]]>
خواطر :
إذا سمعت عويل الذئاب...يعني ذلك ، إما في المصيدة تتألمُ أو في الغنائم تتخاصمُ...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . “كلا – كلا ! لا ظلام في الحياة وإنما هي أنظارنا الكليلة التي تعجز عن مرأى النور في أبهى مجاليه(مي زيادة )   (طيف امرأه) . 

الإنسان أولا... والإنسان آخراً

بواسطة: احمد المختار  |  بتاريخ: 2013-07-28 ، الوقت: 23:20:18
  • تقييم المقالة:
الإنسان أولا... والإنسان آخراً
للأستاذ بشار أبو سيف

قد نسمع في وسائل الإعلام أو في خطابات بعض الشخصيات السياسية سواء على مستوى الحكام أو زعماء الأحزاب من هنا أو هناك بعض الشعارات أو البرامج التي تعبر عن عقلية الحاكم أو السياسي مثل (الأردن أولاً ) أو (إيران أولاً)و(تحالف واسط أولاً ) و(نينوى لأهلها ) أو (نفط العرب للعرب) أو( ليبيا لليبيين) وما شاكلها وهي بالحقيقة تحمل نفس المضمون مع اختلاف الأشكال ألا وهي النظرة الضيقة سواء أكانت منها الوطنية أو القومية أو المناطقية وهو التفكير بالذات أولاً (الأنانية ) وهي بحد ذاتها عين الانحطاط والتخلف الفكري على مستوى الإنسان عندما يذهب وينسحب باتجاهات مختلفة ومتعددة سواء أكان ميله للعرق أو اللون أو الجنس ويتجرد من إنسانيته التي هي العنوان الاشمل والفضاء الأوسع على مستوى البشرية جمعاء . وان اختلاف الناس خَلْقياً وتنوعهم جغرافياً وتعددهم فكرياً لا يعني استحالة تحويل هذا الاختلاف من أثره السلبي إلى أثر ايجابي بالرغم من كل هذا وقد يبدو للوهلة الأولى انه بالصعوبة بمكان جمع الناس في بودقة واحدة لتعيش كعائلة إنسانية واحدة بل الأمر تطرق إلى استحالة العيش على مستوى الشعب الواحد عندما وصل العقل الإنساني إلى الحضيض في تصوره للعيش الجماعي عندما وقف العقل عاجزا أمام تلك الحواجز الخَلْقية (فهذا اسود وذاك ابيض وهذا آري وذالك كردي )
والحواجز الجغرافية (هذا آسيوي وذاك أفريقي وهذا قروي وذاك ابن المدينة ...) فتلك الحواجز لا مفر منها اقتضتها حكمة الخالق المدبر في إظهار براعة وإبداع أولي النُهى في فك لغز تلك القضية المحيرة للإنسان . وإذا أمعنا النظر أكثر فأكثر سنرى أن تلك الحواجز هي الأقل تعقيداً بمكان من حاجز آخر يقف حائلا بشكل كثيف دون تحقيق الوحدة الإنسانية ألا وهو الحاجز الفكري المتمثل بالاعتقاد والتصورات عن الحياة وقد يصل الأمر نتيجة لذلك إلى حد الاحتراب والاقتتال بين الإنسان وأخيه الإنسان عندما ينحط الفكر الإنساني فينتكس بالإنسان إلى الدرك الأسفل سواء أكان الصراع بين أبناء العقيدة الواحدة كما حصل في أوروبا وهو الصراع الارثذوكسي والكاثوليكي وكما يحصل اليوم بما يسمى زورا وبهتانا بالصراع الطائفي الشيعي السني لأنه لا وجود في الإسلام للطائفة وإنما الوجود للمذهب وشتان بين الطائفة والمذهب أو الصراع بين عقائد مختلفة كالصراع الشيوعي الرأسمالي ويعتبر كله بطبيعة الحال صراع سلبي ودائمي ويضاف إليها كذلك الصراع القومي أو القبلي أو العرقي كالصراع العربي الفارسي والصراع العربي الكردي أو الصراع بين قبيلتي الهوتو والتوتسي التي أُعْطِيَتْ لها بُعداً فكريا وان كان الصراع في جوهره نتيجة للتنوع الخَلْقي . وقد جاء الإسلام ليضع حدا لهذا الصراع بما يحمل من قدرة على إعطاء الرسم البياني للحياة الصحيحة فكان لابد من خوض الصراع بين الإسلام وبقية الأفكار لإزالة الحاجز الفكري ومن الطبيعي سيكون صراع ايجابي ومؤقت ، وحسمه حتمي حتى ولو كلف الأمر بحرٌ من الدماء .
لنرفع شعار الإنسان أولا لنصل بالنهاية أو بالحقيقة لنصل إلى بناء الملحمة الإنسانية الرائعة ونجعل مثلا ما في باطن الأرض من ثروات هو للإنسان وليس حكرا فقط لأصحاب الأرض ومن يسود عليها ولنجعل من قناة بنما مثلا للكويتي والأنغولي والهولندي والأمريكي ولنجعل حوض البحر الأبيض المتوسط هو للكردي في أربيل وللأسود في الخرطوم وللأبيض في استوكهولم وللفارسي في تبريز .
فالحياة تبنى بالتعاون وليس بالتصارع (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) المائدة 2 .
وتصاغ الحياة بالتآلف وليس بالتباغض (لا تحاسدوا ، ولا تناجشوا ، ولا تباغضوا ، ولا تدابروا ، ولا يبع بعضكم على بيع بعض ، وكونوا عباد الله إخوانا ... إلى آخر الحديث).

ولكن من يملك مفاتيح الإنسان للاطلاع على أسراره ومكنوناته ؟
فكما الأرض تحوي في باطنها الكنوز من ذهب وفضة ونفط وفي البحر في أعماقه اللؤلؤ فالذي يملك آلة حفر الأرض واختراق طبقاتها سيفوز حتما بالثروة والذي يملك وسيلة النفاذ إلى البحر وسبر أغواره سيحظى حتما بلؤلؤه فلن تَبخَلَ الأرضُ بكنوزِها ولن يَبخَلَ البحرُ بلؤلؤهِ . فالذي يمتلك مفاتيح الإنسان سيجده لن يبخل بماله وشجاعته ونفسه وولده .
فالمفتاح هو ذاك الخطاب الإنساني الهادر ذو المضمون الساحر وللعقل باهر وبالحق جاهر وعلى الحق ساهر وللباطل داحر ونحو الارتقاء سائر في الماضي والمستقبل والحاضر انه خطاب فريد ونادر .
فمشروع إعادة اعمار الإنسان قبل مشروع إعادة اعمار البلدان مثل مشروع اعمار العراق أو ليبيا أو أفغانستان أو الصومال .

فما علاقة البنيان والعمران بسعادة الإنسان ؟! .
فذاك الخطاب الفريد والنادر هو لإعادة بناء العقل الإنساني بناءاً سليماً ومحكماً وبالتالي تنظيم أحاسيسه وشعوره تنظيما دقيقا ورسم اهتماماته وطموحاته رسماً متوازناً بين عيشه في الدنيا وبين مغادرته لها نحو الآخرة أي الموازنة بين متطلبات الحياة من مأكل وملبس ومسكن وبين متطلبات بناء المشروع الحضاري الإنساني الذي يضمن له العيش الهنيء في الدنيا وطيب المقام الكريم في الآخرة (وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ) القصص 77.
فالركض وراء سراب السعادة بامتلاك حلقات العلم والتكنولوجيا المعقدة والتقدم الصناعي والمدنية الراقية لم تحقق للإنسان أي سعادة بل بقي الإنسان يصطلي بشقاء الحياة ويتقلب بين جنبيه على أشواك التعاسة رغم وفرة وكثرة وسائل الترفيه والراحة بل بقيت الأعين تذرف الدموع لفقدان عزيز أو لضياع أوطان أو هضما للحقوق أو تدميرا للبنيان أو قتلا للأنفس أو هتكا للأعراض أو سرقة للأموال أو استهانةً للمقدسات والنتيجة واحدة هي تدمير الإنسان بتحطيم عقله بأفكارٍ مسمومة وإرباك حِسِه بالمتناقضات والاستيلاء على شعوره بالتضليل والتحكم بمستقبله وحتى أحلامه التي هي إما كوابيس القتل والخراب تراوده في منامه أو أحلام وردية بالفوز بلقب شهرة لاعب كرة قدم أو التشبه بمطرب تافه أو الجري وراء الإغراء والإغواء لعاهرات تأنف الألسن عن ذكرها .
فالإنسان هو اللبنة الأساسية في بناء الحياة وهو المادة الخام الذي تتكون من الطاقة الحيوية والتفكير فبعقله يَرسم الحياة وبطاقته يَبني الحياة . فالإنسان هو اللب وكل ما حوله بمثابة القشر الذي يخدم اللب .
وعودة إلى القرآن الكريم نلحظ ذلك الاهتمام أَيَّما اهتمام واعتبر الإنسان الحجر الأساسي في استخلافه للأرض (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ) البقرة 30 . ولقد ورد لفظ الإنسان في (57) موضع في القرآن الكريم ولقد كانت فلسفة الإسلام فريدة من نوعها وتتميز عن كل الفلسفات الأخرى في تناولها لبحث الإنسان منذ أن يكون نطفه في رحم أمه حتى يوارى الثرى ويلقى ربه ، أي تناول حياته قبل خروجه إلى الحياة وبعد خروجه إلى الحياة وبعد خروجه من الحياة بالتفصيل الدقيق (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ) الحجر26. (وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ۗ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ) الحج66 . (وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا) مريم 66. (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ ۖ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ) ق16 . (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا ۖ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا ۖ وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا...إلى آخر الآية ) الأحقاف 15 .
فهذه دعوة صادقة إلى كل ذي عقل أن يجعل الإنسان موضع اهتمامه وان يلجا إلى خالقه في معرفة المادة السحرية التي تنهض به (وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ۚ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ ۚ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) الأنفال 63 .
لان كل بني الإنسان شركاء في حمل الأمانة (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا) الأحزاب (72) .
وهي تحقيق العبودية لله في الأرض (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) الذاريات 56.

الإنسان لا تحركه مجموعة أزرار
وإنما تحركه مجموعة أفكار
ليس الإنسان عبارة عن مجموعة أصفار
وإنما الإنسان عبارة عن مجموعة أسرار
يكره الإنسان أن يعيش ما وراء الأسوار
وإنما يحب الإنسان أن يكون بين الأحرار
يكره الإنسان الذلة والصغار وعبدة الدينار
وإنما يحب الإنسان البذل والتضحية والإيثار
الإنسان بعقله سبر أعماق البحار
الإنسان بعقله أدرك العظيم الخالق الجبار
الإنسان تقف أمامه كل المخلوقات بإجلال وإكبار
وكل بني الإنسان يقفون أمام المخلوقات بحيرة وانبهار
ويسال الإنسان من جعل للجنين في بطن أمه أطوار ؟
ومن ألبس ثياب الخضر للشجر وخلق ملوحة البحر وعذوبة الأنهار ؟
الذي أوجدهم من عدم العزيز الواحد القهار .
« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق