]]>
خواطر :
اسقيني كاس من رحيق ذكرى وجودك ... لا تتركيه يجف ،كلما جف الكأس ازداد الحنينُ...و لا يطفي شعلة الفؤاد سوى كأس الحنين...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

فلسفة الخطأ والصواب

بواسطة: حامد علي عبد الرحمن  |  بتاريخ: 2011-10-11 ، الوقت: 08:47:10
  • تقييم المقالة:

 

فلسفة الخطأ والصواب 
الكاتب : حامد علي عبد الرحمن ال حامد

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده أما بعد : فلسفة الخطأ والصواب موضوع عميق يحمل دلالات فكرية بأبعاد فلسفية متشعبة ومتشبعة أيضا بالخلاف النسبي ... وليس من السهولة بمكان الكتابة فيه ، ولذلك كان من الواجب قبل الكتابة تكثيف القراءة والبحث في كل ما له صلة أو علاقة بالموضوع . حتى إذا ما كتبت أكتب بنكهة مكتنزة بالمفيد ومطرزة بالجديد
ومن المظان الأولى التي خطر على بالي البحث فيها كتابات الأوائل ومن ذلك: كتاب تحرير القواعد المنطقية وشرح الرسالة الشمسية للرازي ورسائل الحكمة والطبيعيات لابن سيناء وكتاب المنطق لديوي قرأت ما استطعت الوصول إليه من كتابات الغزالي والفارابي وابن رشد . قلت لنفسي : ربما أجد في كتابات الفلاسفة قواعد منطقية لتحديد الصواب والخطأ ، تساعدني فيما عزمت عليه بحيث لا أكرر موجوداً ولا أكتب مكتوباً إلا شارحا أو موضحا أو محللا أو أقلها أبدأ من حيث انتهوا . ولكن للأسف لم تزدني تلك القراءات إلا حيرة وضياع ، فأغلب تلك الكتابات فلسفية بحتة موغلة في الغموض والضبابية مكتوبة بلغة صعبة وعبارات مموهة ، وفسر الماءَ بعد الجهد بالماءِ ،ولم أجد فيها ما يشبع نهمي أو يشفي غليلي ، ورجعت وأنا صفر اليدين أقول في نفسي يكفي الإياب والسلامة غنيمة .ولذلك طرحت كل ذلك واستعنت بالله وعزمت على الكتابة معتمدا على ما علق في الذاكرة من قراءات وحكم وخبرات وتجارب . 
تحديد الصواب والجزم به يبقى نسبي إلى حد ما ، فالحكم على الشيء فرع عن تصوره ، والتصور عادة يعتمد على التراكمات الثقافية لدى الأشخاص ، فلكل ثقافته الخاصة وحصيلته المعرفية التي تشكل تصوره وعن هذا التصور تأتي القناعات التي تصدر عنها الأفعال وردود الأفعال والأحكام . يُقال : ليس عاقلا من يعرف الخير من الشر بلالعاقل من يعرف خير الخيرين وشر الشرين .
وعملي هذا ما هو إلا محاولة ، فإن أحسنت فبتوفيق الله جلّ علمه وقدرته وإن قصرت فهذا حال البشر . وتكفيني المحاولة شرفا ً. 
بعد هذه التوطئة .... وكبداية دعونا نصطلح على تعريف منطقي للخطأ والصواب الصواب : كل قول أو فعل أو سلوك جرّ منفعة للنفس أو للغير دون أن يكون هناك إضرار بالنفس أو بالغير وهو في الدين الإسلامي عمل الطاعات واجتناب المحرمات قربة إلى الله العلي العظيم .
الخطأ : كل قول أو فعل أو سلوك زاد ضرره على نفعه وجرّ ضرر سواء على النفس أو على الغير وهو في الدين الإسلامي ترك الطاعات وارتكاب المحرمات . 

إذا أردنا أن نتكلم عن الخطأ والصواب كان لزاما أن نذكر بعض خصائص النفس البشرية وطبائعها الغريزية .
إبليس والدنيا ونفسي والهوى ................ كيف الخلاص وكلهم أعدائي

قال جل وتبارك وتعالى في سورة يوسف : (( وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيَ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ ))
خلق الله النفس البشرية بطبائعها الغريزية ومنها : - حب المال والولد وحب الجاه وحب الهوى والشهوات ... الخ وأيضا جبلها على الغيرة والتي تولّد الحقد والحسد و جبلها أيضا على الطمع وعدم القناعة وذلك يولد الأنانية والظلم . 
خلقنا الله بكل ذلك اختبار وامتحان لنا وزاد على ذلك أن خلق الشيطان ومنحه القدرة على الوسوسة والإغواء ليميز الخبيث ( الخطأ ) من الطيب (الصواب) قال تعالى : (( ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب )) آل عمران آية 179
وقال سبحانه وتعالى : { أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُواالسَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ } [الجاثية:21]
إذاً فإن تفاعلنا وتعاملنا مع تلك الغرائز هو ما يرفعنا إلى عالم الملائكة أو يهبط بنا إلى عالم الحيوان ... كل روح ترتفع بقدر صفائها وصدقها بقدر ضبطها لتلك الغرائز والسيطرة عليها . 

تصوراتنا وتراكماتنا المعرفية ودورها في الحكم على قضية ما وبالتالي دورها في تقدير الخطأ والصواب . 
في اعتقادي أن تلك التراكمات وتلك الثقافات هي منبع السلوك خطأ كان أو صواب فحصيلة المعلومات المتوفرة عن الشيء هي مصدر الحكم عليه . لن يكون حكمك صواب إذا كانت معلوماتك خطأ 
ومن أهم واغزر مصادر المعلومات الأولية التي باشرناها قصرا واستحوذت على مفاهيمنا هي ما تلقيناه من الأسرة والمجتمع المحيط بها .

وينشأ ناشئ الفتيان فينا ...............على ما كان عوده أبوه
إن الشاب الذي نشأ في مجتمع أغلبه يدخن أو يشيش أو يتعاطى القات أو ... الخ لا شك أنه سينظر إلى ذلك كله على أنه إذا لم يكن صواب فهو ليس خطأ ... أيضا الشاب الذي فتح عينيه على الدنيا وهو يسمع .... الألفاظ البذية والكلمات النابية واللعن والسب تلقاها على أنها جزء لا يتجزأ من الألفاظ اليومية الدارجة حتى في الترحيب فالبعض يرحب بصديقه وينك يــا .... !!!!!! فمن الطبيعي أن يعيش نفس الدور أو في أفضل الحالات نجده لا ينكر ذلك ولا يستغربه ... مجتمعات أخرى لا تنكر السرقة والنهب والسلب والاعتداء بل تعتبرها رجولة ...وهذا يتضح أيضا في تعامل البعض مع ميراث المرأة وتعليمها وحقوقها إلى درجة أن هناك من يستحي من ذكر اسم زوجته أو أبنته أو أخته أو أمه معتبرا اسمها عيب لا لشيء إلا أنه تلقى ذلك من الأسرة والمجتمع . والأمثلة على ذلك كثيرة وهكذا ... يتحلق الصغار يستمعون .. المغامرات .. الفتوحات .. البطولات .. الخزعبلات ... الخرافات وبالتالي إنبهار .. إعجاب .. تأثر .. تقليد .. سلوك .
أيضا من ناحية أخرى الناس أعداء ما جهلوا .... فلو عرضنا جهاز إلكتروني على شخص في بادية أو في قرية نائية وهو لم يره من قبل ... نجده لا يعيره بال ولا يكترث له وربما لو أعطيناه مجانا لا يأخذه لأنه لا يعرف قيمته وهذا أيضا ما حصل في بداية ظهور السيارات والمذياع والتفلزيون والجوال والنت .... الخ . اعترض عليها البعض وحاربها ... لأنهم لم يستوعبوا قيمتها أو فائدتها ، فثقافتهم كان لها دور في تقديرهم للصواب والخطأ .
وننتقل بعد ذلك إلى مصدر مهم من مصادر المعلومات وهو الصاحب والجليس 
المشاعر عدوى ... أنت تضحك أو تبتسم عندما ترى غيرك يضحك دون معرفة السبب وتحزن وتتغير ملامحك عندما ترى شخص يبكي دون معرفة السبب ... وكذلك التشاؤم التفاؤل الطموح وحتى الألفاظ والعادات كلها عدوى ... 
وهذا كله يؤثر في الحكم على الأمور صواب كانت أو خطأ وبالتالي يؤثر على السلوك فكم لا حظنا من تغيرت نظرته للأمور وأصبح يحكم عليها بطريقة مختلفة تماما وربما تغير من مناهض إلى منافح لا لشيء إلا لأنه جلس مع فلان أو سمع من علان ... ويتضح ذلك جليا في أصحاب الشخصيات الضعيفة سريعة التأثر نجده يتحول من شخص مهتم مجتهد حريص إلى مهمل كسول خامل أيضا يتغير لبسه وألفاظه وعادته فيكتسب بعض الطباع التي ربما تخرب بيته وحياته . 
في كتاب كيف تكون سعيدا وناجحا للدكتور توفيق أحمد القصير ص 109 يثبت أن للجسم والعقل والروح طاقات وهالات يمكن قياسها بالأجهزة يقول عن هالة الروح : (( هذه الهالة أكثر الهالات توهجا وأكثرها وضوحا وهي مركز الدفاع الأول الذي زود الله به الإنسان لحمايته من الشياطين والجن والمؤثرات الطاقية العدائية مهما كان مصدرها .... والطاقات السالبة ... كما أن هذه الهالة أيضا تكشف عن حالة الإنسان الروحية ومدى انتعاشه وتدهوره وإحباطه وصلاحه أو فساده ومدى طبيعته أو عدوانيته وروحانيته وشجاعته وعاطفيته ... انتهى )) فإذا أدركنا أن هناك طاقات سلبية تنتقل من شخص إلى أخر فينبغي علينا المحافظة على سلامة أرواحنا وعلى طاقاتنا وذلك باختيار من نجالس والابتعاد عن السلبية والتقليد والتبعية . و أن لا يدفعنا الإعجاب بشخص ما مهما كانت قرابته أو علمه أن نقلد كل حركاته وسكناته يجب أن يكون لنا رأي وكلمة وموقف . فلا نأخذ منه إلا ما يتفق مع العقل والصواب . ومن ناحية أخرى ينبغي أن لا نكابر عند معرفة الصواب فليس هناك خطأ أكبر من عدم الاعتراف بالخطأ
وتذكر أن هناك أثنان لا يغيران رأيهما أبدا الميت والجاهل 

يتوج مصادر المعلومات تلك مصدر غاية في الأهمية وهو الدراسة وطلب العلم وليس لذلك سن محددة حتى ولو كان ذلك في سن متقدمة ... فعن طريق التعليم الذاتي والقراءة الحرة تحقق ما لم يحققه غيرك وربما تسبق حملة الشهادات العليا وتحصل على المعلومات النافعة والمفيدة والتي سوف تساعدك على التغيير كما تساعدك في تمييز الصواب من الخطأ . 

إذا كنت لا تدري ولم تك بالذي ................. يسائل من يدري فكيف اذا تدري
- العادات ودورها في التغيير بل دورها في التميز وتحقيق الطموحات تكمن خطورة العادات في أنها تصبح جزء من حياتنا نتهاون فيها ونستمر عليها حتى نصل إلى نوع من الإدمان الذي يسيطر علينا نفسيا وجسديا فلا نستطيع الفكاك منها أو تركها بسهولة .... هذه العادات يا ترفع الإنسان فوق !! يا تخفضه تحت وتجعله في ذيل القائمة !! 
كل الناس الذين نجحوا أو حققوا شيء في حياتهم كان لديهم عادات حسنة دفعتهم إلى تحقيق الآمال والطموحات وأيضا كل الأشخاص الفاشلين كان لديهم عادات سيئة سحبتهم إلى الإخفاق والفشل .
وإليكم بعض الأمثلة على العادات المثالية : العبادات وما أجمل أن تكون كل عاداتنا عبادة وقربة إلى الله ولا ينبغي أن تكون عادة فقط ومن ذلك المحافظة على صلاة الجماعة في المسجد ومن ذلك أيضا الذكر بعد الصلاة والسنن وقراءة القرآن وصلاة الوتر .... الخ كل ذلك وأكثر يمكن أن نعود نفوسنا ونروضها وندربها عليه .
غير ذلك ... الترتيب والتنظيم ... القراءة .... النوم باكرا ... الانضباط في العمل ... عدم تأجيل الأعمال وتأخيرها ... المحافظة على الوعد ... الصدق ... عدم الغيبة والنميمة ... تعود الكلمة الطيبة والابتسامة ... المثابرة والصبر ... النظافة ... والسواك .. والرياضة ... وعادات الأكل والشرب السليمة ... الخ كل تلك العادات الحسنة مجرد ما يتعودها الإنسان تسهل عليه وتصبح جزء من حياته وبها يحقق النجاح والتميز . 
وإليكم بعض العادات الضارة وربما القاتلة 
التهاون في العبادات والطاعات ... والسهر والاستراحات ... الدخان والشيشة ... الإنترنت السلبي كالشات وألعاب الشبكة والمواقع الخليعة ... التلفزيون والقنوات والأفلام .... الخروج من العمل بدون سبب ... الكسل وتأخير الأعمال ... الغيبة والنميمة والتكلم في أعراض الآخرين .... عادات الأكل والشرب ... الخ 
كل تلك العادات مجرد ما يتعودها الشخص يدمن عليها ويصعب عليه تركها مستقبلا وتصير جزء من حياته وتسحبه إلى الفشل والقلق والمرض والإثم وربما خسارة الدنيا والآخرة نسأل الله السلامة . 
تذكر أنه كلما طالت فترة العادة السيئة كلما صعب عليك الخروج منها وكلما طالت فترة العادة الحسنة سهلت علينا واصحبنا نتمتع بها . 
- قواعد وحكم تساعد في تمييز الصواب عن الخطأ . 
أعرض موضوعك على النقاط التالية فإذا اجتازها فهو بالتأكيد صواب 1-علّمنا نبينا صلى الله عليه وسلم قواعد تساعدنا على معرفة الصواب من الخطأ ومن الأحاديث التي ورد فيها الصواب والخطأ : (( البر حسن الخلق والإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس )) صحيح مسلم ، (( دع ما يريبك إلى مالا يريبك ..)) النسائي ، (( ما نهيتكم عنه فاجتنبوه ... )) متفق عليه ، (( الحلال بين والحـرام بين وبينهما أمورمشتبهات لا يعـلمهن كثير من الناس فمن اتقى الشبهات فـقـد استبرأ لديـنه وعـرضه ومن وقع في الشبهات وقـع في الحرام كـالراعي يـرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه ألا وإن لكل ملك حمى ألا وإن حمى الله محارمه.. )) متفق عليه ، (( من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهورد .. )) متفق عليه .
2-ما زاد ضرره عن نفعه خطأ وهذه قاعدة مهمة جدا جدا في تحديد الصواب من الخطأ ... طبق ذلك في الأكل في الشرب في النوم في التواصل في العطاء ..... الخ أي موضوع تحتار في الحكم عليه أنظر هل ضرره زاد على نفعه وأحكم . 
3-الهوى مطية الخطأ يقال : إذا أدرت أن تعرف الصواب فاسأل ضميرك وإذا أردت أن تعمل الصواب فخالف شهوتك . 4-الزيادة كالنقصان والإفراط كالتفريط والصواب يكون عادة في التوازن والوسطية وهذه أيضا قاعدة مهمة جدا في تحديد الصواب والخطأ برغم أن الوسطية نسبية إلى حد ما وهنا يجب أن نعرف أن وسط الشيء أعلاه في الفائدة والنفع .
اللهم أرنا الحق حقاً وأرزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلا وأرزقنا إجتنابه اللهم أهدنا إلى أحسن الأقول والأفعال لا يهدي لأحسنها إلا أنت وأصرفنا عن سيئها لا يصرف عن سيئها إلا أنت هذا وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .


... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق