]]>
خواطر :
الحياة الدنيا مثلها امرأة ، تراها من بعيد جمالا براقا لتكتشف أن كل شيء فيها مصطنع ... من رموش العين إلى احمرار الخدين والشفتين إلى طاقم الأسنان الناصع البياض...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

مصر ومعضلة "الثالث المرفوع"

بواسطة: صابر النفزاوي  |  بتاريخ: 2013-07-15 ، الوقت: 01:07:27
  • تقييم المقالة:

بقلم : صابر النفزاوي -محلل سياسي-

يوم 03 جويلية 2013 خرج علينا وزير الدفاع المصري الفريق أول “عبد الفتاح السيسي”ليتلو علينا بيان الجيش الذي ينصّ على عزل الرئيس المنتخب محمد مرسي وتعطيل العمل بالدستور وتولية رئيس المحكمة الدستورية عدلي منصور رئيسا مؤقتا للبلاد حتى إجراء انتخابات رئاسية مبكرة وتمّ الإعلان عن “خريطة مستقبل لحل الأزمة” من أبرز نقاطها تشكيل لجنة لمراجعة التعديلات الدستورية المقترحة،لينقدح بذلك سؤال مثقل بالحيرة :ما الذي حدث..هل كان انقلابا عسكريا والتفافا على الشرعية أم استكمالا لمسار ثورة 25 جانفي وتلبية لمطالب الشعب؟؟ وهو سؤال يشي بحقيقة وجود موقفين يتجاذبان على جبهة تكييف ما حصل يومها؛ولا نحتاج إلى كبير عناء لنلحظ ما أسميه “مانوية موقفية صارمة”تختزل إلى حدّ بعيد مشهد الاستقطاب الإيديولوجي الحاد في مصر فحتى قراءة الأحداث صارت تخضع لمنطق الثالث المرفوع،فآراء الفريقين مثلما نرى تنضح تعميمية وإطلاقية ،فالطرف المؤيد لمرسي ومن ورائه الإخوان والإسلاميون يتحدّث عن انقلاب على إرادة الشعب والطرف الآخر يصرّ على أنّ الجيش لم يفعل أكثر من إمضاء حكم الشعب؛ فالجميع يتكلم باسم الشعب ما يجعلنا أمام تنازع شرعيتين : شرعية الصناديق وشرعية الشارع نحتاج معه إلى مرجّح لا توفره لنا أدبيات الديمقراطية ولا تطبيقاتها فلا نعثر في الديمقراطيات المقارنة على أحداث شبيهة ،ففرادة الحالة المصرية تضعنا في مأزق حقيقي يجبرنا على التدبر والتفكر فيما حصل وعدم الاطمئنان للأجوبة المغرية التي “تقفز مباشرة إلى الأذهان”،ومن الخطإ بمكان تشبيه الانتفاضة الشعبية ضد حكم “مرسي”بنظيراتها التي قامت أكثر من مرة ضد حكومات اليونان والقول إنّ الجيش اليوناني رغم ماشاهده من حراك احتجاجي عنيف لم يسارع إلى الإطاحة بالحكام المنتخبين ليس في طريقه لأنّ السياسيين كانوا في كل مرة يستقيلون وآخر رؤساء الحكومات المستقيلين “جورج باباندريو”الذي تمنى التوفيق لرئيس الوزراء الجديد ولم يعمد إلى التعنت والمكابرة،فالأزمات السياسية في أثينا كانت دائما تجد طريقها إلى الحل عبر آلية التخلي الطوعي عن السلطة ،أما في القاهرة فكان تشبّث مرسي بالشرعية الانتخابية أسطوريا حتى أنّه وشّح خطابه الأخير بمصطلح “الشرعية”59 مرة،رغم أنّه لم يحصل في الانتخابات على أكثر من 51 بالمئة من أصوات الناخبين أمام أحمد شفيق آخر رئيس وزراء في عهد “مبارك”،وكان الكثيرون قد انتخبوه نصرة للثورة لا له ولا للإخوان المسلمين حتى أنّ أحد الظرفاء علّق على نتيجة الاقتراع قائلا:”فرحت لهزيمة شفيق وما أفسد فرحتي هو انتصار مرسي”..كما علينا ألا نغفل عن أن جملة المصوتين له كانوا في حدود 15 مليون فيما جمعت حركة “تمرد”حوالي 22 مليون توقيع سحب ثقة منه،وحتى المصادقة على الدستور من خلال الاستفتاء التي يراها البعض تثبيتا لشرعية حكم الرئيس كانت من قبل أناس يستعجلون تخطي مرحلة الفراغ الدستوري وعوام موسومين بسذاجة “عقدية”جعلتهم يظنون أنّهم يصوتون للإسلام عبر ما أسماه الداعية محمد حسين يعقوب “غزوة الصناديق”كما أنّ إجراء ذلك الاستفتاء كان متسرعا ولم يأخذ الوقت اللازم الذي يستحقه الناخب لمعرفة حقيقة الدستور وأبعاد أحكامه ،علاوة على هذا وذاك الرجل -مرسي- انتهج سياسة الخطإ ببراعة متناهية حتى أني علّقت مرة على “إبداعاته”بالقول إنّ”خطأه الوحيد هو ترشحه للرئاسة!!!”..في المقابل لا يمكننا الجزم بأنّ ما حصل يوم 30 جوان هو موجة ثورية ثانية وبأنّ الشعب يريد إسقاط حكم مرسي ،فرغم خروج ما يربو على 30 مليون شخص للتظاهر في مختلف المحافظات المصرية فإنّ ذلك لا يجعلنا نقطع بأنّ الشعب المصري انتفض ضدّ الرئيس ،وإلا نكون قد أشحنا بوجوهنا عن الملايين الأخرى المؤيدة للإخوان ،فقد كان هناك انقسام شعبي حقيقي في هذا المستوى ،لكنّ تدخّل الجيش كان شرا لابد منه في ظل تفاقم الاحتجاجات من جهة وتصلّب مرسي من جهة أخرى ،فهو في الحقيقة لم ينف الشرعية بشكل مطلق بل وضعها بين قوسين بما أنّ النية تتّجه إلى إجراء انتخابات رئاسية مبكرة ،والحديث عن أنّه خرج عن الحياد وناصر شقا من الشعب دون الآخر لا يبدو سليما إذ لا يمكن تجاهل أكثر من 30 مليون متظاهر حتى لو كانوا أقلية فضخامة عدد المحتجين وإصرارهم يدفع بالضرورة إلى اتخاذ موقف حاسم ،فنحن لسنا إزاء معادلة طبيعية لأقلية وأغلبية بل إننا بصدد معطى مادي متجسد في الشارع ما يجعلنا نولي اهتماما خاصا بجحافل المعارضين الناشطين لا بأغلبية يقبع معظم أفرادها في منازلهم ،فمنطق التعاطي مع الواقع يجعل إرضاء القلة الثائرة مطلبا متأكدا فلا يُعتدّ بأكثرية صامتة . في رأينا لا يمكن توصيف واقعة تدخّل الجيش لعزل مرسي بأنه انقلاب عسكري لأن ما رأيناه لا يستوفي شروط الانقلاب ولنا على ذلك أربع قرائن ؛أولا،ليس هناك انقلاب في العالم يكون مسبوقا ببيان تحذيري كالذي أصدره الجيش المصري يوم غرّة جويلية ممهلا فيه “الجميع”-والحقيقة أن الخطاب موجه لمرسي بالذات- 48 ساعة لحلحلة الأزمة ؛ثانيا،الانقلاب ترافقه سيطرة ميدانية على المنشآت الحيوية كالمطارات والقنوات التلفزية الرسمية ،ثالثا؛ليس هناك انقلاب في العالم يتوّج حراكا احتجاجيا ويلبّي مطالب المنتفضين من إسقاط الرئيس إلى اتخاذ قرار إجراء انتخابات مبكرة مرورا بتعليق الدستور،فلا يمكننا الحديث عن انقلاب وعن انتفاضة شعبية في الوقت نفسه ،وربما هذا ما دفع البعض إلى ابتكار مصطلح “الانقلاب الشعبي”في محاولة يائسة لاختزال الواقعة المصرية الهجينة،رابعا؛الانقلابات العسكرية تفرز بالضرورة حكما عسكريا وهذا ما لم يحصل في مصر بما أنّ زمام السلطة سُلّم لشخصيات مدنية ،وحتى لو اعترض معترض بالقول إنّ هؤلاء هم مجرد دمى متحركة وإن الجيش هو الحاكم الفعلي للبلاد نقول إنّه ليس هناك انقلاب عسكري في العالم يحكم إثره الجيش من خلف ستار،العسكر ينقلب ليحكم مباشرة وبوضوح،ولمّا كان ذلك كذلك لا يسعنا إلا القطع بأنّ ما حدث لم يكن انقلابا،لكنّ استنتاجنا هذا لا يبرّر القول إنّه كان تلبية لمطالب الشعب ؛فالمجتمع المصري يعيش انقساما حقيقيا بين مؤيدين للتدخّل العسكري ومعارضين له ،وهذا الانقسام هو في حقيقته استنساخ للاستقطاب الأصلي بين مناصري مرسي ومناوئيه ،ما يعني والحال تلك أنّ الشعب المصري ليس كتلة متجانسة في مستوى المطلبية السياسية،وهذا الازدواج الموقفي الشعبي يُلقي بظلاله الداكنة على “الشرعية”التي غدت مفهوما زئبقيا لا نكاد نمسكه حتى يُفلت من جديد ،عن أي شرعية نتحدّث ..شرعية الانتخابات أم شرعية الشارع؟..إننا أمام تنازع شرعيات حقيقي يجعل الأجوبة نفسها تتحوّل إلى أسئلة مربكة،لذلك علينا أن نفكّر مليا قبل الجزم بحدوث انقلاب على الشرعية . لكنّ تبرير البعض لتدخّل الجيش وإطاحته برئيس منتخب بكون الديمقراطية ليست مجرد انتخابات،نرد عليه فنقول :صحيح..هذه قاعدة لامراء فيها لكنّ الصحيح أيضا أنّ النظام الديمقراطي هو بالأساس انتخابات ،فالعملية الانتخابية هي ركن ركين من أركانه ولا يمكن الكفر بمآلات الصندوق بهذه البساطة،لكن هذه القناعة لا تعفينا من الاستدراك والقول إن “الضرورات تبيح المحظورات”لكن من يكيّف الموقف ويقدّر أنه ضرورة؟؟؟..هذه نقطة حائرة أخرى نرسمها ونمضي!!!.. أعتقد أنّ ما فعلته المؤسسة العسكرية المصرية هو توليد قيصري لحل سياسي لم يولد بشكل طبيعي ومحاولة لتفكيك عناصر أزمة سياسية خانقة كانت تنذر بسيناريوهات مرعبة ،لكن في المقابل علينا الاعتراف بأنّ الحلّ الذي تمّ التوصّل إليه يمكن أن يكون حلا مأزقيا ناتجا عن قصور في فهم أبعاد الأزمة وسوء تقدير للموقف قد يرمي البلاد في مجاهيل السيناريو الجزائري الرهيب ،بل إنني أذهب إلى أبعد مدى من هذا لأقرّ أنّ السيناريو السوري ليس بعيدا عن مصر كما يتصور البعض ،فالانقسامات الموقفية قد تُفضي إلى انشقاقات هيكلية صلب القوات المسلحة المصرية وهذا الاحتمال على ضعفه يبقى قائما وقابلا للتحقّق. قصارى القول إنّ الجيش المصري أخطأ في عزل الرئيس المنتخب ليس لأنه من الجيد تركه في السلطة بل لأنه ربما كان من الأفضل تركه فيها وتقديم الشرعية القائمة –الشرعية الانتخابية- على الشرعية الطارئة –شرعية الشارع- حتى لا نسقط في دوامة إسقاط الحكام المنتخبين وتصبح المؤسسات الشرعية تحت رحمة ميدان التحرير،لكنّ هذا الكلام لا يحسم المسألة ،فنحن بصدد أحد المآزق النظرية في النظام الديمقراطي حيث لا نعثر على طريقة التعامل المثلى مع حراك احتجاجي عنيف ضد حكومة منتخبة،صحيح أنّنا رأينا في الديمقراطيات المقارنة حكومات شرعية تسقط قبل إنهاء ولاياتها الدستورية فقد سبق لفرنسا أن عرفت ثلاث عمليات انتخابية في ظرف 14 شهرا ،غير أنّ معضلة الحالة المصرية أنّنا إزاء مرحلة انتقالية مخاض ديمقراطي يجعلنا في وضع مأزقي بامتياز؛فمن جهة لا نستطيع أن نبدأ مسارا ديمقراطيا بذهنية إسقاط حكومات شرعية من خلال آلية الانتخابات المبكرة ،ومن جهة أخرى لا يمكننا بداهة السماح بانهيار الدولة وإراقة الدماء بدعوى التأسيس الصحي للديمقراطية،ومادام ذلك كذلك نخلص إلى القول إنّنا أمام إعضال نظري هو في حقيقته نتاج خلل “جيني” يعانيه النظام الديمقراطي بشكله الغربي يجعله عاجزا عن توفير حلول عملية لمصاعب التطبيق وهذا قصور طبيعي لصيق بكل ماهو وضعي بشري. ولا يسع أيّ قارئ للأحداث إلا أن يستشفّ من الراهن السياسي المصري نُذُر تفاقم الأزمة ،فالقيادة السياسية الجديدة “طفيليّة”ولا تستند إلى أي أساس دستوري في ظل دستور معلق والشارع منقسم والإخوان يزبدون ويرعدون والجيش مصرّ على مواصلة خارطة الطريق “المسقطة“،دون أن ننسى الأبعاد الإقليمية والدولية للصراع الداخلي. ويقترح البعض في سياق البحث عن بصيص من النور في آخر النفق إجراء استفتاء حول شرعية “محمد مرسي”وهو اقتراح لا نراه في طريقه لسببين؛أولا،لو جاءت نتيجة الاستفتاء بغير ما يشتهي مرسي سيقع استئناف خارطة الطريق التي وضعها الجيش والذهاب بالتالي إلى انتخابات مبكرة وبذلك يكون تنظيم الاستفتاء مضيعة للوقت والمال ،فضلا عما يمكن أن تؤول إليه الأمور في الشارع المصري حيث سينتفض الإسلاميون بأكثر قوة بعد إطلاق اتهامات أكيدة بالتزوير ،ثانيا؛لنفترض جدلا أنّ نتيجة الاستفتاء ستثبّت شرعية الرئيس المعزول ،فأي علاقة منتظرة بينه وبين المؤسسة العسكرية التي انقلبت عليه؟..وكيف سيتصرّف مع القضاء الذي طفق يلغي  قراراته السابقة – مثل اتخاذه لقرار يعود بمقتضاه النائب العام إلى منصبه-؟..وكيف ستتعاطى المعارضة مع بقاء مرسي في السلطة؟..وهل سيُذعن معارضو حكم الإخوان لنتيجة الاستفتاء ويعودون إلى منازلهم كأن شيئا لم يكن؟..إنها فعلا أسئلة حارقة يثيرها مقترح يكرّس الأزمة ولا يحلها ،فإن كان الرهان هو استعادة غطاء الشرعية فلتتعلق همّة الجميع بانتخابات مبكرة وانتهى الأمر.
« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق