]]>
خواطر :
قالوا الصبرُ علاج للآلام... فزادت صبرُ السنين للجراح آلاما...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

الولايات المتحدة والأزمة السورية:الخيارات العسيرة والحلول "المأزقية"

بواسطة: صابر النفزاوي  |  بتاريخ: 2013-06-28 ، الوقت: 14:11:10
  • تقييم المقالة:

بقلم:صابر النفزاوي -محلل سياسي-

تُدرك الولايات المتحدة الأمريكية ضرورة وضع نقطة النهاية لحكم الأسد وإسدال الستار على نزاع بلغ من العمر عتيّا ..أكثر من عامين من الإعضال السياسي والميداني والإنساني لأزمة تراوح مكانها،أزمة..تنذر بالاتّساع أكثر ممّا تؤذن بالانحسار،ولا نقول هذا تشاؤما بل استقراء لما نراه على الأرض من تشعّب لخيوط اللعبة بحضور روسيا داعما ثابتا للنظام السوري المدعوم من طهران و حزب الله في مقابل مساندة دولية للمعارضة بجناحيها السياسي والمسلّح وهي مساندة تطغى عليها الدبلوماسية الضاغطة بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها الغربيين.
ولما كان ذلك كذلك واتّساقا مع دقّة الوضع وتعدّد الأيادي التي ترسم مستقبل سوريا ،يبدو هامش التحرك أمام واشنطن ضيّقا إلى الحد الذي باتت معه الخيارات أمامها عسيرة ،ما صنع في النهاية سياسة موسومة بسمتين أساسيتين التردّد النظري والحزم عملي ،وهذه الازدواجية السياسية تنسجم تماما ورؤية أوباما للملف السوري المبنية على أولويّتين ؛أولا عدم التورط العسكري المباشر وثانيا المحافظة على شعرة معاوية مع روسيا بمعنى عدم الوصول معها إلى نقطة اللاعودة ،وروح المهادنة التي تميّز سياسة أوباما لاتعني التهاون في الدفاع عن مصالحها في الشرق الأوسط بل تعني اللجوء إلى القوة الناعمة SOFT POWR أي اعتماد أسلوب فرض العقوبات الاقتصادية والضغوط السياسية والدبلوماسية وتجييش المجتمع الدولي ضدّ نظام الأسد والإحراج “الأخلاقي”لخصمها الاستراتيجي المباشر روسيا عبر التدليل على استخدام دمشق لأسلحة كيميائية وفضح المجازر التي ترتكبها قواته والعمل على تضخيمها إعلاميا . وبالتوازي مع هذه الدبلوماسية الفاعلة تعمد الولايات المتحدة إلى التركيز على العمل السري لتحقيق أهدافها ،وأداة التنفيذ الرئيسية في هذا السياق هي وكالة المخابرات المركزية CIA والقوات الخاصة التي تقيم معسكرات تدريب للمقاتلين السوريين في الأردن وتركيا منذ نوفمبر 2012 مثلما أكدته صحيفة “لوس أنجلس تايمز”،وحتى ما اعتُبر قرارا مفاجئا من أوباما بتسليح المعارضة السورية هو في حقيقته إعلانا عن واقع حال إذ إنه قبل تصريحه ذاك بأشهر كان قد شرع فعلا في تمويل المعارضين بالسلاح ، غير أنّ هذا الدعم المادي الخفي للمعارضة السورية المسلحة لا يعبّر عنه خطاب سياسي واضح وصريح بل تمارس واشنطن دبلوماسية يطغى عليها ما يسمّيه البعض “الغموض الخلاق”أي اعتماد عبارات عامة وعائمة يمكن أن تُفهم في اتجاهات متناقضة كأن يقول وزير الخارجية الأمريكي “جون كيري”إنّ إطار الحل السياسي للأزمة السورية موجود وقائم”هذا الكلام قد يأخذه النظام السوري على أنّه حديث عن تسوية سياسية مع بقاء الأسد ممكنة وجائزة فيما قد تحمله المعارضة على محمل إمكان التوصل إلى حل سياسي دونه. وكما أسلفنا الذكر يبدو التدخل الأمريكي العسكري المباشر في سوريا مستبعدا وبشدّة لسببين أحدهما داخلي ذو علاقة بالدستوري والشعبي والآخر خارجي ذو علاقة بحساب الربح والخسارة والتوازنات الجغراسياسية لاسيما تلك المتعلقة بموسكو الخصم الاستراتيجي الأول لواشنطن ،فغنيّ عن البيان أنّ فخامة الرئيس باراك أوباما لا يملك صلاحية إعلان الحرب بما أن ذلك من اختصاص الكنغرس ،وهو وإن كان قادرا على إرسال الجيش إلى أي بقعة من العالم لمدة لا تتجاوز 90 يوما دون الرجوع إلى الكنغرس طبقا لقانون صلاحيات الحرب الأمريكي الصادر عام 1973 فإن الاستفادة من هذه “الكرم”القانوني تبقى احتمالا بعيدا نسبيا لاعتبارات شعبية تتعلق ب63 بالمئة من الأمريكيين الذين أثبت سبر للآراء جرى في شهر ديسمبر 2012 أنّهم يرفضون أي تدخّل في سوريا، صحيح أنّ باراك بصدد قضاء ولايته الرئاسية الأخيرة وهو وضع يشجّع عادة على خوض المغامرات الحربية غير أنّ مؤشّرات عديدة تشي بالنزوع “السلمي” للبيت الأبيض فمجرد اختيار إحدى حمائم السياسة الأمريكية جون كيري وزيرا للخارجية يوحي بانتهاج المنهج “الدبلوماسي” في معالجة الملفات الدولية الحارقة ،من جهة أخرى شهدت الإدارة الأمريكية استقالة مدير المخابرات المركزية “دافيد باتريوس”وهو أحد الصقور التي دفعتها سياسة أوباما التي تضع “القوة الخشنة “HARD POWER بين قوسين إلى التنحّي،كما أن الأزمة المالية التي مازالت تعيش الولايات المتحدة على وقعها تجعل أمر شن الحرب من اللامفكّر فيه،وهذه الرؤية القائمة على تجنب “الصدامية المباشرة” يبرّرها عدم ارتباط واشنطن بمصالح مفصليّة في سوريا مقارنة بموسكو ،فروسيا تأمل من خلال إطالة عمر النظام السوري في الإبقاء على قاعدتها العسكرية الوحيدة في المتوسط والرابضة بميناء طرطوس والتي تشكّل خطّ المواجهة الأساسي لها ضدّ الخطر المحتمل للدرع الصاروخية الأمريكية في بولندا ورومانيا وتشيكيا ،كما تُعدّ دمشق كما هو معروف من أكبر المستفيدين من الأسلحة الروسية ،هذا إلى جانب الروابط الاقتصادية المتينة التي تربط البلدين ،فاستثمارات روسيا في سوريا عام 2009 تجاوزت 20 مليار دولار ،وعلاوة على هذا وذاك تخشى موسكو وبشدّة من وصول ما يسمّى “الإسلام الراديكالي” إلى السلطة وما يمكن أن يشكّله ذلك من مصدر”إلهام”للجماعات الدينية “المتطرفة”في القوقاز وتغذية الحراك الجهادي التكفيري في الشيشان..
هذا غيض من فيض المصالح الروسية في سوريا ؛في المقابل تبدو معظم المصالح الأمريكية هناك ذات مضمون سلبي قطب رحاها تقليم أظافر الدب الروسي من خلال الإجهاز على آخر معاقلها العسكرية منذ الحرب الباردة وهو قاعدة طرطوس القائمة منذ عام 1971 وبالتالي المساهمة في تآكل جغرافيتها العسكرية في الشرق الأوسط والقضاء على ارتباطاتها الاقتصادية عبر إسقاط النظام السوري الذي سيسهم بدوره في القضاء على تحالفها الاستراتيجي مع إيران حسب ما يؤكده عدة محللين سياسيين . من ناحية أخرى ،غني عن البيان أن حماية أمن إسرائيل تبقى أولوية أمريكية والخطر المراد احتواؤه لا يأتي بشكل مباشر من نظام بشار الأسد بل هو نتاج دعم هذا النظام لحزب الله اللبناني وبشكل أقل حركة حماس وغيرها من الفصائل الفلسطينية…وينعكس هذا البون بين مصالح القطبين على طبيعة تعاطيهما مع الأزمة السورية،ومن خلاله نفهم ونتفهّم اصطفاف كل منهما مرة واحدة وإلى الأبد في صفّ أحد الطرفين دون الآخر،وهذا التخندق المبدئي الذي تمليه المصلحة يقلّص إلى حد بعيد فرص التوصل إلى تسوية سلمية خلال مؤتمر جنيف -2- المزمع عقده قريبا ،فاتساع دائرة التباين في المشاغل والرؤى يجعلنا إزاء تجاذب حاد وحدّيّة قاسية تعسّر محاولات الاتفاق والتوافق بين العملاقين الروسي والأمريكي ،فالحل الذي يرضي الجميع يفترض الوقوف في المنطقة الرمادية ،لكنّ تجاوز الفرق بين الأبيض والأسود يفترض تنازلات مؤلمة لا نرى الطرفين المتمترسين خلف موقفيهما قادرين عليها وهذا ما أثبتته قمة مجموعة الثماني الاخيرة في إيرلندا.
إنّ معضلة الملف السوري أنه من الصعوبة بمكان التعاطي معه على أساس منطق المقايضة فمصالح الخصمين كما أسلفنا جوهرية خاصة فيما يتعلق بالجانب الروسي الذي يمتلك أوراق ضغط مؤثرة ربما ترجّح الكفة لصالحه،فالتهديد الروسي بتزويد الاسد بمنظومة صواريخ S300 يثير قلق أمريكا بجدية ولا يمكن حمله على محمل الهزل أو “التهويش الكلامي”لأن نشر ذلك النظام الصاروخي في قاعدة طرطوس سيُفرغ الدرع الصاروخية الأمريكية من مضمونها، ومن شأن وصول هذه الأداة الحربية المتطورة لدمشق أن يشكل تهديدا لأمن إسرائيل،كما أنّ روسيا قد تلعب بورقة إيران وتلوّح بزيادة دعم برنامجها النووي فيما يتعلق بتنضيب اليورانيوم هذا فضلا عن تمويلها بأسلحة متطورة وما يعنيه ذلك من إمكان وصول تلك الإمدادات العسكرية المتطورة إلى حزب الله وفصائل المقاومة الفلسطينية وربما إلى منظمات إرهابية…إذن لا تفتقر روسيا إلى أوراق الضغط الضرورية لدفع الولايات المتحدة إلى الانخراط في مشروع سياسي يمهّد لإرساء نظام سوري بديل وعميل يحافظ من ناحية على “محاسن”نظام الأسد كما تراها موسكو ومن ناحية أخرى لا يثير مخاوف واشنطن،وربما هذا ما قصده أوباما حين قال:”نريد معارضة قوية قادرة على إدارة مرحلة ما بعد الأسد”فالمعارضة القوية المقصودة هي المعارضة المتسلّقة التي تفضي إلى إرساء حكومة عميلة،لذلك حين يتحدث البعض عن الحلول الممكنة يستحضرون طريقة “أوسلو”-اتفاق أوسلو بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل عام 1993 –المبنيّة على حفظ ماء وجه الجميع دون توصّل أيّ من الطرفين إلى حالة الاكتفاء والإشباع ،ويبدو أنّ الجانب الأمريكي بدأ يرضخ للضغوط الروسية ويبرز ذلك جليّا من خلال التردد في فرض حظر جوي ، فقد عبر الرئيس أوباما عن رفضه لهذا الخيار مبررا ذلك بتبريرات واهية ومتهافتة بالقول إنه لا حاجة له والمعركة تسير “بشكل جيد”من المعارضة وأنه خيار مُكلف ماديا،ثم يأتي كيري ليجيب عن سؤال يتعلق بإمكانية فرض حظر جوي جزئي على مناطق جنوب سوريا بالقول:”سوريا ليست ليبيا”وفي ذلك إشارة إلى وجود روسيا على سطح الأحداث هذه المرة كلاعب استراتيجي وخصم جيوبوليتيكي عنيد.
.
بالنظر إلى ما تقدم يبدو أنّ أفق نهاية الأزمة السورية مازال بعيدا ولا نخال جنيف-2- قادرة على رأب الصدع والتقريب بين الفرقاء السياسيين،فالنظام في سوريا متمسك بالأسد وهو يستند في حراكه الدبلوماسي إلى تماسكه على الأرض بفضل دعم حزب الله والحرس الثوري الإيراني والميليشيات الشيعية الوافدة من العراق،في المقابل يبدي الائتلاف الوطني السوري المعارض حرصا واضحا على استبعاد الأسد من أي اقتراح للتسوية السياسية وهو يشكو إلى حد كتابة هذه الأسطر من ضعف موقفه التفاوضي بسبب ارتباكه الميداني منذ معركة القصير الخاسرة – وهذا جعل”أصدقاء سوريا” من الغرب والشرق يندفعون نحو تقديم الدعم على الأرض في محاولة لاستعادة التوازن المفقود ما من شأنه خدمة العملية التفاوضية-،ولا نعرف والحال تلك أيّ فائدة تُرجى من المشاركة في مؤتمر يحمل بذور فشل حتمي ينذر به تباين المواقف بين كل من روسيا وأمريكا من جهة وبين نظام الأسد والمعارضة من جهة اخرى،ولئن كان بوسعنا اختزال الموقف السوري في الموقف الروسي فإن المعارضة السورية تبدو منقسمة بين معارض لبقاء الأسد ومؤيد لبقائه مجرّدا من صلاحياته الواسعة حتى الانتخابات القادمة عام 2014 على ألا يترشّح مرة اخرى.
يُجمع الملاحظون أن أولوية الأولويات في جنيف الثانية ستكون التوصل إلى اتفاق حول وقف إطلاق النار كتمهيد لأي حديث عن تسوية سياسية ممكنة،لكن من يضمن الالتزام بهذا الاتفاق لو حصل؟؟..ربما التزمت به دمشق لوحدة القيادة لكن لا أحد يتجاسر على القول إن المعارضة المسلحة متعددة الرؤوس ستلتزم به ،من ناحية أخرى ربما يقع الدفع نحو التوافق حول انتظار إجراء الانتخابات في موعدها بعد سنة من الآن،لكن طبعا لن يكون هذا الحل واقعيا في ظل عدم توفر البيئة الانتخابية الملائمة لذلك.
صفوة القول؛ إن أي تسوية سلمية للأزمة السورية في رأينا يجب أن تخضع لمنطق محاسبة الأسد على جرائمه ولو بمجرّد دفعه إلى التنحي عن السلطة ،غير أنّ يقيني بغياب المعيارية ألأخلاقية في صراع النفوذ في العلاقات الدولية يجعلني أسحب كلامي على الفور ، وأبدي تأييدي المطلق لمن يتحدثون عن مؤتمر جنيف -2- كيالطا جديدة برعاية امريكية روسية لإنضاج الكعكة السورية الشهية و”شحذ السكاكين “والتهيؤ لاقتسامها،عبر حلول مأزقية “تنتج الأزمات” ولا توقفها.


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق