]]>
خواطر :
اسقيني كاس من رحيق ذكرى وجودك ... لا تتركيه يجف ،كلما جف الكأس ازداد الحنينُ...و لا يطفي شعلة الفؤاد سوى كأس الحنين...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

نصرٌ بلا انتصار

بواسطة: محمد الحداد  |  بتاريخ: 2013-07-24 ، الوقت: 12:27:29
  • تقييم المقالة:

 

 

نصرٌ بلا انتصار

 

محمد الحداد /  العراق

غيومُالثأرِ والانتقامِ بدأتْتُخيّمُاليومَ بظِلالهاالقاتمةفوقَأخطرمرحلةٍتمرُّ بها مِصر كلها..شرْخٌ كبيرٌ شقَّ جدارَ الوطنِ الأمين لِتنفذَ ديدانُ الفتنِ من بين شقوقهِ الجديدة..تشرذمٌوانشطارٌ وطنيٌّوشعبيٌّ ومجتمعيٌّ واسع خَرَقَ ثوبها الواحد إلى مِزقَ كثيرة..

لعنة التغيير أصابتْ مِصرَ بمقْتل ووهبتها بَذخاً مُفرطاً فيأساليبِ التعبير بلغَ حدَّ التطرففتوسعتْ معها حَلَبة الخِلافِ فوقَ أرضٍ جديدةٍ من فوضى مُرعبة..تمددتْ أطرافها على مساحةٍ شعبيةٍ كبرى..توسّعَ الخِصام..ودَقَّ جرسُ النزال وابتدأ الضربُ تحتَ الحِزام ونُشِرَ الغسيل المُلطّخ بالدماءِ على الملأ..

شعبٌ واحدٌ انقسمَ على نفسهِ فجأةً إلى فئتين..طائفتين اختلفتا في كلِّ شيء لكنهما اتفقتا على الثأر والانتقام..بعد أنْ عفَّرَهم بالأمسِ القريبِ فقط غُبارٌ واحد نَثَرتْهُ أكفُّ ميادين التحرير فوقَ رؤوسهم ووشّحتهم جميعاً فرحة واحدة فوق أرصفتهِ بميلادِ ثورةٍعَجنوا بدمائهم طينَها المُستحيل..

انقسامٌ مُريعٌ باتَ يرسمُ بوضوحٍ لوحةً كئيبة تُظهِرُ مصرَ اليوم بألوانها القاتمة الجديدة..صدمةُ شعبٍ بأكملهِ لم يهضمْ بعد ما حصل..ملايينُ من الناس لم تقعْ أيديهم على حقيقةٍ مُقنعةٍ واحدة تفسّرُ مُلابسات واقعة خلع رئيسهم المُنتخب وتفكّ لهم شفرة أسرارها..نصرٌ هنا ونكسة هناك..انقسامٌ وانقسام..بين فرحةِ جماعةٍ عَدَّتْ ذلك نصراً تاريخياً مؤزّراً..وحزنِ جماعةٍ أخرى عَدَّتهُ انقلاباً غير شرعي..قدحة غرور نفخَ أنوفاً هنا يقابلها ذهولٌ ووعيدٌ هناك..النصفُ الحزين غاضبٌ دون يأس..والنصفُ السعيدُ يحتفلُ بتشاؤمٍ على نصرٍ بلا انتصار..والحِنقُ والحيرةُ والخوفُ من الغد أشرعةُ الجماعتين..

هل هي ثورةٌ ثانية أم قهقرةٌ لعسكرةٍ جديدة؟ولادةٌ أم إجهاض؟هل هي استردادٌ مُستحقٌّ مِمّنْ خطفَ الثورة الأولى أم انقلابٌ ديكتاتوريٌ على حُكمٍ شرعيٍّ مُنتخب؟هل هو تقويمٌ لاعوجاجِ الثورة أم انقضاضٌ بربريٌّ عليها؟

انقسام..انقسام..والجمرُ القديم المتدثر برمادِ الأمس اشتعلَ اليومَ بعودِ ثقابٍ عسكريٍّ واحد وأشعلَ معهُ فتيلَ صواعق موقوتة نسفتْ معها كلَّ شيءٍ دون أنْ تُحرقَ أيادي مُضرميها..وكلُّ ما حدث حتى الساعة لم يكنْ إلا بداية لنهايةٍ وشيكة..

نصرٌ كهذا بلا طعمٍ لا نصرَ فيهِ لأحدٍ أبداً...مصرُ تعرفُ النصرَ جيداً.. سبقَ لها أنْ انتزعتهُ من قلادةِ القدرِ وسطَ هزائمَ كثيرة..لا يمكنُ لشعبها أنْ يُخطئَ طعمَ نصرٍ تذوقهُ من قبلُ أبداً..لذا كانَ ما حدثَ وِفقاً لحساباتِ الربحِ والخسارةِ أكبرَ هزائم مصرَ على الإطلاق..

أيُّ نصرٍ هذا ومصر تبدو اليوم كرةَ نارٍ حارقة تحترقُ وتُحرِق؟أيُّ نصرٍ وهي تنزلقُ من القمةِ سريعاً إلى شفير وادٍ مُظلمٍ وسحيق؟كرةُ نارٍ إذا لم تُطفأ الآن فستمتدُّ لتشعلَ المزيدَ مِمّا لا قدرة لأحدٍ أبداً على إطفائهِ ولا التكهنِ بحجم ما ستضيفهُ دواماتها إلى المنطقةِ بأسرها من حرائق جديدة..

خوفنا الأكبر من مستقبلٍ آتٍ ستغدو مصر معهُ أكبرَ ماكنةٍ صناعيةٍ لحضنِ وتفريخ الإرهاب تُصدّرُ الموتَ والعنفَ والأزماتِ إلى مَنْ ينتظرهُ بشغفٍ خلفَ الحدود.. يُغذي تلك الماكنة الكبرى ثأرٌ لا ينفذ وقودهُ أبداً ولا تبردُ نارهُ..الواقعُ الأعرج يقولُ ذلك بفصاحةٍ كريهة..

 القادم المُغيّب يُنذرُ بالأسوأ فالجمرُ الأكبر لازال نائماً ينتظرُ النارَ تحت الرماد..ومصرُ الغد..قُنبلة موقوتة بيدِ عفريتٍ عسكري يوشكُ اليومَ أنْ يُضرمَ بيدهِ الأخرى فتيلها..وإذا انفجرتْ فلن تُبقي شيئاً ولن تَذر..

مَنْ سيسترجعُ مِصرنا التي نعرفها؟مَنْ سينزعُ الفتيل؟مَنْ يُطفئ ناراً تَسعَرُ بأفواهٍ تنذرُ بابتلاعِ الغد قبلَ ارتدادِ الطَرف.... مَنْ؟


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق