]]>
خواطر :
اسقيني كاس من رحيق ذكرى وجودك ... لا تتركيه يجف ،كلما جف الكأس ازداد الحنينُ...و لا يطفي شعلة الفؤاد سوى كأس الحنين...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

ما لهذا خلقنا ولا بهذا أمرنا

بواسطة: محمد ممدوح يوسف  |  بتاريخ: 2013-07-24 ، الوقت: 07:48:41
  • تقييم المقالة:
ما لهذا خلقنا ولا بهذا أمرنا

إن ما يعيشه مجتمعنا المصري اليوم لهو في نظري تعبيرا عن المعنى الحقيقي للانحراف عن أي معقول أو منقول أو حتى موروث..

والسبب في ذلك يرجع في نظري إلى تبني كثيرا من الفلسفات المنحرفة عبر العقود الماضية والتي كان يزعم أصحابها أن تلك الأفكار هي السبيل الوحيد لحياة مليئة بالقوة والسلطة والعزة أو ربما بالغوا جدا حين وعدوا أتباعهم بتلك المدينة الخيالية الفاضلة والتي تخيلها كل واحد منهم على تصوره الخاص.

فتجد عبر العصور القريبة السالفة ظهور مجموعة من أتباعي نوع من الفلسفة والتي زعموا أنها ليست فلسفة وضعية ، إنما هي الصورة الوحيدة المعبرة عن الإسلام وأخذوا يصورون ويصفون الإسلام كما تراءى لهم في أذهانهم وبما استطاعوا أن يبلغوا من العلم ، وعلى النقيض تجد أناسا تبنوا أفكاراً إلحادية يريدون بها أن ينسلخ المجتمع البشري من أي قيد – كما يتصورون- معتقدين أن الدين في حقيقته عندهم إنما جاء ليقيد البشرية ببعض الأفعال والتي تجعل منه عبدا مملوكا لبعض الأفكار مما جعلهم يغالون جدا حتى وصلوا إلى وضع فلسفتهم العقيمة تلك معبرين عنها بقولهم الساذج "أن الدين أفيون الشعوب وأنه ينبغي على المجتمعات أن تتعايش بلا دين".

وبالنظر الموضوعي لتلك الفلسفات السالف ذكرها فلا أجد عبارة أبلغ من وصفها بالفلسفات الشاذة المنحرفة والتي جعلت من الإنسان في الحقيقة عبداً لمعتقدات سلبت منه معنى الإنسانية وأكسبته معنى الوحشية والعنف والتمرد على كل ما هو مألوف أو موروث أو حتى أي معقول.

ومع كل هذا الانحراف الذي شهدته البشرية عبر عصورها إلا أنه يبقى –في نظري- أعظم أنواع الانحراف على المجتمع البشري شرا هو نوع الانحراف الذي نشأ عن خطأ في فهم الدين والعقيدة.

إن الشذوذ العقلي أمر طبيعي في تاريخ الإنسانية ولكن الأيام والتجارب الإنسانية تكون بمثابة المعمل الحقيقي لتقييم أي فلسفة نشأت مما يمكَن من وضعها في ميزانها الحقيقي وذلك لأن الأفكار في الحقيقة ليست من ثوابت البشرية ومن الممكن أن تطفو على السطح تارة وتنحدر وتختفي في الأعماق تارة أخرى.

أما الطامة الكبرى حين يلتصق ذلك الانحراف بفهم دين من الأديان وذلك لأن الأديان في حقيقة معناها العام أمر مطلق غير نسبي ، بل إنها أمر إلهي يجب علينا إتباعه وعدم الخروج عن ذلك المنهج الرباني الموضوع لصلاح البلاد والعباد ، تلك الإطلاقية التي نصف بها الدين إنما هي وصف لمعنى الدين بالنظر لذاته وليس وصفا لأحكام الدين والتي بطبيعة الحال يغلب عليها النسبية في كثير من الأحوال ، إذ أن الدين جاء ليكون صالحا ليس فقط لمجموعة من البشر تتسم بصفات معينة دون غيرهم بل قد جاء في أصله ليكون صالحا لكل البشرية وذلك أيضا ليس فقط في زمان أو مكان معينين بل ليكون صالحا من حيث التطبيق في كل زمان ومكان ، وتلك الصفة لم تستطع أي فلسفة من الفلسفات البشرية الوضعية أن تكتسبها وتكون غير قابلة للأخذ والرد ، ولما كان مصدر الدين هو خالق ذلك الكون كان بالطبع صالحا لكل الأزمان والأمكنة والأجناس قال سبحانه "ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير" ، وليس هناك فتنة أعظم بلية على المجتمعات من أن يهان المطلق فينحرف معناه في العقول ليصير نسبيا وينقلب الثابت فيكون متغيراً حينئذ يهوي الاجتماع البشري إلى أسفل سافلين.

وقد أثبت التاريخ أن ليس ثمً دين سماوي قد سلِم من تلك الانحرافات والشذوذ العقلي ، ولعلنا هنا نخص بالحديث ديننا الإسلامي الحنيف والذي حدثنا التاريخ عن أول محاولة لهتك ثوابته كانت على يد طائفة من معتنقي الإسلام لما ظهروا في صدر الإسلام وقد سماهم الناس الخوارج ، ولقد نبأنا رسولنا العظيم صلى الله عليه وسلم عن تلك الطائفة واصفا إياهم بأنهم كلاب النار ، وهذا الوصف المرعب إنما جاء لمحاولتهم هدم ذلك الصرح الرباني العملاق في قلوب المسلمين ، وذلك حينما نسبوا للدين ما ليس منه بل زعموا أفكاراً والصقوها للدين والدين برئ منها بل وقد نهانا عنا أصلا.

لقد كانت تلك الطائفة الضالة المنحرفة أشبه بالمحرفين لكتاب الله العزيز وسنة رسوله المطهرة ، فقتلوا المسلمين وسفكوا دمائهم وهتكوا أعراضهم بدعوى تأويل بعض آيات القران - والتي نزلت في وصف الكافرين والمشركين- فجعلوا مردها ومآلها على المسلمين ، وتلك مصيبة كبرى تأصلت في مجتمعنا الإسلامي في كثير من أجيال أتباعه ، فتجد الآية قد نزلت تصف فعلا من أفعال الكافرين والمشركين وتجدهم يفسرون تلك الآية على أنها نزلت في وصف المسلمين حتى أنهم قد كفروا علي بن أبي طالب رضي الله عنه بتأويل آية نزلت في وصف فعل ملحد أو منكر لله تعالى.

وتعاقبت الأجيال وتأصلت تلك الانحرافات في عقول بعض المسلمين ولكن بصور متعددة فأنكر أكثرهم جل علماء الأمة عبر تاريخها الطويل بل ورموهم بالشرك وعبادة غير الله ، وتجد غيرهم تصور أن الإسلام قد جاء ليرغم العالم بإتباعه فقتلوا وسفكوا الدماء وشردوا الأطفال وهتكوا أعراض نساء وذلك لأنهم ليسوا مسلمين ، وتجد آخرين قد أنكروا ما استقرت عليه الأمة عبر التاريخ فتجدهم ينكرون المذهبية ويتصدرون إلى التعليم قبل التعلم  ويدعون أن المذهب الحق فقط هو ذلك المذهب العقيم الذي هداهم لأفعالهم الشاذة ، وتجد آخرين قد اقتصرت صورة الإسلام في أذهانهم على إطلاق لحية أو تقصير ثوب أو تعطيش حرف الجيم أثناء الكلام أو استخدام السواك ولئن سألته عن دليل أي مما سبق تجده فارغا لا يعلم إلا قليلا بل ربما لا يعلم شيئا إنما هو اتباع أعمى لمضل غيره ، وتجد من سمات تلك العقلية من خلط بين المطلق والنسبي فانزل المطلق منزلة النسبي وأنزل العام منزلة الخاص وأنزل الثابت منزلة المتغير وجعل من مسائل الدين الفرعية قضية عظمى تقوم عليها الدنيا ولا تقعد فرأيت أناسا يكفرون آخرين لدخولهم بيت الخلاء بالقدم اليمنى دون اليسرى كما نحن مأمورين ورأيت أناسا قد كفروا آخرين لسماعهم الغناء وغير ذلك من مسائل الدين والتي بالقراءة والبحث العميق ربما يجد الباحث خلافات كثيرة من أقوال أهل العلم بل و في بعضها خلافات بين الصحابة بعضهم البعض مما يجعلها من نوع المسائل القابلة للنقاش العلمي ومعرفة علة الحكم المستنبط من الدليل وأن الحكم الشرعي يدور حول علته وجودا وعدما ومعرفة مباحث أصول الفقه لنعلم كيف نفهم الدليل الشرعي ونستنبط منه حكما شرعيا ثم بعد ذلك ننزل ذلك الحكم على واقع معايش لا نستطيع تبديله ولا تغييره بالمعنى المتصور في أذهان هؤلاء الحيارى الذين فقدوا كثيرا من آليات العلم والمعرفة..

إن هذه العقلية المنحرفة التي تصورت أن الله لم يهدي سواهم لهم شر الناس على الناس ، إن الدين لم يأتي أبدا ليكون كل من على الأرض تابعين له وإلا كان خلق النار وفلسفة الجزاء والعقاب شئ لا معنى له وهذا محال في حق حكمة الله تعالى البالغة ، إن تلك العقائد الشاذة المتصورة عند هؤلاء القوم لهي السبب الرئيس في نظري في وجود هذا الكم العجيب من العنف الآن في مجتمعاتنا الإسلامية ، ولقد صدق سيدنا ومولانا وأستاذنا الشيخ علي جمعة حينما كان يعلمنا قائلاً : "إن التشدد المتطرف باسم الدين والعلمانية بمعناها الإلحادي لهما في الحقيقة وجهان لعملة واحدة إذ كل منهما قد نسب إلى الدين ما ليس منه ولا فيه".

   

 

            


« المقالة السابقة

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق