلاد الجديد..هي قرية نائية يتوسدُ الوجعُ والبؤسُ أحضانَ شوارعها ويسيلُ لعابُ الجوعِ من أفواهِ حِيطانها الطينيةِ العتيقة..

كنتُ افترشُالإسفلتَ كعادتي مثلَ كلّ يومٍ وأغط في نومٍ عميق..فالإسفلت هذا مسكني الصيفي الدائم لا أفارقهُ إلا حينما يُداهمني بردُ الشتاء فأتحولُ عنهُ اضطراراً إلى غرفتي الطينية المُتهالكة التي كانتْ هي نفسها ذاتَ يوم دُكاني الذي أبيعُ فيهِ ما يحتاجهُ المسافرون المارّونَ من أمامهِ..كان ذلك منذ زمنٍ بعيد قبلَ أنْ يُفتتحَ الطريق الدولي الجديد بخدماتهِ السياحية الراقية ويتحولَ الشارعُ والقرية والمنطقة بأسرِها إلى مكانٍ شبه مهجور..منذ عقودٍ وغرفتي هذهِ تنتصبُ عند بدايةِ المدخل الترابي لقريتنا الذي ينحرفُ من الشارعِ الدوليّ القديم..قريتنا التي ظلّتْ وفية لعالمنا المَنسي الذي بقينا ننتمي إليهِ مُضطرين..عالمٌ يُشيرُ إلينا بأصابعهِ اليابسةِ المُتجعدة فنتحرك وفقَ إيقاعِ شيخوختهِ الرتيبة..فيما نَسِيَتهُ ونَسيتنا حياتُهم الجديدة التي لا قدرة لنا على اللحاقِ بنبضها المُتسارع..ولا نملكُ إزاءها إلا أنْ نصغيَ من بعيدٍ إلى دربكةِ أقدامها وهي تُسابقُ نفسَها بنفسِها..

في قريتنا هذهِ ..أنا أوضحُ علامةٍ دالة..شيءٌ ثابتٌ مفروغ من وجودهِ..لا أحدَ هنا يجهلُ مَنْ أكون..لا أحدَ يأبهُ لي أيضاً..أنا...سعيدأبو العِز الرجلُ البائس..يعرفني الجميع دونَ أنْ يعرفني منهم أحد..

كنتُ نائماً على قارعةِ بؤسي..حينما أيقظتني جلبة عالية وأصواتُ سياراتٍ لم تألفها قريتنا الهادئة منذ زمنٍ طويل..رفعتُ رأسي فباغتتني فوراً نكزاتٌ قاسية من عصا سوداء كان يحملها رجلٌ ضخمٌ ومُرعبٌ لم أرهُ من قبل صرخَ بي بغضب: قم يا رجل ورحِّبْ بسيادةِ الرئيس..رفعتُ رأسي فرأيتُ موكباً كبيراً ورجالاً مُدججينَ بأسلحتهم كانوا مُنتشرينَ في كلِّ مكان..ثم توجهتْ إليَّ مجموعة منهم يتوسطهم رئيسنا الجديد..تملكني خوفٌ شديدٌ لكنَّ الرئيسَ نَهرَ الرجلَ الطويل حينما رأى ارتباكي وأمَرَهُ بإشارةٍ من يدهِ أنْ يتركني..ثم أقبلَ نحوي وأحنى بتواضعٍ مَهيب قامة مَلأتها السنينُحكمة وشيباً وقال لي: منذ متى وأنتَ بهذا البؤس؟ فاجأني سؤالهُ فاعتدلتُ قليلا وتنحنحتُ لكنني لم أعرفْ بمَ أجيبهُ..كانَ الفزعُ لا زالَ يتملكني وجسدي يرتعدُ كلهُ من هَولِ المفاجأة..ويبدو أنَّ الرئيسَ أحسَّ بذلك فرَقَّ لحالي وأردفَ مُطمْئِناً : تكلم ولا تخف..فقلت: لا أدري..ربما ثلاثونَ أو أربعونَ عاماً..لا أتذكرُ بالضبط..فأجابني الرئيسُعلى الفور أي بعُمْرِ ديكتاتور! يا مسكين..أنتَ سِلعة بائرة صَنعَها دكتاتور ثمَّ نَسيها إلى الأبد..لذا يُمكنُ أنْ نعدّكَ أحدَ مُخلفاتهِ البالية..ثم اقتربَ مني أكثر وواصلَكلامهُبِتهكمٍ لم يخلو من عَتبٍ شَفيف: بالتأكيد أنتَ المُقصِّر..أنفقتَ من عُمركَ أربعينَ عاماً في النوم لذا لا تَلم إلا نفسك..لو كنتُ مكانكَ لانتفضتُ منذ زمنٍ بعيد..ثم سكتَ قليلاً وهو يتأملُ هيئتي الرثة وقال:على أيةِ حال ينقُصكَ الكثير لتعودَ إنساناً من جديد..أتدري...ربما تكونُ قد خسِرتَ أشياءً كثيرة تنقصُ حياتكَ وتمنيتَ الحصولَ عليها..ولسوءِ حظكَ ربحتَ شيئاً واحداً تمقتهُ كالموتِ لكنَّ حياتكَ تفيضُ بهِ..شيءٌ أوفر بكثيرٍ من كلِّ هذا الذي ينقصك..أثارتْ كلماتهُ هذهِ استغرابي فتجرأتُ أنْ أسألهُ وما الذي ربحتهُ يا سيدي وأنا لا أملكُ من الدنيا أيَ شيء ؟رفعَ إصبعهُ في وجهي وقالَ بهدوءٍ بدا لي مُتصنعاً : أنتَ...ككثيرينَ غيرك تمتلكُ شيئاً لا يمكنُ لأحدٍ أبداً أنْ يشتريَهُ بكلِّ أموالِ الأرضِ! حيرتني كلماتهُ هذهِ فبقيتُ مُتسمِّراً أنظرُ في وجههِ بذهولٍ ولا أملكُ كلمة أعقّبُ بها عليهِ فاسترسلَ في كلامهِ: يبدو لي أنكَ لم تفهم ما عنيتهُ؟ قلتُ: لا...قال: أنا أعني أنَّ ما حسبتهُ أنتَ خسارة كبيرة لكَ أفضتْ بكَ من حيث لا تدري إلى ما جعلكَ موطنَ حَنقٍ ممنْ لا يملكونَ ما تملكهُ رغمَ وضاعتهِ في أعينهم..وهذا لوحدهِ يُعَدُّ ربحاً لكَ وخسارة لهم! لم أفهم شيئاً من كلامهِ أيضاً لكنني تصنعتُ الذكاء وقلتُ لهُ مازحاً: عُذراً سيدي الرئيس أسْدوا لي معروفاً..خُذوا مني كلَّ ما خسرتُهُ طوالَ حياتي.. أنا مُتنازلٌ عنهُ لكم لكن دعوا لي هذا الذي ربحتهُ! فجأةً رأيتُ وجهَ الرئيسِ قد امتعضَ وقطبَ حاجبيهِ وزمَّ شفتيهِ بغضبٍ فلاحظ رجالهُ ذلك بسرعةٍ وهمَّ الرجلُ الضخم ذو العصا السوداء بأنْ يضربني فمنعهُ الرئيسُ ثانية بإشارةٍ من يدهِ..قلتُ لهُ سيدي الرئيس أعذرْ غبائي الشديد لكنني بصدقٍ لم أفهم شيئاً مما قلتَهُ..في تلك اللحظة رأيتهُ يقتربُ مني أكثر ويجلسُ بجانبي على الأرض ويهمسُ في أذني قائلاً : خذها مني حِكمة عتيقة باعتها ليَ السنين بماءِ الذهب..لا أدري إنْ كنتَ قد سمعتَها من قبل أم لا لكنني أجزمُ أنَّ ما من أحدٍ يأبهُ لها على وجهِ الأرض هذهِ الأيام..اسمع...أنا أعرفُ أنَّ ما بحوزتكَ شيءٌ تافه جداً.. بضاعة رخيصة مبذولة في كلِّ مكان..لكنها بضاعتكَ أنت..هي ملككَ وحدك..رصيدكَ من هذهِ الحياة لا يستطيعُ أنْ يشتريها منكَ أحد..ولا يشارككَ فيها أحد..وبرغمِ ذلك لا يتمنى الحصول عليها أحد..لذا استمع جيداً لما تقولهُ لك حكمتي هذهِ: لا تحزن ولاتبتئس.. شيءٌواحدٌلايشتريهِالمال....الفقر! أصابتني كلماتهُ هذهِ بصدمةٍ أخرى وأضافتْ إلى رأسي المعطوب دواراً ضاعفَ من دواري المزمن..لكنني سمعتهُ يردفُ بعدها قائلاً: هل فهمتَ الآن؟أنتَ لا تملكُ شيئاً أوفرَ ولا أبذخَ من فقركَ هذا! ورغم أنني لم أفهم أية كلمةٍ مما قالهُ أيضاً لكنني لمأصَرّحْ لهُ بذلكَ فقد بدا لي بوضوحٍ أنهُ استنفذَ معي آخر ما بقيَ في جُعبتهِ من صبرٍ على غبائي لدرجةِ أنني خشيتُ أن يُفجّرَ في وجهي غضباً حسدتهُ حقاً على طولِ كتمانهِ فتصنعتُ الفهم والذكاء مرةً أخرى وفجّرتُ على الفورِ ضحكة بلهاءَ جداً فَضَحَتْ فميَ الخالي من أيةِ أسنان وبقيتُ أرددُ وأكررُ فهمت..الآن فهمت..فجأةً رأيتُ الرئيسَ يضحكُ مني بسخريةٍ مُفرطةٍ جعلتْ الجميعَ يشاركونهُ الضحكَ وارتفعتْ أصواتُ قهقهاتهم عالياً فتعجبتُ منهم كثيراً وظلّتْ عينايَ تدورانِ في وجوههم المُنتفخة وتساءلتُ مع نفسي أيعقلُ أنَّ رئيسَنا الجديد قطعَ كلَّ تلك المسافةِ الطويلةِ من عالمِهِ الجديد إلى عالمِنا القديم وتجشمَّ عناءَ الطريق كي يسخرَ من فقري فحسب؟بقيتُ أفكرُ طويلاً في سببِ ضحكهم عليّ..أهوَ خلو فمي من الأسنان..أم من بلاهةِ ضحكتي..أم لأنني قلتُ شيئاً مُضحكاً بالفعل؟ ولمّا لم أجدْ أيَّ جوابٍ لأسئلتي الغبية هذهِ تثاءبتُ بكسلٍ وفركتُ عينيَّ وحككتُ شعري المُتّسخ ثم تلفتُّ يميناً وشمالاً فلم أجدْ سِواي فتعوذتُ باللهِ من شياطينِ الإسفلت وعاودتُ الاضطجاعَ لأغطَّ من جديدٍ في نومٍ عميق!


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق