]]>
خواطر :
“كلا – كلا ! لا ظلام في الحياة وإنما هي أنظارنا الكليلة التي تعجز عن مرأى النور في أبهى مجاليه(مي زيادة )   (طيف امرأه) . إذا سمعت عويل الذئاب...يعني ذلك ، إما في المصيدة تتألمُ أو في الغنائم تتخاصمُ...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

بلدان التحولات وإشكالية الأمن المفقود

بواسطة: د.نعمه العبادي  |  بتاريخ: 2013-07-06 ، الوقت: 10:31:48
  • تقييم المقالة:

شهد تاريخ العالم تحولات مختلفة جرت على الأنظمة والدول ،امتدت من صور التغيير والتحولات الجزئية ،التي مثلت تعديلات أو تحسينات على النظام القائم أو كينونة الدولة بشكل طفيف وجزئي ،وأنتهت إلى صور التغيير الكلي ،التي مثلت صورتها الحادة في حالات الإنقلاب والتحول من الأنظمة الملكية إلى الجمهورية مثلا ،أو تحول الدولة الكبيرة إلى دول متعددة ،وهكذا صور التحول اللامنتهية .

 

مصفوفة الأهداف والدواعي لإجراء التحول أو التغيير لا حصر لها ،ففي عمودها (المخطط القصدي) ،نجد التحول من أجل مزيد من الرخاء والتنمية ،أو من أجل توسيع المشاركة في السلطة ،أو لإزاحة نظام غير مقبول أو آيدلوجية مرفوضة ،أو لغرض إيجاد صيغ جديدة للحكم والسلطة تناسب تطلعات الشعب ،وفي عمودها (التلقائي أو العشوائي ) ،توجد صور مثل تهالك النظام بحيث يفقد القدرة على الاستمرارية ،او من خلال حدوث كوارث وأزمات تصيب صميم السلطة ،أو حالات الغزو والإحتلال ....ألخ .

 

يقابل هذه المصفوفة من الأهداف والدواعي مثلها من الأدوات والوسائل التي يتم من خلالها تحقيق تلك الغايات والأهداف المنشودة ،والتي تقع تحت أحد ثلاثة عناوين رئيسة للأدوات هي :الأدوات والوسائل المعتمدة على القوة الصلبة ومن أظهر صورها الإنقلابات المسلحة والإحتلال ،والأدوات والوسائل المعتمدة على القوى الناعمة ومن صورها البارزة التغيير عبر المظاهرات السلمية ،والتنحي الطوعي عن السلطة ،والانتخابات ،وأما الشكل الثالث فهو الملفق من القوتين الصلبة والناعمة .

 

وعلى نفس الامتداد تتفاوت حصة المؤثرات والعوامل الداخلية والخارجية التي تساهم في عملية التغيير ،فهناك الصورة المعتمدة كليا على العوامل الداخلية ،وهناك الصورة المعتمدة كليا على العوامل الخارجية ،وهناك ما يتشارك فيه الجانبان من أجل إحداث عملية التغيير.

 

بناء على هذه المقدمات ،نحن أمام صور مختلفة تنتج من حاصل ضرب الصور المتعددة للتغيير ودرجات تفاوتها ،مضروبة في عدد الدواعي والأهداف ،وحاصلهما مضروب في الوسائل والغايات ،وحصة التأثير الداخلى أو الخارجي ،الأمر الذي يعني أننا أمام رقم فلكي لصور التغيير في الأنظمة والدول.

 

على الرغم من الأهمية المعرفية الكبيرة التي يمكن التحصل عليها من خلال تتبع تلك الصور وأشكالها وأمثلتها في الواقع ،ودراستها بشكل معمق ،وهي قضية تصلح لأن تكون مشروعا لموسوعة سياسية كبيرة ترصد التحولات التي جرت على الدول ،وأهدافها ،وآلياتها ،ومآلها ،فإن هذا المقال غير مهتم بشكل رئيس بذلك ،بل هو منعقد لملامسة مجموعة نماذج تعيشها منطقتنا منذ مدة ،والتي تجتمع في مشكلة واحدة تتمثل بفقدان الإستقرار والأمن ،والذي جعل شرائح كبيرة من المواطنين يتحدثون عن حسنات الأنظمة السابقة في مجال ضبط الأمن رغم تسليمهم بظلمها وتعسفها السياسي.

 

يوجد سؤال ملح يتصل بهذه الإشكالية يتفرع إلى عدة اسئلة تتصل به وتبدأ من حيث :لماذا لا تستطيع الأنظمة الجديدة أو الأشكال الجديدة للدول بعد التغيير من بسط الأمن والأستقرار بشكل مريح يؤمن العيش الهاديء للجميع ؟هل أن هناك لعنة ترافق كل تغيير مهما كانت صورته أسمها الأمن المعلول ؟هل بالضرورة أن الصور القديمة هي الأكثر كفاءة في ضبط الأمن ؟ أم أن الجمهور ورغبته في خرق النظام تتصاعد مع حالة التغيير ؟هل أن الفراغ في عمل المؤسسات أو التبدلات التي تجري على أجهزة ضبط الأمن هي التي تساهم في عملية العصف بالأستقرار والأمن؟

 

بدأت موجة التغيير في القرنين الماضي والحالي من  تشظي الاتحاد السوفيتي القديم ،ويوغسلافيا القديمة ،مرورا بافغانستان والعراق ،ثم موجة ما يسمى بـ "الربيع العربي " ،تونس ،ليبيا ،ومصر ،واليمن ،ودول ما زالت تعيش الصراع من أجل التغيير كما هو الحال في سورية والبحرين .

 

يتفاوت الأستقرار في تلك الدول ولكنها جميعا عانت في مراحل طويلة من تحولها من مشكلة عدم الاستقرار ،ولعل المجموعة بدءا من أفغانستان إلى البحرين تعيش حالة عدم استقرار واضحة .

 

يشير القرآن الكريم في سورة قريش إلى أهمية الركنين الأساسين في كينونة الحياة : "الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف " ،فالأمن من تهديد الجوع والأخطار هو الذي يصنع الحياة الآمنة والطبيعية ،واللذان هما شرطان أساسان في عملية التنمية بكل أنواعها وصورها.

 

لا ينبغي الشك ان السلطات والانظمة السابقة كانت مهتمة أهتماما بالغا في عملية ضبط الأمن والسيطرة عليه من أجل ضمان عدم تهديد سلطتها وبقائها ،وأنها كانت تقبض بيد من حديد على جميع أطراف هذا الملف لضمان بقائه تحت نظرها ،لذلك تجد معظمهم يضع المؤسسات الأمنية أما تحت يده مباشرة أو تحت يد أقرب المقربين والأوفياء له ،مع مراقبته الدقيقة لها .

 

كذلك لا يساورني الشك أن الخوف والقهر يخرس الأصوات ويجبر الجميع على الصمت وأخفاء آرائهم وتوجهاتهم المخالفة للسلطة ،وأن ضبط السلطة حتى لملف الجريمة الجنائية يأتي في سياق السيطرة الكاملة على الأمن وبسط حالة من الهدوء لضمان ممارسة السلطة بشكل مريح وهاديء.

 

يقابل هذا التأكيد يقين آخر مفاده ،أن الكثير من صور التغيير الجديدة لم تدرس إشكاليات الأمن وتحدياته بصورة دقيقة وعلمية ،ومحاولة القفز على الوقائع ،والإستعانة بوسائل غير ناجعة لضبط الامن ،كما أن الكثير يجعل من الانحياز الى الأقربين (قرابيا ومصلحيا وآيدلوجيا ) ،مبررا لمن يخترق الامن ويهدد السلام والاستقرار.

 

كما لا شك في أن بقايا الانظمة السابقة والمنتفعين يحاول قدر امكانهم بعث الاضطراب والقلق ،وتصوير القادم بانه أسوء من ذي قبل خصوصا في مجال الامن والطمأنينة.

 

معالجة الامن لا تكون عبر وسائل ضبط الامن التقليدية في حالة بلدان التغيير ،بل لها علاقة جوهرية بمشكلات ثقافية مثل الهوية والذاكرة والمصالحة ،واقتصادية مثل التنمية والعدالة الاجتماعية ،وقانونية مثل تشريع القوانين الضرورية لبناء امن صحيح ومستقر ،واجرائية تتصل ببناء علمي لوسائل وادوات ضبط الامن .كما ان هناك صلة وثيقة بين الاستقرار السياسي والامني ،وكلاهما يساند الآخر ويؤثر فيه.

 

أقول أن التحدي الكبير الذي يواجه التجارب التغييرية كلها يتمثل في بناء أمن مستقر ،ولا يتم ذلك إلا عبر معالجة عميقة للمشكلات الثقافية والاقتصادية والقانونية والاجرائية ،التي تعاني منها دول التغيير ،فهل من مجيب ؟؟

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق