]]>
خواطر :
الحياة الدنيا مثلها امرأة ، تراها من بعيد جمالا براقا لتكتشف أن كل شيء فيها مصطنع ... من رموش العين إلى احمرار الخدين والشفتين إلى طاقم الأسنان الناصع البياض...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

لماذا يتقبل المريدون مواقف ضد قناعاتهم

بواسطة: محمود فنون  |  بتاريخ: 2013-06-29 ، الوقت: 16:19:35
  • تقييم المقالة:

لماذا يتقبل المريدون مواقف ضد قناعاتهم

محمود فنون

28/6/2013

قرون طويلة مضت على شعوب الأمة العربية وهي تخضع للحكم العثماني الظلامي الغاشم ...قرون طويلة من الجهل والتجهيل وكانت استمرارا لحقب أخرى سابقة عليها واستمرت بها ،استهدفت خلق حالة عامة من التبعية الشاملة لرؤوس القوم والهيكل الزعامي الإجتماعي المكون من الإقطاعيين وتابعيهم من الرتب المتسلطة والمتحالفة مع رجال الدين التابعين للحالة الإقطاعية وجزء منها ومنظرين لها ولاستمرارها .ومعهم شيوخ الصوفية الذين التف حولهم عامة الناس كمريدين، وتابعين ويسلمون كل أمرهم لهم .

كان غالبية المجتمع الساحقة من الفلاحين الأقنان والفلاحين الأحرار ذوي الملكيات الصغيرة والفقيرة  والبدو. وكان هؤلاء بدون أدنى درجات التعليم والوعي. وهم تابعين للإقطاعي ورجالاته من الرتب الإجتماعية التي سادت في مرحلة الإقطاع وعلى رأسها الباشا الأكبر... ومعه كل تابعيه من الرتب الإجتماعية وصولا الى شيخ الحارة ، ومعهم رجال الدين من شيوخ السلاطين وشيوخ الصوفية (يتقاضى شيوخ الصوفية المنح والعطايا من الدولة الإقطاعية بوصفهم من حزب السلطان)

هذا الهرم هو المسيطر على المجتمع وهو المسيطر على الثروة بل وهو الذي يملك الأرض التي يقيم عليها الأقنان ويتسلط على الفلاحين الصغار الأحرار بحصة من منتوجهم على شكل أتاوات وغرامات وغير ذلك .

هذا الهرم كذلك هو الذي يتسلط على وعي وثقافة الجماهير .

من المعلوم ان الإقطاع العثماني هو كذلك إقطاع ديني ، وهو متلبس بلبوس الدين والتقوى ، وهو ينشر التدين الذي يكرس التخلف والتبعية والجمود الإجتماعي والثقافي .

ومن المعلوم أن التغيرات الإجتماعية في البناء التحتي تسبق التغيرات في البناء الفوقي بل أن الثقافات والقيم والتقاليد والعلائق الإجتماعية تتأخر عن العمليات التقدمية الجارية في البنى الإقتصادية .

وبالتالي تظل علاقات التبعية قائمة حتى بعد تغير الظروف التي أنتجتها وبسبب عدم جذرية  التغير الذي حصل في المرحلة الجديدة .

لقد كان الفلاحين الفقراء جميعهم يخضعون لتبعية الزعامات التقليدية الموجودة ولشيوخ الصوفية التي كانت منتشرة على نطاق واسع .

يتبعون شيوخ العشائر والمخاتير في قاع الهرم الزعامي وهؤلاء يتبعون الدرجات الأعلى وهكذا ...

 وهذه التبعية كانت على شكل ولاءات عميقة للسيد الإقطاعي ولرجل الدين المقيم قريبالا و لشيخ الطريقة الذي لا يستقيم أي تصرف دون إرشاده وتوجيهه، إذا أراد التابع والمريد رضى الله والآخرة الصالحة . فالشيخ هو طرق المريدين لله، وهو الذي يحميه من زيغ الشيطان وهو الذي يشفع له يوم القيامة – من لا شيخ له شيخه الشيطان ، ورضى الشيخ من رضى الله . إن التبعية هنا تصل حد الولاء من غير تفكير ولا تبصر بل يتطلب هذا الولاء تعطيل كل تفكير وتبصر – تغييب العقل

كذلك رضى أولي الأمر الآخرين – أطيعوا الله والرسول واؤلي الأمر منكم – كذلك اى درجة تغييب العقل علما أن رزق الفلاح يعتمد مباشرة على ولي الأمر الذي يستطيع أن يعاقب كما يستطيع انتزاع حيازة الأرض التي يحصل منها الفلاح على رزقه ليصبح معدما هو وأسرته بدون أي مصدر رزق .

في هذه المناخات تربت الجماهير على التبعية والولاء العميق للسيد !!

وجاءت بريطانيا واحتفظت بكل الطاقم الزعامي الإجتماعي والديني وحفظت له امتيازاته كما حفظت له دوره في خدمتها بشكل مناسب وكما جندتهم بريطانيا .

لقد أصبحت الزعامة التقليدية وهي متواطئة مع بريطانيا ، أصبحت هي وبسبب موقعها الزعامي ، أصبحت قيادة لحركة الجماهير الفلسطينية دون أن يكون لها دور حقبقب في تأسيس وتأجيج الثورة . مستفيدة من الولاء الجماهيري التقليدي لها . بل إن أجيال الثورة وأجيال الشباب والشباب العصريين فشلوا في خلع هذه العباءة ثم في مرحلة أخرى إنضووا تحتها وهتفوا لها وهم يكابرون على أنفسهم.

هذا هو تراث الولاءات الذي لا يزال يفعل فعله في مجتمعنا حتى يومنا هذا.

هذا هو تراث الثقة الذي استخدمه  المستوى الزعامي وعزز سيطرته وإرادته على الجماهير .خلال العقود الحالية ، رغم أن الظروف الإقتصادية الإجتماعية التي ولدت هذه العلاقات قد ذهبت الى غير رجعة .

فلا يوجد إقطاع ولا قنانة ، والطرق الصوفية أصبحت في أطر صغيرة ومحدودة ، وشيوخ العشائر لا يقودون شيئا من مصالح حياة وبقاء ورزق الناس بسبب العمل بأجر ، وكذلك لم يبق الإقطاعي ولا هيمنته على رزق وحياة الناس ، ولم يبق السلطان ( كبير الإقطاعيين ) الذي تخدمه وتخدم نظامه الإقطاعي مثل هذه العلاقات .

هناك ظواهر باقية : فما أن ينادي منادي العشيرة مستغيثا لكرامتها ، حتى يلتف المئات من حول هذا المنادي دفاعا عن العشيرة . والعشيرة لا يوجد منها سوى الإسم . والعشيرة لا تنظم لأفرادها أية مصالح تذكر ، ربما لبعضهم القليل والمتنفذ ، ومع ذلك لا زال صوت العشيرة عميقا ومدويا وخاصة لإفتعال الشجارات أو المشاركة في الحروب العشائرية التي لا تحقق أية مصلح إطلاقا للعشيرة المسمى ولا لأي فرد من أفرادها – فالأفراد في حياتهم اليومية مستقلون عن العشيرة .

هكذا إذن يفعل الموروث فعله في بعض الحاضر حيث يسترجع بعض الماضي ولكن بشكل رجعي في الغالب  .

تحديث الإسترجاع

اليوم الكثير من الولاءات في الأحزاب والحركات هي نسخ مزين عن علائق الماضي مما جعل الإنتماء لمثل هذه الحركات هو المقدم على الإنتماء الوطني .

الأصل أن الحركات والأحزاب هي تراكيب فير البنى السياسية المجتمعية للدولة وموالية ولاء مطلقا لها وكل حزب يرى نفسه أنه الأكثر جدارة بخدمة الدولة ومصالح مجتمعها وطبقاتها هذه او تلك .

ولكن تمكن اقطاعيوا الأحزاب من خلق ولاءات للحزب أولا وبعد ذلك للقيادة التي تقود الحزب – الولاء للقيادة أولا ، ثم يتم خلع الأوصاف السّنية على هذه القيادة بوصفها : القيادة الحكيمة ، القيادة المخلصة ، القيادة التي لا تخطيء ، القيادة التي تعرف مصلحة الحزب والبلد أو الثورة (إن كانت في ثورة )القيادة التقية ، هم رجال الله وشفعائنا يوم القيامة ،...

القيادة تبث دعايتها والمريدين يقسمون على صلاحها وحكمتها ويتباهون بعظمتها  ليسوا مضطرين لتقديم برهان واحد من إنجازاتها يدل على كفاءتها للقيادة .

ومع طول الزمن تتحول لى قيادة تاريخية .

إن موروث الولاء الإقطاعي والديني ينتقل الى ولاء للقيادة والقبيلة الجديدة وهي التنظيم .

لقد أصبح المسؤولون محل الهرم الإقطاعي وشيخ القبيلة ورجل الدين ، وتحول الأعضاء الى أتباع ومريدين .

وفي ظل حالة الموالاة هذه إقترفت القيادات الفلسطينية في السابق واللاحق سوءاتها ومارست الهبوط المتدرج عن سلم القضية الفلسطينية دون رادع بل وفي أجواء من الحماية حيث ينبري المريدون من كل شاكلة وطراز للدفاع عن عظمة القيادة وحكمة القيادة ، ويستخلصون من تلقاء أنفسهم بأن القيادة الذكية قد إتخذت القرارات المناسبة والحكيمة التي لا بد وأنها في خدمة المصلحة العامة . متسائلين باستنكار : هل نحن نفهم أكثر من القيادة ؟ هل نحن أكثر حرصا علىى القضية منها ؟ هل من الممكن أن يخونوا القضية ؟

طبعا تأتي الإجابات كلها بالنفي وبعضها مدعوم ببعض الدراهم والإمتيازات والمصالح التي تجعل الدفاع عن مواقف القيادة حماسيا بل ناريا وإلى درجة الإستعداد للإشتباك .

وبعد وقت أصبحت هذه القيادات سلطات حكومية وتدير أجهزة أمنية مستعدة للدفاع عنها وحمايتها ومعاقبة الخارجين عليها من داخل البيت ومن خارجه .

إن السلطة الغاشمة كذلك هي من أدوات تعميق التبعية والموالاة . والمخبرين من مختلف الأشكال يصبحوا قوة ذات تأثير ووزن ولهم دور بالرغم من أنهم جميعا من سقط المجتمع ، أو يتم تحويلهم الى سقط المجتمع وارذاله وهم يعلمون أو لا يعلمون .

وخير نموذج على الولاء كما في لبنان : لكل طائفة حزبها، وقيادة الحزب هم المتنفذون الإقطاعيون سابقا وأبنائهم لاحقا.

لقد تمكنت قيادات ومنظروا القوى السياسية في البلاد العربية من دمج الولاء الوطني والسياسي بالولاء الحزبي والعشائري فنتجت خلطة من الولاء ممزوجة بالإمتيازات والمصالح . هنا إختلفت العضوية وأصبح شكل الإنتماء والعضوية المنتفعة هو النموذج السائد والذي طغي على علاقة العضوية عموما وأثر سلبا على عضوية ونموذج عضوية اليسار .

في كثير من الحيان تصبح العضوية في الأحزاب ابرجوازية مدخلا وفرصة للفساد والطمع والتسلق والوصولية ، وبالطبع هذا يؤثر سلبا على نموذج عضوية اليسار والقوى التقدمية وقد ينتقل الداء لها عمدا وقصدا كما تم إفساد عضوية فصائل عديدة من الحركة الوطنية والإسلامية الفلسطينية .

وهكذا فإن المولاة تحجب التفكير وتطمس  الموقف النقدي .

يتملك العضو عقلية ونفسية المريد الذي لا يسأل لماذا والذي يخشى أن لا يفلح في التنظيم أبدا فيكف عن معارضة المواقف السياسية أو حتى التسائل حولها " إيمانا أعمى بالقيادات المتنفذة" وإرتباطا بالمصالح الذاتية وتكريسا للحالة القائمة التي يجد نفسه مكونا من مكوناتها ويجدها تعبيرا عن وجوديته وذاتيته بعد أن تم صوغها إرتباطا بالولاء والموالاة .

كيف نفسر تقبل جماهير القوى السياسية اليمينية بقبول أمريكا وخدمة مصالح أمريكا وأعوانها في المنطقة العربية . كيف تجرأ عزيز الدويك على القول عن تدخل أمريكا والغرب الإستعماري في سوريا بأن "، أي جهد للدفاع عن حقوق الإنسان هو جهد مرحب به "

وكيف تجرأ القرضاوي على المطالبة جهارا نهارا بدور أمريكي على غرار ما حصل في ليبيا ؟

إن السائد في وعينا وخلفيتنا الثقافية بأن أمريكا عدوة للعرب عموما والشعب الفلسطيني خصوصا : فكيف يصبح القتال في سوريا لخدمة مصالحها مقبولا عند المريدين لقوى التيارات الدينية ؟

فقط يصبح هذا ممكنا بفعل الولاء والموالاة وتجميد العقل والتفكير والتبعية العمياء للشيخ المسؤول .

وفي ظل هذه التبعية المطلقة تتحوللا المواقف السياسية وتتمكن فتح من تمرير أوسلو وتتمكن حماس من الإنتقال من محور الممانعة الى محور التبعية لمريكا والقتال ضد محور الممانعة مع ما تيسر من ملايين الدولارات ، بل أنها مستعدة لعمليات تطهير ذاتي لمن يتظاهر بأي نقد أو رفض لهذه التوجهات .

دافعت قواعد فتح وهي مشتتة الذهن عن مواقف قادتها وحتى دافعت عن إتفاقات اوسلو تحت عنوان انها ممراتى إجبارية للتحرير وكانت تكذب على نفسها لن هذه الإتفاقات كانت خضوعا وخنوعا .

 

 

 

  


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق