]]>
خواطر :
خيبة أمل ، عندما يكتشف الإنسان أنه في محيط تحت خط الصفر ، لا يستطيع الغوص أو السباحة فيه...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . فلا تكتُمُنَّ اللهَ ما في نُفوسكم ليَخفَى ومهما يُكتَمِ اللهُ يَعلَمِ يُؤخَّرْ فيُوضَعْ في كتابٍ فيدَّخَرْ ليوم الحسابِ أو يُعَجَّلْ فيُنقَمِ (زهير بن أبي سلمى   (طيف امرأه) . 

من ذكرياتي في السجن 2

بواسطة: عبد الحميد رميته  |  بتاريخ: 2013-07-05 ، الوقت: 20:28:59
  • تقييم المقالة:


4 - فاقدُ الطهورين :

كنتُ في فترة الـ عام ونصف العام التي قضيتُها في سجن ... ( بين نوفمبر 82 وماي 84 م ) مع 20 أخا كريما ,كنت أُقدم خلال الجزء الأكبر من هذه الفترة أُقدم للإخوة المحبوسين معي دروسا دورية في الفقه على المذهب المالكي ( مقارنا بالمذاهب الإسلامية الأخرى ) لأنه المذهب السائد عندنا في المغرب العربي . وكنت أركزُ فيما أقدم من دروس على فقه العبادات التي كنا في أشد الحاجة إليها في السجن , وكنتُ أركز على الأخص على فقه الصلاة . وفي البعض من هذه الدروس قدمتُ لإخواني بعض الدروس التي يحتاج إليها السجينُ أسميتُـها " فقه السجين ". ومن ضمن المسائل التي كلمتُ الإخوة عنها في هذه الدروس مسألة " فاقد الطهورين ". تحدثَ الفقهاءُ قديما عن فاقد الطهورين ( أي الذي لا يستطيع أن يتوضأ أو يغتسل , ولا يستطيع أن يتيمم ) ماذا يفعل بالنسبة للصلاة ؟. واختلف المالكية في الجواب عن السؤال على 4 أقوال :
الأول : أن المسلم يصلي , ولا يجب عليه القضاء بعد ذلك .
الثاني : يصلي , ويجب عليه القضاء .
الثالث : لا يصلي , ويجب عليه أن يقضي ما فاته بعد ذلك .
الرابع : لا يصلي , ولا يقضي .
وكنت أنصحُ نفسي وإخوتي بالأخذ بالقول الأول لأن فيه فائدتين أساسيتين :
الأولى : أن فيه رفعٌ للحرج عن المسلم بعدم وجوب القضاء فيما بعد , خاصة وأن فترة السجن قد تطول.
الثانية : أن فيه الإبقاء على المسلم مرتبطا ومتصلا بالله بشكل دائم ومستمر , من خلال أداء الصلاة في وقتها ولو بدون وضوء ولا تيمم .
وهذه المسألة الفقهية مرتبطة دوما في ذهني بما وقع لي في السجن – بين سبتمبر 85 م وجانفي 86 م - حين مُنعتُ في يوم من الأيام من الوضوء لصلاة العصر . طلبتُ عندئذ من الحارس ( الجلاد , القاسي جدا...) أن يعطيني حجرا مهما كان صغيرا لأتيمم به ( والأحجار متوفرة وبكثرة داخل السجن أو خارجه ) . أتدرون ماذا كان رده على طلبي ؟. لقد كان ردا قاسيا , خاصة من حارس لا يصلي ولا يريد أن يرى مصليا في حياته كلها . قال لي" أسكت!" , ولما أعدتُ الطلبَ متوسلا إليه ( ولو كان المطلوبُ دنيا وليس دينا ما توسلتُ إليه أبدا ) بأن يعطيني حجرا قال لي " أغلِق فمك وإلا !" , فأعدتُ الطلبَ والرجاءَ مرة ثالثة , فقام عندئذ غضبانا وتوجهَ إلى زنزانتي وفتحها لا ليعطيني ما طلبتُ , وإنما ليُـسمعني الكثيرَ من الكلام الفاحش ومن
" الكفريات" التي يهتز لها عرشُ الرحمان غضبا , ثم أوجعني ضربا , ثم أعادني إلى الزنزانة من جديد , حيثُ صليتُ العصر بلا وضوء ولا تيمم على رأي بعض الفقهاء المالكية . اللهم انصر الإسلام وأعز المسلمين وأصلح أحوالنا – حكاما ومحكومين - آمين.


5 - السجن أحبُّ إلي :

إنني أعتقد أن حياة الإنسان في منزله – مع زوجته وأولاده - ذليلا خاضعا لمن أذله أسوأُ وأشقى آلاف المرات من السجن ومتاعبه – ولو بعيد عن الأهل والمال والولد و...- مع احتفاظ الإنسانِ بالاستعلاء على من ظلمه وإشعاره بأنه لا يخشاه ولا يخاف منه , وصدق سيدنا يوسف عليه الصلاة والسلام : ( السجن أحبُّ إلي مما يدعونني إليه ) . ولقد مضى عليَّ وقتٌ كنتُ فيه أضحكُ بصوت مرتفع أمام جلادي ( حتى وهو يجلدُني في السجن ) وأُحِسُّ بالعزة وتغمرني الراحةُ العارمة , وهو في المقابل في قمة غضبه ويُحسُّ حتما بالذلة ويخيم على عقله وقلبه ضيقٌ شديدٌ , لأنه على الباطل وأنا على حق , ولأنه ظالمٌ وأنا مظلومٌ , ولأنني سُجنتُ بسبب أنني أدعو إلى الله وأما هو فيعذبني في سبيل الشيطان والعياذ بالله . والسجين-إذا كان على حق وكان مظلوما وكان يعلم أن ما أصابه هو في سبيل الله وحده - يمكن أن يقولَ لجلاده بكل قوة : "والله أنا في سعادة لو علم بها أقوى شخصٍ في البلاد لقاتلَني عليها بأقوى سلاحٍ عندهُ " .


6 – إياك والظلم :

قال عبدٌ صالح لحاكمٍ :".. فقد أمكنتك القدرة من ظلم العباد ، فإذا هممت بظلم أحد فاذكر قدرةَ اللهِ عليك . واعلم أنك لا تأتي إلى الناس شيئا إلا كان زائلا عنهم باقيا عليك ، واعلم أن الله عز وجل آخذٌ للمظلومين من الظالمين ".
وأذكر بالمناسبة أن جلادا من الجلادين كان يجلدني- مع غيره - في السجن بين سبتمبر 1985 م وجانفي 1986 م ويعذبني بالكهرباء ويضربني ويسبني , ويسب أمي وأبي والعلماء والأنبياء ويقول لي : " قل لربك ينزل ليدافع عنك !!!". كنت أقول له ولكنه لا يفهم للأسف الشديد :
-"يا فُلان أنت لا سلطانَ لك إلا على بدني , أما عقلي وقلبي فإنك لن تصل إليهما مهما حاولت وعاونك على ذلك ظلمةُ الدنيا كلهم".
-و"يا فُلان أما ظلمك لي فإنه زائل عني بإذن الله طال الزمن أو قَصُر ولا يبقى لي منه إلا الحسنات بإذن الله , ولكنه باقٍ عليك إلى أن تلقى ربك يوم القيامة على شكل سيئات قد تقدر على حملها ويمكن جدا أن لا تقدر". ولكن لا حياة لمن تنادي . وكما قال الله :
( فإنها لا تعمى الأبصار, ولكن تعمى القلوب التي في الصدور ) .

يتبع : ...


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق