]]>
خواطر :
شوهدت ذئاب على أطراف الوديان في فرائس تتحينُ ...مرت عليها البهائم وهي تتعجب... ردت الذئاب على البهائم ، لما العجبُ لولا الفرائسُ لما وُجدت الذئابُ...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . الحياة فصول .. جلوسنا لدقائق , لا يعني إحتوائها تماما هي دقائق نتأملها ..لا غير.   (طيف امرأه) . اختصار الكلام براعة لا يجيدها كل أحد، كما أن الإسهاب فيه فن لا يتقنه إلا القلة، والعبقري من يجمع بين الحُسنين   (محمد النائل) . 

من ذكرياتي في السجن 3

بواسطة: عبد الحميد رميته  |  بتاريخ: 2013-07-05 ، الوقت: 23:20:11
  • تقييم المقالة:


7 – أنام عريانا ووسط الماء البارد :

لا يعرفُ قيمةَ النعمةِ إلا من فقدها . هذه حقيقةٌ يعرفُها أغلبُ الناسِ من الناحية النظرية , ولكن القليلَ من الناس من يعرفُـها حقيقة وواقعا , ومن يعلمُـها علمَ اليقين وعينَ اليقين .
ومما وقعَ لي منذ سنوات وسنوات , مما لهُ صلة بهذه المسألة بعضُ الحرمانِ أو الكثيرُ من الحرمانِ عِشْـتُـه في السجنِ أيام زمان :
1- في المرة الأولى : لمدة 18 شهرا , أي بين نوفمبر 1982 م , وماي 1984 م .
2- وفي المرة الثانية : لمدة 3 أشهر ونصف , أي بين 30 سبتمبر 85 م , و15 جانفي 86 م .
ومن أمثلة ذلك : 3 أيام قضيتُها في زنزانة عُريانا كيومِ ولدتني أمي . آكلُ عريانا وأشربُ عُريانا ويُحقَّقُ معي وأنا عريانٌ وأُعَذَّبُ وأنا عُريان و...وأنامُ وأنا عُريانٌ . ولا أنامُ وأنا عريانٌ بفراش أو غطاء , بل أنامُ وأنا عريانٌ ومحرومٌ من أي فراش أو غطاء في ليالي نوفمبر الباردة وفي مدينة ... المعرفة ببرودتها الزائدة في فصل الشتاء . ويا ليتَ الأمر كان كذلك فقط , إذن لهان الأمرُ عليَّ , ولكن المصيبةَ الأكبرَ هي أنني قضيتُ تلكَ الأيام الثلاثة وأنا أنامُ في زنزانة فيها ماءٌ بارد يصلُ إلى ارتفاع حوالي نصف متر . أنامُ في هذه الزنزانة ووسط الماء البارد وأنا عريان وبلا فراش أو غطاء ؟!. نَعم , أنامُ فيها نوما حقيقيا وأنا منكمشٌ على نفسي داخل الزنزانة , وعريانٌ وفي وسطِ الماءِ البارد , ولكنه نومٌ متقطع إلى ( ربما ) أكثر من 100 قطعة , أي أنني أنامُ حوالي 3 دقائق ثم أستيقظُ – بسبب برودة الماء وبرودة العري وبرودة الزنزانة وبرودة الجو السائد في الخارج و... برودة ( أو سخونة ) التعذيبِ في كل وقت من الليل أو من النهار- ثم بعدها بدقيقة أو دقيقتين أنامُ لحوالي 3 دقائق أخرى ثم أستيقظ , وهكذا ...
وفي ذلكَ الوقتِ , وفي تلك الأيامِ علمتُ علمَ اليقينِ وعينَ اليقين :
1- أنَّ نعمَ الله علينا بالفعل لا تُعد ولا تُحصى.
2- أن النومَ – مجردَ النوم - نعمةٌ من أعظمِ نعمِ الله علينا .
3- أن الثيابَ - مهما كان نوعُها , المُـهم أنها تسترُ العورةَ - نعمةٌ أخرى عظيمةٌ من نعم الله علينا.
4- أن الفراشَ والغطاء نعمتان كبيرتان من نعم الله على كل عبد حتى ولو كان كافرا .
5-أن الله يدافعُ عن الذين آمنوا , ومنهُ فمع كلِّ هذا البلاءِ المُسلطِ علي كانت معنوياتي مرتفعة جدا , وكنتُ -نفسيا- قويا جدا , وكان إيماني زائدا والحمد لله , وكنتُ باختصار أسعدَ مليون مرة من جلادي , لأنني على الحقِّ وهوَ على الباطلِ , ولأنني مظلومٌ وهو ظالمٌ .
نسأل الله الثباتَ وأن يعصمَنا من الظلمِ وأن يجعلًنا صالحين مُصلحين آمين .

8- قضاء الحاجة نعمةٌ كبيرةٌ :

قضيتُ الفترة الممتدة من 30 سبتمبر 85 إلى 1 جانفي 86 م متنقلا من معتقَل إلى معتقَل ومن زنزانة إلى أخرى . قضيتُ تلك الفترة مع جلادين مخـتارين " على المقاس " : قساة غلاظ شدادٌ , لا يُصلون ولا يعرفون اللهَ ولا تأخذهم بمؤمن شفقةٌ أو رحمة , يعصون اللهَ فيما أمرهم ولا يفعلون ما يأمرُهم به ربُّـهم أو نبيهم أو دينهم , أقوياءُ ومتفوقون ولكن في الإثم والعدوان والظلم والتعدي والإساءة و...
ومن جوانبِ الظلم التي كنتُ ضحية لها في المعتقل الأخير أن المسؤولين عن المعتقل كانوا يفرضون على الواحدِ منا أن لا يخرجَ إلى المرحاضِ - أكرمكم اللهُ – في الـ 24 ساعة إلا مرتين فقط (مرة في الصباح ومرة في المساء) , ومدةُ المرةِ الواحدة لا تتجاوزُ الدقيقتين فقط . وإذا انتهت الدقيقتان بالضبط وجبَ على الواحدِ منا أن يخرجَ من المرحاضِ في الحينِ وإلا فتح الحارسُ السجان الجلاد عليك البابَ حتى ولو كنتَ عريانا وأخرجكَ من المرحاضِ بالقوةِ وبالضرب. وإياك أن تطلبَ وقتا أطولَ لقضاءِ الحاجة لأنك تريدُ ذلك أو لأنك تعودتَ على ذلك أو لأنك تعاني من إمساك أو من إسهال أو ... إياك ثم إياك لأن طلبَك لن يُلبى ثم قد تُضربَ ضربا ربما مُبرِّحا لأنك طلبتَ لنفسك حقا من حقوقِ الإنسانِ والحيوان (!). وفي تلك الفترة عرفتُ بحق بأن قضاءَ حاجـتِـك ( على راحتك ) في المرحاض بدون أن ينتظرَك مُنتظِر وبدون أن يحسبَ لك الوقتَ حاسبٌ وبدون أن يأمرَك بالخروج آمرٌ هو نعمةٌ من أعظمِ نعمِ الله عليك لو حاسبتَ نفسكَ , نعمة من نعم الله التي لا تُعد ولا تُحصى "وإن تعدوانعمة الله لا تحصوها " .

حفظني الله وإياكم من كل سوء آمين .


9– أغتسل خلال دقيقتين فقط :

أنا أجزم بأن بعض ظروف المساجين الإسلاميين في بلادنا العربية هي أسوء من ظروف الحيوانات , وهي من أسوأ الظروف التي يعيشها مسجونٌ في أي بلد من بلاد العالم مهما كان ثالثا أو متخلفا . ومن علامات ذلك التضييق على المسجون في أبسط حقوقه كإنسان سواء كان مسلما أو كافرا , ومنها حقه في الاغتسال ( أو الدوش ) كل أسبوع أو أكثر أو أقل . في الفترة بين سبتمبر 85 وجانفي 86 م قضيتُ 3 أشهر ونصف في زنزانة انفرادية أشتاقُ فيها للهواء

( عندما أحسُّ بضيق التنفس أضعُ أنفي بين أسفل الباب وأرضية الزنزانة لأتنفسَ قليلا ولا أختنقَ من قلة الهواء ) وللضوء ( ليس عندي في الزنزانة إلا مصباح خافت وضعيف مشتعل 24 /24 ) . وكان الواحد منا في الزنازن المختلفة يلبسُ لباسَ المساجين , وهو سروال متصل بقميص في لباس واحد يُفرض لبسُه على المساجين.وكان الواحد منا لا يغتسل إلا مرة واحدة في الشهر ( وهي فترة طويلة جدا بطبيعة الحال ) , وكان يشترط علينا أن ننهي الغسلَ خلال دقيقتين بالتمام والكمال ( 120 ثانية ) , فإن انتهت الدقيقتان ولم يخرج الواحدُ منا من حمامه فُتح عليه البابُ وتم إخراجُه من الحمام عُريانا وبالقوة ومع الضرب !. ويمكن للقارئ الكريم أن يتخيل كيف يمكن للواحد منا أن يغتسل خلال دقيقتين ودقيقتين فقط !!!. أنا الآن عندما أذكر ذلك أضحكُ وأكاد أبكي : أضحكُ لأن الاغتسالَ في دقيقتين مضحكٌ بالفعل وأكادُ أبكي للظلمِ الواقع في دنيا الناس اليوم خاصة ضد الإسلاميين بتهمة أنهم أصوليون أو إخوان مسلمون أو إرهابيون أو ...إن الدم الإسلامي اليوم – في الدنيا كلها – هو أرخصُ الدماء , وإن العرض الإسلامي اليوم – في الدنيا كلها – يداس ويهان للأسف الشديد . كنتُ أدخلُ إلى الحمامِ فأنزعُ لباسي – أكرمكم الله- في حوالي 10 ثواني ثم أصب الماءَ البارد على جسدي في حوالي 40 ثانية ثم أمررُ الصابونَ على جسدي بسرعة فائقة خلال حوالي 20 ثانية ثم أصب الماءَ البارد على جسدي مرة ثانية خلال حوالي 40 ثانية ( بدون أي دلك لأنه ليس لدي الوقت الكافي للدلك , وبدون نزع الصابون كله من فوق جلدي لأن الوقت لا يكفيني لإزالة كل آثار الصابون من فوق جسدي ) ثم أنشف جسدي من الماء والصابون خلال حوالي 5 ثواني , فتتبقى لي حوالي 5 ثواني أخيرة ألبس فيها ثيابي بسرعة قبل أن يُـفتحَ علي البابُ من طرف الجلادِ الفظ الغليظ.
نسأل الله أن يرزقَـنا الصوابَ والإخلاص في كل أقوالنا وأفعالنا . اللهم إذا أنعمت علينا فاجعلنا من الشاكرين وإذا ابـتـليـتـنا فاجعلنا من الصابرين اللهم آمين.

يتبع : ...


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق