]]>
خواطر :
رغم إني أخاف من الغرق ، عقدة تلازمني منذ الصغر...أتمنى الغرق في بحر ذكرى هواك...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

الهوية؛ بين مجالات التفكير العلمي، الثقافي والحضاري - إشكالية الإجرائية والتجريد –

بواسطة: الزبير بن عون  |  بتاريخ: 2013-06-27 ، الوقت: 19:48:27
  • تقييم المقالة:

 

الهوية؛ بين مجالات التفكير العلمي، الثقافي والحضاري.*  - إشكالية الإجرائية والتجريد – - الزبير بن عون. zoubir.benaoun@gmail.com                                       - تمهيد :   يعتبر مفهوم الهوية مثله مثل معظم مفاهيم العلوم الاجتماعية والإنسانية هلامي وواسع، يحتمل الكثير من المعاني والتفسيرات، وهي من أكثر المفاهيم تداولاً وأكثرها غموضاً وتلوّناً وتشعُّباً. كما تشير إلى عدة معاني ومفاهيم تضخمت بشأنها المقاربات والدراسات إلى درجة، وتعُود إلى عدة مجالات من التفكير الثقافي والحضاري، مثلما ترتبط بالتعدّد والتنوّع والاختلاف في صيغها المختلفة. كما انه مفهوم يمثل الشخصية.    يعد مفهوم الهوية من المفاهيم التي تثار بشدة في مجالات البحث العلمي، والجدل السياسي والثقافي، نظراً لاقتحام المفهوم لجميع المجالات العلمية من فلسفة ومنطق وعلوم إنسانية من انتروبولوجيا وتاريخ وفينومينولوجيا وتحليل نفسي، وكذا علوم سياسية وسيكولوجية وسوسيولوجية. كما يرتبط مفهوم الهوية وما يتعلق به من محددات ومؤشرات ومفاهيم كالذات واللغة والثقافة والحضارة والأصالة والعرف والخصوصية والتثاقف. وغيرها من المفاهيم التي ترتبط بها على المستوى السيمانطيقي والمفاهيمي والإيديولوجي. فهي - أي الهوية - من المفاهيم كثيرة التداول في العلوم الإنسانية وخاصة منها الانتروبولوجيا والسوسيولوجيا، لذا فمن المفيد عند تحليلنا لمفهوم الهوية استحضار هذه الإسهامات المعرفية وغيرها. واستعارة تحليلاتها للمفهوم. وهذا ما استدعى منا عن طريق هذه المقالة التطرق لماهية الهوية بقصد فك البعض من اللبس والغلط في المؤلفات والخلط في القصد والدلالة لمفهوم الهوية في العلوم الإنسانية والاجتماعية كمفهوم علمي وكواقع ملاحظ على المستوى الميكرو والماكروسوسيولوجي. وكخطاب ثقافي إيديولوجي. - أولاً: الهوية، تصنيفاتها وتشكلاتها: 1- مفهوم الهوية:    لقد شكّل مفهوم الهوية محور اهتمام وتفكير العديد من الفلاسفة، فمبدأ الهوية إلى جانب مبدأ عد التناقض، أي لا يمكن أن يكون الشيء ذاته، وفي نفس الوقت شيئاً آخر. يقول أبو نصر الفرابي:" أن الهوية الشيء عينه، ووحدته وتشخّصه وخصوصيته، ووجوده المتفرّد له، وقولنا أنه "هو" إشارة إلى هويته وخصوصيته ووجده المنفرد له، لا يقع فيه اشتراك. هكذا تتأكد الصبغة الواحدية لمفهوم الهوية على المستوى الفلسفي. إذ "هو" يعني أصلاً المماثلة والتوحّد، ويُضاده مفهوم التخلف والتكاثر، وهو بهذا يقترب من مفهوم الهو هو". (1)    وقد جاء في الموسوعة الفلسفية تعريف للهوية على أنها:" مقولة تعبّر عن تساوي وتماثل موضوع ما مع ذاته، أو ظاهرة ما مع ذاتها، ويتطلب تعيين هوية الأشياء أن يكون قد تمّ تمييزها مسبقاً، ومن ناحية أخرى فإن الموضوعات المختلفة غالباً ما تحتاج إلى تحديد هويتها بهدف تصنيفها. وهذا يعني أن الهوية ترتبط ارتباطاً لا يمكن فصمه بالتمييز بين الأشياء ... إن هوية الأشياء مؤقتة وانتقالية، فتغيرها وتطورها مطلقان ... والهوية متعيّنة وليست مجردة ". (2)    إن مصطلح هوية مشتق من أصل لاتيني، وتعني أن الشيء نفسه، أو الشيء الذي هو ما هو عليه على نحو يجعله مبايناً لما يمكن أن يكون عليه شيء آخر. ففي اللغة الفرنسية إن مصطلح الهوية Identitéكما ورد في قاموس اللغة الفرنسية (3) مشتق من المصطلح اللاتيني Edemالتي تطلق على الأشياء، أو الكائنات المتشابهة أو المتماثلة تماثلاً تاماً، مع الاحتفاظ في نفس الوقت بتمايز بعضها عن البعض الآخر.    إن مصدر الهوية جاء من مصدر صناعي مركب من "هو" ضمير الغائب المعرّف بأداة التعريف، والتي تعني مصدر الشيء وحقيقته، إنها كالبصمة للإنسان يتميز بها عن غيره. وحرِّي بنا الإشارة إلى أن مصطلح الهُوية (بضم الهاء) Identitéيترجم حرفياً بالموجود، إلا أن البعض يترجمها على نحو خاطئ بـ الهَوية (بفتح الهاء) وتستعمل قصداً في البلدان العربية المغاربية والمشرقية لتدل على بطاقة التعريف Unecartdidentité. أما الهُوية (بضم الهاء) فهي مصطلح ينتمي إلى المعجم الفلسفي العربي ويحيل إلى المنطق إلى مبدأ الذاتية (أ = أ) كمقولة ميتافيزيقية دالة على الماهية.    لذا فإن الاستئناس بمفهوم الهوية في مقاربة ما، يقتضي الوعي بكل أبعادها ومؤشراتها ومدلولاتها، سواء باعتبارها مفهوماً علمياً ضمن العلوم الإنسانية والاجتماعية، أو مفهوماً ضمن الخطاب الثقافي الإيديولوجي السائد. ومن ثمة يمكن أن تفكّك مدلولاته إلى ثلاث مجالات: المجال السياسي، المجال الاجتماعي، المجال الثقافي، المجال الحضاري والمجال الابستمولوجي. والهدف من هذا التمييز هو لتحقيق من حدّة الغموض والالتباس المصاحبين لهذا المفهوم.   من خلال قراءاتنا المتعدد والمتنوعة حول مفهوم الهوية، وجدنا أنها من المفاهيم التي ترتبط بالوجود والذات والتراث الاجتماعي، والهوية الاجتماعية والثقافية، والهوية الوطنية، والمواطنة الحضارية. بمعنى انه تطرح إما على مستوى الأفراد، أو على مستوى المجتمعات (الشعوب والأمم) كأسلوب لتأكيد الذات، وإعادة ترتيب علاقاتها بمحيطها من اجل إثبات وتحقيق الاستقرار. كما وقد ترتبط الهوية بالعامل الديني والطائفي، والاثني والإيديولوجي، والسياسي.    ويتبيّن لنا من خلال التعريفات السابقة أن مفهوم الهوية لا يزال بعيد عن الدّقة المطلوبة والرغبة المرجوّة في العلم، حيث يضع وسط التعميمات الفلسفية، ويقف عند حدود التعريف اللغوي المبهم، أو عند التقييد القانوني المنصّب على الجانب الشكلي للشخص الذي نجده في بطاقة التعريف الوطنية. ويبقى عالم الإنسان وما ينطوي عليه من مشاعر وأفكار وتصورات وانتماء وولاء، وما يحكمها من تفاعلات مع المجال الاجتماعي والثقافي هو صاحب التأثير البالغ في تشكّل الهوية من ناحيتها النفسية الاجتماعية. ولعلنا نميل الى التعريف الذي وضعه المفكر الفرنسي اليكس ميكشيللي M.Alexللهوية على أنها:"منظومة متكاملة من المعطيات المادية والمعنوية، والنفسية والاجتماعية، التي تنطوي على نسق من عمليات التكامل المعرفي، وتتميز بوحدتها التي تتجسّد في الروح الداخلية التي تنطوي على خاصية الإحساس بالهوية والشعور بها، فالهوية هي وحدة من المشاعر الداخلية التي تتمثل في وحدة من العناصر النفسية والاجتماعية والمادية التي تجعل الفرد يتمايز عمّا سواء بوحدته الذاتية. (4)    يرى برتراند بادي BertrandBadieأن الهوية :" مجموعة من الاستراتيجيات التي تضعها الجماعات والأفراد في المعترك، من أجل أن يحدّدوا أنفسهم بالنسبة للآخرين، حسب رغباتهم ومصالحهم". (5)    أما ماكس فيبر M,Weberفعنده تأتي الهوية على مستويين. المستوى الأول الصورة الكونية، أي جملة المعتقدات والمسلّمات الافتراضية عن العالم، والتي على ضوئها يمكن الوصول إلى إجابة شافية حول مغزى الوحدة وحقيقة الكون. والمستوى الثاني السياق التصوري وهو الذي تضع فيه الذات الجمعية نفسها ضمن تقسيمات العالم، انطلاقاً من النواحي الثقافية والاجتماعية والأخلاقية، وانطلاقاً من هذا الأخير ينظر للآخر المحدد الأساسي للهوية ". (6)    ووفقاً للعديد من الدراسات الانتربولوجية والسوسيولوجية التي تتفق على بحوث الهوية تعد معطى اجتماعياً تقوم على مبدأ التطابق والانسجام، وتحمل دلالات التنوّع والتكامل والاختلاف، فإن الهوية تشتغل في التراث الثقافي كشرط ومناخ، وشرط الإحساس بالذات والانتماء، إنها ترتكز على الشعور بالانتماء والمحلية، وتظهر ملازمة للثقافة الخاصة في حدود ملامحها الأصلية والأهلية التي تشكّل الهوية الجماعية، أي الهوية القائمة على الإرث الثقافي والسلالة المشتركة.    وبما أن الهوية تعتبر من المفاهيم التي يصعب تعريفها أو تحديد مجال تواجدها، أو حتى أساليب استعمالها والتحليل بها على المستوى الجزئي أو الكلي. فقد صدق جوتلوب فريج J,Fredjeعندما قال :"مادام كل تعريف هو عبارة عن هوية، فالهوية في حد ذاتها لا يمكن أن تعرّف". خصوصاً مع تشعّب وتعدّد التخصصات التي تبحث فيها  من التحليل النفسي، إلى العلوم السياسية، إلى العلوم المعرفية والثقافية، إلى السوسيولوجيا. فمادام هكذا ارتأينا أن نضع تصنيفات للهوية لكي تتضح الصورة بتصنيفات الهوية في العنصر الموالي. 2- تصنيفات الهوية:    لقد طرحت تصنيفات عديدة للهوية ومتنوعة، وذلك لتعدّد الباحثين واختلاف تخصصاتهم ونظراتهم وتصوراتهم وطروحاتهم حول الهوية، فهذه التصنيفات ليست محصورة ولا مقيّدة بالواقع الفعلي والعلمي ولا الزمان ولا المكان، بقدر ماهي مرنة يستخدمها الباحث حسب شروط بحتة، وما التصنيفات التي سنوردها فيما يلي إلا لفك اللبس عن مفهوم الهوية والتداخل في أبعادها ومؤشراتها، بين الهوية الفردية، والهوية الاجتماعية، والهوية الثقافية.  2-1-الهوية الفردية:    يطرح البعد المزدوج للهوية الفردية إشكالاً أساسياً ما بين تلك الرغبة في التميّز كفرد أو كـ "أنا" مستقلة (وهذه تعني بها الدراسات السيكولوجية التي تجعل من الشخصية الإنسانية محوراً أساسياً في تناولاتها، سواء في ذاته أو في علاقاته مع الآخرين، والتي نظرت إلى الهوية باعتبارها ذاتاً) وإما بين امتداد الهوية في نسق من الرموز والقيم الممتدة في قيم الجماعة وأدوارها ووظائفها (وهذه يعني بها علم النفس الاجتماعي الذي يرى بان الهوية أداة تسمح بالتفكير في العلاقة الموجودة بين الجانب النفسي والاجتماعي لدى الفرد، أي أنها تعبّر عن محصلة مختلف التفاعلات المتبادلة بين الفرد ومحيطه، ولذلك فهي مظهر من مظاهر الذات ناتج عن إدراك الأفراد لانتماءاتهم الاجتماعية، ويعبّر عنها من خلال الدلالة العاطفية لهذا الانتماء اعتماداً على تصنيف وانسجام التصور الاجتماعي للذات).وبهذا الطرح نحاول عرض هذا العنصر بالتحليل السيكوسوسيولوجي. 2-1-1- هوية الذات:    غالباً ما يستعمل مصطلح الذات للدلالة على الهوية الشخصية، التي تشمل مجموع الخصائص التي يملكها الفرد، وتمنح له قيمته الاجتماعية والعاطفية. فهذه الهوية تقتضي تعريف الذات، بحيث يتضمّن الفكرة التي يكونها الفرد عن نفسه من جهة، والشعور بأنه لم يتغير من جهة أخرى. فيشمل بذلك مظهرين هما: الشعور بالذات وتقديرها الذي يعتمد على تحقيق الطموحات من أجل الموافقة الاجتماعية والتمثيل. كما تشمل الهوية الشخصية التاريخ الشخصي والوضعية والمكانة والأدوار والقيم والدافعية والقدرات، وترتكز الهوية الشخصية على الجسد ونزواته من عواطف وانفعالات، الوعي والشعور بالانتماء، والشعور بالوحدة والتماسك، والشعور بالتميز والاختلاف عن الآخرين، والشعور بالقيمة (تقدير الذات)، الشعور بالاستقلالية والثقة، وأن التفاعل بين هذه المشاعر المكونة للهوية تحدد بقسط كبير  نوعية وحالة الهوية، وقد نظر السيد عثمان إلى الذاتية والتي تشير على أنها ذلك النتاج المتفرّد الذي تصنعه الذات وتصوغه، وتتعهده صوناً وتوكيداً وتنمية فهي إذن : (7)  -  نتاج عمل، أي أنها ليست هبة معطاة فطرياً ووراثياً وهي  - صوغ قصد وتدبير، أي أنها ليست عشوائية أو مصادفة، ثم هي  - موضوع مسؤولية الذات، صوناً لتكوينها ووظيفتها، ورعاية لتمايز صيغتها وتفرّد تناميها، وتوكيداً لاستقلاليتها، وجدارة مكانتها وكفاءة اقتدارها.    وتحقيق الذات، إذ يؤكد فرديتها، ويعلي تفرّدها، ليس لإضعاف اجتماعيتها، ولا معطل لثقافيتها، بل إنه مؤكد لاجتماعية الذاتية، إذ يؤكد فرديتها، بل انه مؤكد لاجتماعيتها في قلب فرديتها. وتنقسم الهوية الذاتية أو "الذات" إلى مستويات أربع نلخصها فيمايلي: (8)  - الذات الواقعية: وهي التي يدرك بها الفرد إمكانياته وقدراته، والأدوار المنوطة به، وهو يتضمن الاتجاهات الشعورية للفرد نحو نفسه، وتتراوح هذه الاتجاهات بين قطبين احدهما سالب في رفض للذات الاجتماعية، أو السخط عليها، والثاني موجب وهو نتيجة نحو تقبل الذات والرضى عنها.  - الذات الاجتماعية: وهي ذاتنا كما تعتقد أن الآخرين يرونها، أو على الرغم من أن هذه النظرة قد لا تكون مطابقة في الواقع للصورة التي يرانا بها الآخرون فعلاً، فإن هذا المستوى له تأثيراً مباشراً في سلوكياتنا، والطريقة التي نجهد بها لإثبات هويتنا. وتقوم الذات الاجتماعية على حاجتين هي الحاجة إلى الأمن، والحاجة لاحترام الذات، وبينهما علاقة جدلية.  - الذات الظاهرية: يفسر الفرد في الغالب القيمة الاجتماعية للذات على ضوء خبراته الشخصية، فهو يحوّل اتجاهات الآخرين نحوه طبقاً لمدركاته، وهذه الوظيفة التي تقوم بها الذات الظاهرية التي تعتبر وسيلة الفرد وطريقته في إدارة هويته، وتنتظم اتجاهاته نحو الآخرين، وتسمى الذات الظاهرية لأنها الوجه الوحيد من الهوية التي يدركها الشخص حقيقة.  - الذات المثالية: وهي النموذج الذي يرغب الفرد، أو يأمل أن يكون عليه، ويتوقف ذلك النموذج المرغوب على مستوى الطموح، ومدى تناسبه مع قدرات الفرد، والفرص المتاحة له لتحقيق ذاته وانجاز هويته. 2-1-2-هوية الفرد:    هي إدراك الفرد نفسياً واجتماعياً لذاته، والدراية إلى توحّد الذات مع وضع اجتماعي معيّن أو مع تراث ثقافي معيّن، أو مع جماعة سلالية أو جماعة قرابية. أو هي جهد للتوجّه نحو الآخر لاكتساب بطانة الذات، وعودة من الآخر نحو الذات لإثبات وجودها المتميز.    إن الإحساس بالهوية هو الأمر الذي يجعل شخصاً ما يشعر بكونه هو، ويبقى كذلك في الزمن، وبمعنى أكثر وضوحاً فإنها نسق من الأحاسيس والتمثُلات التي يستطيع بواسطتها فرد ما الإحساس بتميزه. وبهذا المعنى فهوية الفرد هو ما يجعله مماثلاً لنفسه، ومختلفاً عن الآخرين. وفي هذا الصدد يعرفها بيير تاب PierreTapبأنها:" المسافة التي يقطعها الفرد بين محاولة التمييز عن الآخرين واضطراره للتطابق معهم، إنها جهد دائم لتوحيد آليات الذات، وانسجامها الداخلي، يبطل ضرورات قوالب الثقافة التي يعيشها الفرد و المجتمع الذي نشأ فيه، وذلك الإبطال نفسه هو الذي يدفعه لتحديد تميزه، ورسم حدود هويته الفردية، وتتواصل عملية الإثبات والإبطال والعودة إلى الإثبات مدى الحياة ". (9)    يرى وليام جيمس WilliamJamesبأن الهوية تقع عند نقطة التقاطع بين معرفة الذات، والمعرفة المتمخضة عن العلاقة مع الآخر، كما يعتبر إدراك الفرد للآخرين، وإدراك الآخرين له يكوّن الهوية الاجتماعية، أي أن ذلك ينطلق من التقاء "الأنا" مع "الآخر". (10)    أما تجفيل فيقول عن الهوية:" أن الهوية الاجتماعية للفرد مرتبطة بمعرفته لانتمائه إلى فئات اجتماعية، كما أنها مرتبطة كذلك بالدلالة الوجدانية التي تتمخض عن هذا الانتماء". (11)    أما عالم النفس الاجتماعي الأمريكي اريكسون Eriksonفقد رأى بأن الهوية:" هي عملية تتم في إطار الثقافة الاجتماعية للفرد، وأنها ذات تأثير نفسي متزامن على كافة المستويات الوظيفية الفعلية، والتي عن طريقها يستطيع المرء أن يقيّم نفسه في ضوء إدراكه لما هو عليه، وفي ضوء إدراكه لوجهة نظر الآخرين فيه، وأنها عملية نفسية اجتماعية دائمة التغيّر والنمو". وقد ارجع اريكسون الإحساس الواعي بوجود الهوية إلى عاملين هما:  (12) - إدراك تماثل أفراد الجماعة المحلية واستمرارية الوجود عبر الزمان والمكان. - وإدراك حقيقة أن الآخرين يتعرفون عليه من خلال هذا التشابه والاستمرارية. فالشعور بالهوية يأخذ بالحسبان في جانب منه العلاقة بين الآخرين، فالفرد يكتسب هويته الخاصة من كل الهويات الفردية والجماعية. وأنه لتحقيق هوية الأنا الفردية والتي تتضمن أربع خصائص رئيسة ذكرها اريكسون نوجزها فيمايلي: (13)  - الفردية: وتعني الإدراك الواعي بالاستقلالية الفردية، وتحقيق هوية مستقلة واضحة.  - التكامل وتحقيق المتناقضات: أي الإحساس بالتكامل الداخلي واللانقسامية.  - التماثل والاستمرارية: أي الإحساس بالتماثل الداخلي والاستمرارية، بين ما هو ماضي، وما هو متوقّع ان يكون في المستقبل، والشعور بأن حياة الفرد ملائمة له، وأنه يسير في اتجاه ذو معنى.  - التماسك الاجتماعي: وهو الإحساس الداخلي بالمثاليات والقيم التي يعتنقها بعض الناس، والشعور بالتساند الاجتماعية. والهوية الايجابية تحقِّق إحساس داخلي بالتماثل والاستمرارية، ويكوّنها ذات معنى للآخرين، وأن الفرد قريب لادراكاتهم وتوقعاتهم، وعند حسن ظن الآخرين، لذلك فالهوية كعملية مستقرة ليست فقط في ذات الفرد ولكن ايضاً في ثقافته. 2-2- الهوية الاجتماعية _ الجماعية:    لا تتعلق الهوية الاجتماعية بالأفراد فحسب، بل تتجاوز في مفهومها الفرد إلى الجماعة، إذ لكل جماعة هوية تتعلق بتعريفها الاجتماعي، وهو التعريف الذي يسمح بتحديد موقعها في المجموع الاجتماعي، ولقد وظّفها دونيس كوش DenisCoucheبعمليتي الاحتواء والأبعاد في نفس الوقت، لأنها تقوم بالتمييز بين "النحن" و"الهم". فالهوية الاجتماعية للفرد هي مجموع انتماءاته لمنظومة اجتماعية، كانتمائه إلى طبقة جنسية، أو عمرية، أو إلى مجتمع محلي بدوي أو ريفي أو حضري ...الخ. لذلك فهي تتيح للفرد التعرّف على نفسه من خلال المنظومة الاجتماعية المنتمى إليها، وتمكّن المجتمع من التعرّف عليه.(14)    وهي عبارة عن هوية "النحن"، وهي تلك الصورة أو ذاك الشكل الذي تكوّنه مجموعة معينة عن نفسها، وأنها تنشأ من الداخل (من الأفراد) باتجاه الخارج (تداولها داخل الجماعة). وهي اساساً مسألة مَعْرِفَة، وهي وعي بجملة الأفراد الذين ينتمون تحت عبارة هذه الهوية، أي تتشكّل في واقع الأمر من الأفراد. (15)    ومهما تعددت التأويلات والأفكار والآراء، إلا أن الهوية فعل اجتماعي ناشئ عن تصورات معينة، وليست وهماً يتعلق بمجرد ذاتية الفاعلين الاجتماعيين، فتشكلها من جهة يتم داخل المجالات الاجتماعية التي تحدد موقع الفاعلين، وتوجه تصوراتهم وخياراتهم، ومن جهة أخرى تُكسب حامليها فاعلية اجتماعية تترك أثاراً حقيقية.(16) بحيث يمكننا فهم معنى الهوية بتفُحص وتتبع شبكة وبنية العلاقات الاجتماعية القائمة بين الجماعات الاجتماعية.    فالهوية هي التمسك بالذاكرة الجماعية، والتي هي إعادة الماضي، لذلك نجد أن لكل مجال عمراني ذاكرته الجماعية والاجتماعية الخاصة به تربطهم بعمرانهم وتشكّل لهم هوية خاصة تميزهم عن غيرهم من الجماعات الأخرى. ونجد هنا ايمانويل كاستلز ManuelCastellsيصف مفهوم الهوية في علاقة واحدة " العلاقة الانفعالية الشعورية" بين الساكن ومجاله في هذه اللحظات من الوجود. (17)     بحيث يرى ايمانويل كاستلز Manuel Castells  أن الهويات هي مصادر المعنى أكثر قوة من الأدوار، لأنها تتضمن طريقة تكوُّن الذات والتفرّد، إن الهويات تنّظم المعنى، بينما الأدوار تنظّم الوظائف، فكاستلز يشرح المعنى على أنهما يعنيه الفرد رمزياً كهدف لتصرفه، ففي مجموع الشبكات، المعنى ينتظم عند اغلب الفاعلين الاجتماعيين حول الهوية أولية ابتدائية والتي تدوم وتقوم بدورها في الزمن والمجال.    الهوية الاجتماعية تقترح وجود روابط قوية ما بين التماهي بالجماعة واكتساب قيمها، وبين مفهوم الذات، فالأفراد يسعون إلى الحفاظ عن هوية جماعية ايجابية ترفع من التقدير لذواتهم وتحقيقاً لها. فإنه على حسب اميل دوركايم Durkheimفإنه يوجد داخل كل فرد كائن جمعي يتمثل في انساق الأفكار والأحاسيس والعادات والرموز والقيم التي تعبّر عن شخصية الفرد، وإنّما تعبّر عن الجماعة التي ينتمي إليها، لأن هذا الكائن من مكونات النواة الجماعية للهوية. ويرى دوركايم أن التصورات الجمعية هي أعظم شكل للحياة النفسية (إنها نماذج للتفكير والعمل) يرسمها العقل لكي يسير عليها الأفراد، فهي أشبه بقوالب يصّب الأفراد فيها سلوكاتهم وأفعالهم وأعمالهم. أنها وقائع جُمدّت وتبلورت واستقرّت في شكل نماذج انتقلت إلينا - والقول لدوركايم - من الأجيال السالفة، وكل من يحاول أن يخالفها فإنه يقابل بمقاومة مادية ومعنوية تختلف في شدتّها ودرجتها حسب نوع المخالفة وظروفها. إنه يرى أن الجماعة تفكّر وتسلك وتشعر بشكل مختلف تماماً عن أفرادها إذا كانوا منفردين. فالتجمّع يؤدي إلى إنتاج كائن جديد هو " الوعي الجمعي". (18)    وقد ذهب ماكس فيبر M.Weberإلى أن الهوية الاجتماعية الجماعية تتضح في نسق من العلاقات الاجتماعية، يترابط الأفراد فيها بوحدة من الإحساس والشعور العاطفي، وبوحدة المصالح ويشتركون في ثقافة معينة تحدّد أدوارهم الاجتماعية والمسؤوليات التي تميّز أعضائها عن غيرهم من الأفراد والجماعات. (19)    يؤكد الباحثون أن الإنسان كائن اجتماعي، ولذا فهو في حالة سعي دائم للانتماء والى الارتباط بالآخرين بهدف حفظ التوترات الانفعالية التي تعتريه عندما ينعزل ويغترب عن الجماعة، فإنتماء الفرد وارتباطه بجماعته الاجتماعية (أسرة، عشيرة قبيلة، طائفة، وطن، تنظيم رسمي وغير رسمي...) يكشف لنا عن الآلية النفسية التي تتحكم في العلاقات الاجتماعية، وكذا القيم والمعايير والأعراف والتصورات التي توجه سلوك الإفراد نحو هوية جماعية واحدة. فالانتماء إلى الجماعة يطبع أسلوب التفكير والعيش اللذان يشكلان قاعدة أساسية في الحياة الجماعية. فالجماعة لها ذلك التأثير المعياري على أفرادها بواسطة آليات الضبط للامتثال والتقدير الاجتماعيين، فتعمل إلى دمج الذات الفردية مع الذات الجماعية أو بذوات أوسع. بحيث يصبح الفرد جزءاً من الجماعة الاجتماعية التي ينتمي إليها كأن يكون فرداً واحداً من أفراد قبيلة أو طائفة معينة، أو تنظيم بيروقراطي أو حركة سياسية، أو بالمعنى الواسع إلى جماعة رسمية أو غير رسمية.    إنه لمن المؤكد أن لكل فرد هويته الفردية التي تميزه عن سائر الأفراد الآخرين، وأن لكل جماعة هويتها التي تنفرد بها، وأن لكل مجتمع هويته التي تطبعه. وأن التحوّل من الهوية الفردية إلى الهوية الجماعية يفرض على الفاعلين الاجتماعيين تكييف سلوكاتهم وتنظيمها وفق معايير وقيم البنية الاجتماعية وسماتها وأنماطها الثقافية، التي تشكّل معلوماته المشتركة المحددة لحدود هويته الثقافية، بحيث تجعل الأفراد متوافقين ومتقاربين ومندمجين نسبياً فيما بينهم، ومتميزين على أفراد وجماعات المجتمعات المحلية الأخرى، وفق معايير جماعة الانتماء (الطبقة، الطائفة، المنطقة، المجال، القبيلة، أو ما يمكن أن يطلق عليه بالجماعة المرجعية). 2-3-الهوية الثقافية:    إذا كان الإنسان إنسان ثقافة معينة، فإن هويته تتحدّد بانتمائه إلى تلك الثقافة التي يمكن تسميتها بالثقافة القاعدية، التي هي نتاج نشاط الأفراد وحصيلة تفاعلهم مع بعضهم البعض من جهة، وتفاعلهم مع بيئتهم من جهة أخرى. وأن الإنسان ليس إنسان إلا بكونه عاقلاً يقيم علاقات مع مختلف الثقافات، وهو كائن اجتماعي تواصلي، ومن هنا ضرورة ربط الهوية بالعقل وبالبعدين الخاص والعام.    تعتبر الهوية بمثابة الصورة التي تكونها جماعة ما عن نفسها، ويستنبطها أفرادها بإدماج التشابهات الدالة على الانتماء للجماعة، وإظهار خصوصيات مميزة عن باقي الجماعات في حركات انخراط للداخل، وحركات كتأكيد الاختلاف نحو الخارج. فالهوية الثقافية هي ايضاً الرمز أو القاسم المشترك، أو النمط الراسخ الذي يميز فرداً أو جماعةً أو شعباً من الشعوب عن غيره. (20)    إن الثقافة كمفهوم سوسيولوجي تشمل كل ما في البعد الأدبي والتراثي والمسرحي والفني، كما تشمل البعد الانتروبولوجي الذي يطال الفن والأدب، كما يطال حقل التعابير الاجتماعية، والتي تميز جماعة بشرية معينة كالتقاليد والعادات، وأنماط الحياة والتصورات والأفكار والمعتقدات. فالثقافة هي ماضي كما هي حاضر ومستقبل من المنظور السوسيولوجي. أي أن في كل ثقافة شقاً موروثاً، وشقاً آخر مكتسب من خلال الأنماط الثقافية السائدة، والمؤسسات التي تقوم بإنتاج وإعادة إنتاج شروط الإنتاج الثقافي. وبالتالي فالهوية الثقافية تتميز بطابعها المتقلب الذي يضفي عليها نوعاً من المرونة بسبب وضعيات التثاقُف، فيلجأ حينها الأفراد والجماعات بصفة واعية أو لا واعية إلى بناء استراتيجيات توظفها لتحقيق غاية ما، أو مصالح وأهداف محددة. وهي أساليب تتوقف على وضعية التفاعل، أي وفقاً لمختلف المحددّات التاريخية والنفسية والاجتماعية والثقافية، بحيث يمكننا القول أن الهوية الثقافية هي نتاج تفاوض بين هوية ذاتية (فردية.اجتماعية) تتحدّد بذاتها، وهوية خارجية يحددّها الآخرون. وبهذا الطرح فالهوية لا تؤدي إلى الانطواء والتقوقع في المحيط أو المجال الاجتماعي، لان الفرد لا يحي في الماضي والحاضر فقط بل هو كائن مستقبلي. وبالتالي فالهوية الثقافية تنفكك وتتشكل ويعاد تشكلها من جديد تبعاً للحالات الإستراتيجية.    وفي هذا يرمي جورج لارتين L,Geordg(21)إلى أن الثقافة تتسم بتنوّع طرق الحياة، وتتخذ هذه الطرق شكل الاستمرارية في وحدة ووعي  الذات تماثلاً مع الهويات الذاتية (الفردية والجماعية). فأثناء تشكيل الهوية يشارك معظم الأفراد في الصفات المعينة، أو ولاءات جماعات محلية معينة مثل الجنس أو الطبقة أو الدين أو العرف أو القومية التي تساعد على تحديد الذات وإحساسها بهويتها. ورأى لارتين أن هناك طريقتان لتصوّر وإدراك الهوية الثقافية : - الأولى ماهوية طبقة مغلقة تفكر في الهوية الثقافية بوصفها حقيقة واقعية. - الثانية تاريخية مفتوحة تفكر في الهوية الثقافية بوصفها شيئاً ما إنتاجه مستمراً، أي يتم إنتاجه بشكل متواصل في عمليات دائمة لم تكتمل اطلاقاً.    فالهوية الثقافية هي موضوع سيرورة شأن "الوجود". أنها موضوع ينتمي للمستقبل بقدر ما ينتمي للماضي، إنها ليست شيئاً ما موجوداً بالفعل مجاوزاً أو مفارقاً للمكان والزمان والتاريخ والثقافة. فالهويات الثقافية تنبثق من أماكن لها تاريخ، لكنّهم مثل كل شيء وحدث تاريخي يعانون ويكابدون التغيرّ والتحوّل الدائم.    الهوية الثقافية هي تعبير عن الحاجة للاعتراف والتقدير للإنسان كما هو تفردُه وتميّزه، ففي الهوية الثقافية تشغل جدلية الذات والآخر، وتعيد كل جماعة بشرية تأويل ثقافتها من خلال اتصالاتها الثقافية، أو قد تنتزع نحو المثاقفة وما شابهها، وهي كائن اجتماعي يتحوّل ويتغيّر من الداخل على ضوء تغيّر المصادر القيمية والسلوكات، ومن الخارج بفعل أشكال التأثير الخارجي الناتج عن علاقة الفرد بالمحيط، وايضاً كيان يسير ويتطوّر، وليست معطى جاهزاً ولا نهائياً. وهي تسير وتتطور امَّا في اتجاه الانكماش، وإمَّا في اتجاه الانتشار، وهي تعتني بتجارب أهلها ومعاناتهم، وايضاً باحتكاكها سلباً وايجاباً مع الهويات الثقافية الأخرى التي تدخل معها في تغايُر معها من نوع ما. ويضيف القول محمّد عابد الجابرى عن الهوية الثقافية:" أنها الحد المكتسب من المعارف والتصورات والممارسات الفكرية لدى الإنسان في محيطه الاجتماعي، والتي تلقاها لمصلحته ولمصلحة هذا المحيط". (22)    ونجد ايمانويل رينو E.Rinoفي مقاله "التصورات الأوربية للهوية" يتصوّر أن الهوية هي عبارة عن:" تصوّر يكوّنه فرد أو جماعة عن خصوصيتها، كما هو تمثيل لقيمتها الخاصة، ويمكن أن نسلّم على وجه صحيح لكل واحد بكونّه يستطيع أن يعيش حياته، وفقاً لما تتوقف عليه قيمه حسب رأيه. وأن مطالبات الهوية قد تعود إلى الإنكار الجذري لقيم الجماعات الإنسانية الأخرى ... وقد تكون مسألة الهويات الجمعية في غالب الأحوال مردودة إلى بعدها الثقافي، وبدون شك بكونها الأكثر استقراراً والأكثر جموداً. غير أنه يصعب أن نتكلم عن هويات بدون الرجوع إلى الهوية الشخصية، وتضّم هذه في ذاتها هويات جمعية عديدة (الهوية الأسرية، المهنية، الاجتماعية، السياسية، الدينية، الثقافية ...). والحال أن الهويات الجمعية إذا رُدَّت إلى الهوية الشخصية التي لا تكون منها إلا مثل مظاهر مختلفة، فإنها تفقد ظاهرها الثابت والجامد، لان من حق كل فرد أن يقف فيما بينها، وأن يُسهم في إعطائها دلالة ومعنى وقيمة. وهكذا تبدوا الهويات الجمعية كتصورات مستقلة لقيم نسبية وخاصة، إذا كان التفكير فيها يُنَّشِطها ...". (23)    إن المجتمعات المحلية تتمايز وتختلف باختلاف البيئة الطبيعية والايكولوجية (في أساليب تكيف الناس ومعيشتهم، وطرق مواجهتهم للحياة في بيئات مختلفة، فالبدوي أو الريفي أو الحضري هو نتاج هذه البيئات الايكولوجية). والبيئة الاجتماعية (في معيشة جماعة منظمة ومنظمة في مكان معين، تشترك في مجموعة من الاتجاهات والأهداف والمصالح، وأنماط السلوك والتصورات، والتي هي عبارة عن المشاعر الجماعية والأفكار، التي تزود الجماعة بوحدتها بصفتها الفريدة، وشبكة للعلاقات الاجتماعية التي تختلف بين المجالات متدرجة من الحياة الجماعية إلى الحياة الفردية، ومن ذاكرة جماعية لكل مجتمع محلي نابعة من الممارسات الاجتماعية والثقافية). والبيئة الثقافية (وما تتضمنه من أنماط معيشية، وأساليب فكرية وسلوكية، معتقدات ومشاعر واتجاهات، وقيم وعادات وتقاليد، وتكنولوجيا حديثة من عدمها. أي من أنماط تقليدية وأخرى حديثة ومعاصرة...). نفهم من كل هذا أن لكل مجتمع محلي أو جماعة في تجمع سكني تضع لنفسها مجالاً حيوياً مادياً معنوياً تتحرّك ضمنه، لإنتاج الحياة ولإعادة إنتاجها من جديد، والقيام بالأنشطة، والعمل على الإيفاء بالحاجات الضرورية للعيش.    إن التزام الأفراد ضمن مجالاتهم العمرانية الاجتماعية بالتمسك بالتنظيم الاجتماعي، وبالسير والقيم والمعايير الاجتماعية السائدة، أوللحياة الجماعية أو للحياة الفردانية المبنية على التغاير واللاتجانس. وبتقوية الروابط الانتمائية المؤكدة على التكامل والتضامن والتناصُر والانسجام كتوحُّد وإفراز للروح الجماعية في العمران التقليدي (البدوي.الريفي) أو الإضعاف منها وضعفها وانحلالها واستبدالها أو بشيوع النزعة الفردية والاستقلالية في العمران الحضري الحديث. كما أن ارتباط واندماج الأفراد ضمن جماعة انتماء، أو جماعة مرجعية، تدفعهم إلى تقمص شخصيتها، والتوحد وأنفسهم بها وبقيمها وقواعدها وضوابطها وسلوكياتها. بحيث يسعون من خلال هذا الانتماء إلى توطيد الهوية الجماعية. وفي المقابل دليل على وجوده، ومن ثمة تبرز سلوكيات الأفراد للتعبير عن الهوية والانتماء، وبالتالي تظهر لنا الهوية الجماعية أو الفردية التي تنشأ بين الأفراد ومجالاتهم (الحي.القرية.المدينة.الجماعة القرابية ...). وبهذا يمكن لنا القول إن الهوية هي التمسك بالذاكرة الجماعية والتي هي إعادة بناء الماضي. لذلك نجد لكل مجال عمراني ذاكرته الجماعية الخاصة به، تربط أفراده بعمرانهم، وتشكل لهم هوية خاصة تميزّهم عن المجتمعات المحلية الأخرى.    إذ تعتبر الهوية نتاجاً لسيرورة تاريخية وتفاعلات اجتماعية تتم في مجال اجتماعي معيَّن، وهذه التفاعلات تتولَّد عنها معاني وقيم وخبرات مشتركة بين الأفراد لتعطي لنا في نهاية الأمر خصوصيات، وخصائص الجماعات والمجتمعات، مما يضمن استمراريتها. وهذا المجال الاجتماعي تحكمه أولاً ديناميكية خاصة به تعمل على تغييره وتطويره، وكما تشكل أيضاً وعاء لعمليات الاندماج الاجتماعي، مما يؤثر سلباً أو ايجاباً على الهوية وتشكلها. ويؤدي إلى إعادة إنتاجها بصيغ وأشكال مختلفة.    فالهوية تعمل بعد ذلك بكل أشكالها وتشكلاتها على إعادة إنتاج هذا المجال الذي صاغها. وفق التفاعلات التي تحكمها الموارد المادية والرمزية في إطار زمني (بدو، ريف، حضر، قرية، مدينة). فإن تعدد الأطر والمؤسسات والانتماءات التي ينتجها المجال الاجتماعي تترك الأثر الكبير في وعي الأفراد، وسلوكاتهم، وعلى أفعالهم وتفاعلاتهم، بالقدر الذي هم موضوع لها، أو هي موضوع لهم، وكذا بقدر وعيهم والتزامهم بها من عدمه. (24)    إن الأفراد يتمتعون بشكل واعي أو غير واعي بحرية الاختيار في مجال تحديد هوياتهم، وهو الأمر الذي يسمح للفرد باستخدام العقل، حيث يمكن للشخص أن يتمتع بهويات مشتركة مع أكثر من واحدة، ويكون أحياناً اختيار من بين مجموعة من الهويات البديلة آو المتضاربة. 3- عناصر الهوية:                                                                                     يمكن التعرّف على عناصر الهوية بصفة عامة من خلال مؤشراتها أو الخصائص والمميزات المتعلقة بالأفراد والجماعات والمجتمعات، كما نجد مثلاً أو متداول غالباً (مكان الولادة، روابط الأسلاف والأجداد، الانتماء القبلي،الانتماء السياسي، الانتماء المهني التنظيمي، الارتباط بمكان ما، الانتماء للمجال الاجتماعي العمراني، محل الإقامة ونوعية السكن،السلالة، الاسم، التصورات والآراء، المعتقدات، التنشئة الاجتماعية، الشكل الفيزيائي الخارجي، المحتوى الداخلي، الزي ... الخ). وأيٍّ كان المستوى فإن للهوية الإنسانية فردية كانت أو جماعية، تتضمن مجموعة من العناصر يمكن الإشارة إليها فيما يلي: (25) - العناصر المادية والفيزيائية: وتشتمل على الحيازات، القدرات الاقتصادية والعقلية، التنظيمات المادية، الانتماءات الفيزيائية، والسمات المورفولوجية. - العناصر التاريخية: وتتضمن الأحوال التاريخية مثل (الأسلاف ،الولادة، الاسم، المبدعين، الاتحاد، القرابة، الخرافات الخاصة بالتكوين، تاريخ الحالة بصفة عامة). الأحداث التاريخية، الآثار التاريخية (العقائد، العادات، التقاليد، القيم، المعايير). - العناصر الثقافية والنفسية: وتتضمن النظام الثقافي مثل (العقائد، الأديان، الرموز الثقافية، الايديولوجية، نظام القيم الثقافية، أشكال التعبير الأدبي والفني). ثم العناصر العقلية مثل (النظرة إلى العالم، التصورات، نقاط التقاطع الثقافية، الاتجاهات والمعايير الجمعية). ثم النظام المعرفي ويتضمن (السمات النفسية الخاصة، اتجاهات نظام القيم، وبصفة عامة مقدمات الهوية). - العناصر النفسية الاجتماعية: وتتضمن الأسس الاجتماعية مثل (السن، الجنس، الاسم، المهنة، السلطة، الدور، المكانة الاجتماعية، الأنشطة، الانتماءات، الولاءات، ثم القدرات الخاصة بالمستقبل مثل القدرة والإمكانات، الإثارة الإستراتيجية،  التكيف والاندماج، ونمط السلوك). 4- وظائف الهوية : حدّد كاميلري C.Camilleriثلاث وظائف أساسية نوجزها بتصرُف فيمايلي: (26) - الوظيفة المعنوية: تلعب الهوية دوراً معنوياً في عملية إنتاج الذات الفردية والجماعية، وتأكيد الذات الفردية والجماعية، وإعادة ترتيب علاقتها بمحيطها من أجل إثبات وجودها وتحقيق الاستقرار فتجعلهم المنتمين إلى هوية معينة يحافظون على معرفة ذواتهم، ويعرّفون الآخرين بها، لأن الوعي بالذات ليس انتاجاً فردياً صرفاً، ولكنه ينتج عن مجموعة التفاعلات الاجتماعية التي يكون الفرد أو الجماعة منغمساً فيها، وانعدام أو انقطاع معنى "الذات" يؤدي إلى حدوث أزمة الهوية. ففي حالة عزل الذات عن هويتها قد يحدث بما نسميه بانعزال الهوية الذي هو قبل كل شيء تعبير عن التصرف والإقصاء والانسلاخ عن الهوية الأصلية وتشكيل هوية جديدة. - الوظيفة الإدماجية والكيّفية: أن المحيط الذي يعيش فيه الأفراد مليء بالتناقضات والتنوّع وعدم التوافق والتماثل والانسجام بين مكوناته، يكون مهدّد حقيقياً لوحدة وانسجام مقومات الهوية أو بين الأطراف والمكونات الثقافية المتمايزة. لذا ينبغي أن يكون بناء مقوماتها في تناغم مع المحيط عن طريق التفاوض. لذا فالهوية تسعى إلى إدماج وتكييف الأفراد والجماعات مع محيطهم، ومع الأوضاع المختلفة التي يوجدون فيها (تغيير السلوك والفعل أو تطويره طبقاً للظروف المحيطة) فالهوية تراعي الواقع، الذي تستقي منه أكبر قسط من مكوناتها. فالهوية تتأسس على عملية تحقيقها، وتوحيدها على المؤسسات والجماعات من اجل الاعتراف بها. - الوظيفة القيمية: يعتم الفرد بإسناد نفسه مميزات ذات قيمة ايجابية بناء على أناه المثالي، فهو يسعى إلى إنعاش العلاقة الايجابية مع الذات بعدما يحصل الاعتراف، فحينما تصير مبررة ومشروعه على نحو أساسي. ولأن الهوية مسألة لها قيمتها. ولا يمكن أن تستخلص قيمها إلا من خلال المعايير العليا للمجتمع وللجماعة، لذلك فالأفراد والجماعات حينما يعون أثناء عملية التفاوض مع المحيط الذي يعيشون فيه إلى تشكل هوية مرغوب فيها وذات قيمة لدى الآخرين. فالهويات تتغير وتتصارع من أجل الاعتراف بها في جو من الفضاء العام. - قائمة المراجع : * المقال مقتطف من مذكرة ماجستير للـ: الزبير بن عون، تحليل سوسيولوجي للصراع في الهيئات المحلية المنتخبة، مذكرة ماجستير في علم الاجتماع الاتصال في المنظمات، كلية العلوم الانسانية والاجتماعية، جامعغة ورقلة، الجزائر، 2012.
    01- المسيري عبد الوهاب ، وفتحي التريكي ، الحداثة وما بعد الحداثة. 02- م.روزنتال، و ب. بادين ، الموسوعة الفلسفية. 03- Petit Robert , Dictionnaire alphabétique et analogique de la langue francaise ,paris . 04- علي سعيد اسماعيل ، الهوية والتعليم. 05- الزاوي الحسين ، الشك ومكامن الغل في فلسفة المشهد الجزائري. 06- وهبة مراد ، المعجم الفلسفي. 07- سعيد اسماعيل علي ، نفس المرجع السابق. 08- للمزيد ارجع إلى ولد خليفة محمد العربي ، المسألة الثقافية وقضايا اللسان والهوية. 09- نفس المرجع. 10- مسلم محمد ، مقدمة في علم النفس الاجتماعي. 11- نفس المرجع. 12- سالم المعوش ، المدينة العربية بين عولمتين. 13- عبد الرحمان محمد السيد ، مقياس موضوعي لرتب الهوية.  14- Denis Couche , La nation de la culture dans les scienses sociales , Alger . 15- ايسمن يان ، الذاكرة الحضارية (الكتابة والذكرى والهوية السياسية في الحضارة الكبرى الاولى) . 16- Denis Couche , op. cit . 17- Manuel Castells , Le pouvoir de l identité , France.  18- عماد عبد الغني ، سوسيولوجيا الثقافة (المفاهيم والإشكاليات من الحداثة الى العولمة) . 19- رشوان حسين عبد الحميد احمد ، البناء الاجتماعي الأنساق والجماعات. 20- عيد محمد إبراهيم ، الهوية. القلق والإبداع. 21- لارتين جورج ، الايديولوجيا والهوية الثقافية (الحداثة وحضور العالم الثالث). 22-  حركات ابراهيم ، الصراع بين هويتين ثقافيتين. 23-  العظمة عزيز وآخرون ، الهوية (مفاهيم عالمية من اجل حوار بين الثقافات). 24- إشكالية الملتقى الدولي حول الهوية والمجالات الاجتماعية في ظل التحولات السوسيوثقافية في المجتمع الجزائري ، أيام 29.28.27فيفري 2011، كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية، جامعة ورقلة ، الجزائر . 25- علي سعيد اسماعيل ، مرجع سبق ذكره ، ص 39. 26- C.Camilleri , La culture et l identité (Concepts et enjeux pratiques de l interculturels) , Paris .
 
« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق