]]>
خواطر :
شوهدت ذئاب على أطراف الوديان في فرائس تتحينُ ...مرت عليها البهائم وهي تتعجب... ردت الذئاب على البهائم ، لما العجبُ لولا الفرائسُ لما وُجدت الذئابُ...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . الحياة فصول .. جلوسنا لدقائق , لا يعني إحتوائها تماما هي دقائق نتأملها ..لا غير.   (طيف امرأه) . اختصار الكلام براعة لا يجيدها كل أحد، كما أن الإسهاب فيه فن لا يتقنه إلا القلة، والعبقري من يجمع بين الحُسنين   (محمد النائل) . 

الثقافة الحضرية

بواسطة: الزبير بن عون  |  بتاريخ: 2013-06-27 ، الوقت: 19:24:26
  • تقييم المقالة:

 

الثقافة الحضرية.

 

- الزبير بن عون.

 

zoubir.benaoun@gmail.com

 

- تمهيد:

 

   يعتبر مفهوم الثقافة الحضرية من المفاهيم الأساسية في علم الاجتماع الحضري ومفهوم يبحث فيه ويدرس وقد اصّله الرواد الأوائل لمدرسة شيكاغوا من امثال لويس ورث وبارك وردفيلد وغيرهم وبحثوا في المفهوم واستخلصوا نتائج من خلال دراسة الثقافة الحضرية بالمدن الأمريكية وميزوا بين الثقافة الحضرية والثقافة الريفية .وقد سبقهم في هذا  عالم الاجتماع العربي ابن خلدون عندما ميز بين العمران البدوي والعمران الحضري أو بين خصائص اهل البدو وخصائص أهل الحضر وهذا الأخير أسهب فيه واستنتج خصائص تميز أهل الحضر وتندرج أفكار ابن خلدون ضمن مفهوم الثقافة الحضرية.كما بحث فيها عدة علماء فرنسيين .

 

   الثقافة الحضرية من المفاهيم التي تكثر فيها الفهم فيها وكل اتجاه وله تصور للمفهوم وفهم له. ولذلك فما دامت هناك اختلافات ونقص المراجع التي تتناول المفهوم بالشرح والتحليل والتمثيل له فقد ارتأينا أن نفكك المصطلح الى مفهومين هما " الثقافة " و" الحضرية"  بغرض ان يتضح لنا كل مفهوم على حدا ومن ثمة دمج المفهومين لنخرج في الأخير بمفهوم علمي سوسيولوجي للثقافة الحضرية سواء للباحثين في مجال علم الاجتماع الحضري أو كمفهوم اجرائي له.

 

- لذلك نحاول في هذا البحث أن نتطرق بالشرح والتحليل للعناصر السابقة الذكر:

 

1- مفهوم الثقافة:

 

يُعد مفهوم الثقافة من المفاهيم المحورية في علم الاجتماع بصفة عامة والأنتربولوجيا الثقافية بصفة خاصة. ويشكل مفهوم الثقافة أحد الأفكار الكبرى، التي ساعدت البشرية على إنجاز الكثير من التقدم العلمي والتطور الفكري، فالثقافة مفهوم يتميز بأنه ذا طبيعة تراكمية ومستمرة. فهي ليست وليدة عقد أوعدة عقود، بل هي ميراث اجتماعي لكافة منجزات البشرية.

 

الثقافة هي ذلك الجزء من البيئة الذي قام الإنسان بنفسه على صنعه وينطوي هذا التعريف ضمنياً على أن حياة الإنسان تدور في محيط طبيعي وآخر اجتماعي، وان الثقافة ليست خصائص بيولوجية، وإنما تمثل صفات اكتسبها الإنسان عن مجتمعه عن طريق التنشئة والتعلم والحركات والاستجابة الشرطية.

 

وهكذا تطلق الثقافة على ما يضاد الطبيعة والتلقائي، ويدخل في ذلك المهارات الفنية المختلفة والنظم الاجتماعية والمعتقدات وأنماط السلوك.

 

والثقافة في صورها المجردة مأخوذة ومستخلصة من مواقف وسلوك الإنسان الجماعي ومستنبطة من المناهج والمعايير والقوالب الفكرية لأفراد الجماعة، كما أنها تنعكس في الّآثار المادية والتكنولوجية التي تتبعها الجماعة في سبيل تحقيق وسائل وأهدافها.

 

لقد حاول ابن خلدون أن يقترب من معنى الثقافة عندما تحدث عن العمران، حيث يقول في مقدمته :" أن الاجتماع الإنساني ضروري ويعبر الحكماء عن هذا بقولهم الإنسان مدني بالطبع أي لابد له من الاجتماع الذي هو المدينة في اصطلاحهم وهو معنى العمران "1

 

أما الجابري فيعرفها بأنها:" ذلك المركب المتجانس من الذكريات والتصورات والقيم والرموز والتعبيرات والإبداعات والتطلعات التي تحتفظ بجماعة بشرية تشكل أمة او ما في معناها بهويتها الحضارية في إطار ما تعرفه من تصورات بفعل ديناميتها الداخلية وقابليتها للتواصل والعطاء، وبعبارة أخرى ان الثقافة هي المعّبر الأصيل في الخصوصية التاريخية لأمة من الامم عن نظرة هذه الأمة إلى الكون والحياة والموت والإنسان ومهامه وقدراته وحدوده، وما ينبغي أن يتم وفق قواعد جماعية وعقلية مرتبطة بالظروف العامة بتشكلها، وتصبح هذه الأنماط بذاتها مستقلة داخل البناء الاجتماعي تؤثر فيه وتتأثر به".2

 

ويعرفها صلاح قصوة بأنها:" الكل للوسيط المعقد المتشابك من الأنظمة التي تتضمن أساليب الحياة الانسانية المادية منها والروحية".

 

ويعرفها حليم بركات بأنها:" مجمل أساليب المعيشة في حياة الشعب اليومية التي تشمل بين عناصرها المترابطة في نسيج متكامل الرؤية العامة والقيم والمبادئ والمفاهيم والتقاليد والعادات والمعتقدات والمقاييس والمعايير والمهارات والأعراف والأمثال والروايات والمناقب الأخلاقية والقواعد السلوكية اليومية".

 

إن الثقافة بمعناها الانثروبولوجي هي أسلوب أو طريقة الحياة التي يعيشها أي مجتمعبما تعنيه من تقاليد وعادات وأعراف وتاريخ وعقائد وقيم واهتمامات واتجاهات عقليةوعاطفية وتعاطف أو تنافر ومواقف من الماضي والحاضر ورؤىللمستقبل.   

 

 

إنها طريقة تفكير وأنماط سلوك ونُظُم ومؤسسات اجتماعية وسياسية وما يعيشه المجتمع من انفتاح أوانغلاق، فالثقافة بهذا المحتوى العلمي هي في الغالب لا تأتي قصداً من الأفراد وإنمايكتسبها الناس امتصاصاً من البيئة منذ ولادتهم، وإذا اكتسبوها بالقصد فإن قصْدهميكون محدَّداً بالبرمجة من الأهل والمجتمع، فهم يتشرَّبون ثقافة أهلهم ومجتمعهممثلما يتشرَّبون اللغة الأم ويحكمون على كل شيء وفق المعايير السائدة التي امتصوهاامتصاصاً تلقائياً،وامتزجت بعقولهم ووجدانهم.. فهي تحركهم بمخزون اللاشعورولكنهم يتوهمون أنهم يفعلون ذلك بمحض اختيارهم وفيض إرادتهم ويجهلون أن مصدر هذهالثقة هو البرمجة الراسخة فيظلون مأخوذين بما تبرمجوا عليه ولا يخطر على بالهمأنيرتابوا فيه أو يراجعوه، ومن هنا تمايزت أوضاع المجتمعات. إن تنوع الثقافات هو الذي يحدِّد تنوع المجتمعات فإليه تعود الاختلافات الكثيرة والكبيرة في الأحوال والأوضاع وطُرق التفكير وأنماطالسلوك، كما أن التنوع الثقافي هو الذي يحدِّد المستويات الحضارية للمجتمعات وهوالسبب في هذا التفاوت الشاسع في درجات التخلف أو التقدم.

 

عرفها تايلور taylourفي كتابه الثقافة البدائية عام 1871 بأنها :" هي ذلك الكل المركب المعقد الذي يشمل المعرفة والمعتقدات والفنون والقانون والأخلاق والعادات والعرف، وكافة القدرات والأشياء الأخرى التي تؤدي من جانب الإنسان باعتباره جزءاً وعضوا في المجتمع.3

 

وكذلك يدور تعريف "ميشال مان"  M.Mannحول الذي أشار أليه تايلور في أن الثقافة في رأيه تشمل الأفكار والممارسات والأدوار والرموز والفنون، وكافة أنواع الانتاجات البشرية.

 

 

ويشمل هذان التعريفان النتاج غير المادي الذي ينبثق من خلال التفاعل الاجتماعي بين الأفراد، وهذه الأساليب الثقافية في الأفعال أو التفكير لها اتصال مباشر بالحاجات الإنسانية للإنسان.

 

كما ذهب "كلاكهون وهوبيل" إلى أن عامل السلوك المكتسب أي المنقول عن طريق اللغة والرموز والإيحاءات التي تميز الجماعات الإنسانية بما في ذلك الأشياء المصنوعة يعتبر ركناً هاما في تعريف الثقافة ...هذا السلوك الذي يتعلمه كل جيل جديد في جماعة من الافراد عن طريق التنشئة الاجتماعية والثقافي المستمر. ولذلك ننتج إلى ّأن الثقافة في جوهرها محصلة السلوك الإنساني،أو شروط ضرورية لهذا السلوك، وهي بمثابة التراث الاجتماعي الذي ينتقل من جيل إلى جيل .

 

ويضاف إلى ذلك الأشكال الأخرى للتفاعل الرمزي والتصورات والأفعال والمعاملات والممارسات الاجتماعية والعلاقات والتفاعلات الاجتماعية، وكذا الصفات المكتسبة كالمعرفة والخبرة والمهارة وأنواع التقدم العلمي والقيم والعادات والتقاليد ... وتكون هذه العناصر في مجملها وجهة النظر المشتركة فيما بين الأفراد وتربطهم معاً كوحدة اجتماعية كلية.

 

يعرفها ريدفيلد على أنها مجموعة من المفاهيم والمدركات المتفق عليها أو المصطلح عليها في المجتمع، وهي تنعكس في الفن والفكر وأوجه النشاط، وتنتقل عن طريق الوراثة عبر الأجيال لتكتسب الجماعات صفات وخصائص متميزة، وقد استخلص تعريفه من دراسته حول المتصل الريفي الحضري " مجتمع الفولك " وخرج أن لكل مجتمع محلي ثقافته المتميزة له ويؤثر ويتأثر بها.

 

وفي تعريف أخير لها نضعه للعالم كلينبرج klinbergعلى أنها ذلك الكل المتعلق بأسلوب الحياة ويشير سوركين باعتبارها تتكون من المعاني والقيم والمعايير والتفاعل والعلاقات بينها، وهي تتجسد في أفعال ظاهرة في العالم الواقعي السوسيوثقافي.5

 

 

وتحدد هذه الثقافة نظرة الأفراد للحياة وتوجه أفعالهم، فكل ثقافة تحتوي على عدد ضخم من الموجهات المباشرة من السلوك الاجتماعي في مواقف معينة.

 

1-1- الفرق بين الثقافة والحضارة – المدنية - : ( موسوعة مقاتل من الصحراء)

 

أصل كلمة ثقافة Cultureمشتق من الفعل اللاتيني Colereوتعني الزراعة، وأصبحت الكلمة تستخدم لتعبر عن زراعة الأفكار والقيم. أما كلمة مدنية Civilizationفتشتق من كلمة Civisاللاتينية، وتعني المواطن في صورة سلوكية معينة. وعلى الرغم من وجود خلط بين المفاهيم الثلاثة (الثقافة والمدنية والحضارة)، إلا أن بعض العلماء المحدثين اجتهدوا في توضيح الفروق بينهم. وبدأت هذه التفرقة بين مصطلحي الحضارة والثقافة في ألمانيا.

 

إذ قال توماس مان: الثقافة هي الروح الحقيقية، بينما الحضارة هي الآلية Machanization. وذهب العالم الألماني ألفرد فيبر Weberإلى أن الحضارة هي المجهود الإنساني للسيطرة على الطبيعة، بينما الثقافة هي مظاهر الحياة الروحية والأخلاقية التي تسود المجتمع. أي أن الثقافة تعبر عن المظهر الروحي للمجتمع، بينما تعبر الحضارة عن مظاهر التقدم التكنولوجي. أما المدنية فهي مجموعة الصفات الرفيعة الفاضلة، التي يستخدمها الإنسان في تصرفاته وعلاقته مع الآخرين، فالمدنية تعني التقدم والسير إلى الأمام.

 

وميّز ألفريد فيبر بين مفهومي الحضارة والمدنية من خلال "المدنية والمجتمع والحضارة". ويعني بـ"المدنية" نمو فروع المعرفة وتقدم سبل السيطرة الفنية على القوة الطبيعية، ذلك التقدم المتماسك الذي يخضع لنظام معين. وينتقل من شعب إلى آخر. أما المجتمع فهو شعب متمركز في مكان معين، والثقافة هي طريقة هذا المجتمع في الحياة. أما "الحضارة" فلا يمكن أن تفهم إلا إذا دُرِست دراسة تاريخية، توضح تطور أجزائها وعلاقتها الواحدة بالأخرى. وتختلف الثقافة عن الحضارة؛ فلكل مجتمع  - بسطه ومعقده - ثقافة معينة هي كل نتاج الفكر المجتمعي، ونتاج هذا الفكر ومشتقاته. أما "الحضارة" فهي النواحي العملية والمادية لثقافة الأقوام المتحضرة، الذين عاشوا ومارسوا أساليب الحضر. ومما يوضح الفرق أيضاً تميز الثقافة بأنها تراكمية ومكتسبة وتنتقل من جيل إلى جيل، أما الحضارة فهي وإن كانت من أوجه الثقافة، إلا أنها مميزة بوصفها نتاجاً مستقلاً، أي من نوع خاص قد يختص به مجتمع معين في فترة تاريخية، دون أن تنتشر منه إلى مجتمع آخر.

 

ويضاف إلى هذا أن بعض الآراء ترى أن هناك تعاقباً بين الثقافة والحضارة، ومن دعاة هذا الرأي أزوالد شنجلر في كتابه "تدهور الغرب" الذي جعل لكل ثقافة حضارة. كما أكد على أن المصطلحين يعبران عن مرحلتين متعاقبتين في كل دورة مجتمعية، لأن التاريخ الإنساني عند " شبنجلر "  يسير في دورات ثقافية وحضارية مقفلة، كل منها مستقلة عن الأخرى، وكل دورة من هذه الدورات تبدأ بالثقافة، التي هي ضرورة لبناء أي جماعة ولبناء تنظيمها الفكري والاجتماعي.

 

إن ما يعزز الآراء السابقة ما قاله عالم الاجتماع بول لانديس Paul Landis، من أن: الثقافة تختلف عن الحضارة التي لها معنى أضيق من الثقافة. فالحضارة تقتصر على تلك الشعوب ذات المستوى الرفيع من التطور الثقافي. والشعوب التي وصلت إلى درجة عالية من التقدم (المتمدنة)، ترى في الحضارة كافة العناصر المادية وغير المادية، التي ابتكرها الإنسان. أما الثقافة فتوجد في كل الشعوب، بسيطها ومعقدها؛ فالشعوب البدائية لها ثقافة والشعوب المتقدمة لها ثقافة. وأن الاختلاف بين المفهومين ليس في النوع؛ ولكن في الدرجة من حيث مستوى التقدم.

 

إن الثقافة تشمل جميع جوانب الحياة المعنوية والمادية، وتوجد في كل المجتمعات، البسيطة والمعقدة، أو المتقدمة والمتخلفة، على حد سواء. أما الحضارة، فتشمل كل المنجزات المادية والعملية فقط، التي أنتجتها المجتمعات أثناء التفاعل بين الإنسان والبيئة الطبيعية. وتُعَد المدنية إحدى درجات الحضارة؛ أي إحدى صورها؛ فهي عنصر جديد متطور من الحضارة.

 

واما الحضارة يراد منها التعبير عن طراز العيش الّذي يسود مجتمعاً من المجتمعات، أي هويّة ذلك المجتمع. وعلى حدّ تعبير "رالف لنتون" " فالمجتمع عبارة عن مجموعة منظَّمة من الأفراد، والحضارة مجموعة منظَّمة من الاستجابات الّتي تعلَّمها الأفراد وأصبحت من مميِّزات مجتمع معيّن». وواضح للعيان تاريخاً وحاضراً أنّ لكلّ مجتمع طريقة في العيش تميّزه عن سائر المجتمعات تجعل منه جماعة بشريّة ذات شخصيّة معيّنة ولون متميّز وهويّة خاصّة هذه الطريقة من العيش الّتي تميّز مجتمعاً عن آخر هي ما يعبَّر عنه "بالحضارة". لذلك لا بدّ من أجل الوصول إلى "تعريف الحضارة" من معرفة العوامل الّتي تجعل للمجتمع طريقته الخاصّة في العيش، وتميّزه عن سائر المجتمعات.6

 

من المعلوم أنّ المجتمع هو مجموعة من الناس تؤلِّف بينهم علاقات مستمرّة، بها يقوم ذلك المجتمع وبتميّزها يتميّز، أو على حدّ تعبير "توينبي" « إنّ المجتمع البشريّ هو في ذاته نظام للعلاقات بين الكائنات البشريّة ». وهذا النظام الّذي يربط الأفراد فيشكلّ المجتمع إنّما هو مجموع ما يحمله هؤلاء الناس من أفكار ومشاعر وما يرعى شؤونهم من تشريعات وقوانين. فسلوك الإنسان وعلاقاته مع الآخرين إنّما تتحكّم بها مفاهيمُه الّتي هي مزيج من الفكر والشعور، كما أنّ التشريعات الّتي تقوم السلطة على رعايّة شؤون المجتمع بها، تتحكّم إلى حدّ كبير بعلاقات المجتمع، وبالتالي تؤثِّر إلى حدّ بعيد في نمط العيش فيه.7

 

وبناء عليه فإنَّ المجتمع هو " مجموعة من الناس تربطهم أفكار ومشاعر وأنظمة»، وإنّ هذا المجتمع يصنَّف بحسب هذه المنظومة من الأفكار والمشاعر والأنظمة، فإن كانت إسلاميّة مثلاً كان إسلامّياً، وإن كانت ليبراليّة كان ليبراليّاً… وهذه هي عين الحضارة. فالحضارة والمجتمع على حدّ تعبير "رالف لنتون":"يتّصلان ببعضهما عن طريق الأفراد الّذين يكوِّنون المجتمع ويفصح سلوكهم عن نوع حضارتهم"8
يقول "صامويل هانتغتون" :" فما الّذي نعنيه عندما نتحدّث عن حضارةٍ ما؟ إنّ الحضارة هي كيان ثقافي. فالقرى والأقاليم والمجموعات الإثنيّة والقوميّات والمجموعات الدينيّة لها جميعها ثقافات متميِّزة… وهكذا فإنَّ الحضارات هي أعلى تجمُّع ثقافيّ للناس وأوسع مستوى للهويّة الثقافيّة للشعب ولا يسبقها إلاّ ما يميِّز البشر عن الأنواع الأخرى. وهي تحدَّد في آن معاً بالعناصر الموضوعيّة المشتركة، مثل اللغة والدين والتاريخ والعادات والمؤسَّسات، وبالتحديد الذاتيِّ الّذي يقوم به الشعب نفسه " 9
ولتوضيح مجال الوفق والفرق بين "الثقافة" و"الحضارة" نستنتج أن الحضارة هي ذلك الجانب من الثقافة الّذي تحوّل إلى مفاهيم مشتركة في مجتمعٍ ما. بحيث شكّل عرفاً عامّاً له وصاغ مشاعر الناس فيه واستأثر برعايّة شؤونهم، فجعله مجتمعاً معيّناً ذا شخصيّة خاصّة وهويّة متميّزة. وبناءً عليه، من الخطأ إدخال المعارف الثقافيّة الّتي لم تتحوّل إلى واقع يعيشه الناس في مجتمعهم في مفهوم الحضارة. فإذا كانت الثقافة الغربيّة الحديثة والمعاصرة تحوي العديد من التيّارات الفكريّة المتفاوتة فلا يصحّ أن نُدخل في مفهوم "الحضارة الغربيّة" إلاّ تلك الّتي وجدت قبولاً لدى الرأي العامّ،

 

فتحوّلت عرفاً عامّاً أسهم في صياغة المجتمع ونمط عيشه. وأمّا ما سواها فإنّها تبقى ثقافات فرديّة مهما كثر أتباعها من "الأفراد". وبتعبير مختصر : إنّ الحضارة هي "الثقافة المكوِّنة" للمجتمع.10

 

1-2- خصائص الثقافة:

 

تختلف الثقافة باختلاف المجتمعات، وتختلف أيضا في المجتمع الواحد في فترة زمنية معينة عنه في فترة زمنية أخرى، وتختلف كذلك مكوناتها من مجتمع لآخر.

 

 - الثقافة سلوك: يمكن تعلمه من خلال اللغة وما تتضمنه من رموز.

 

- الوجدانية – الاكتساب والتعلم .

 

- السمات: كل مركب ينقسم إلى وحدات تسمى السمات الثقافة يتمثل في السكن العائلي كجانب من جوانب الثقافة، ويتكون السمات المادية في تقسيم الغرف داخل المسكن وطبيعة السكن وتفصيله وهيكلته وتخطيطه وحتى المفروشات وأدوات الطهي وغيرها، أما يشمل السمات غير المادية على التفاعل والرموز وعلى اتجاهات الأفراد داخل المسكن اتجاه بعضهم البعض واتجاه العالم الخارجي وكذا طرق التفاهم فيما بينهم.

 

1-3- الأنماط الثقافية:

 

- التراكم- التكامل – التعقيد – الاستقلالية – الاستمرارية – المتغيرة – المتنافسة – القابلية للتنقل والانتشار –

 

1-4-تصنيف الثقافة:

 

- الثقافة المادية: وهي المنتجات الإنسانية المحسوسة التي يمكن أن نختبرها بالحواس تتمثل في المباني والسيارات والقطارات والطرق والعمران واللباس وطرق تخطيط المدن.

 

- الثقافة اللامادية: هي من أهم أركان الثقافة ويقصد بها المظهر التجريدي وتنقسم إلى جزئين الأفكار والمعايير، وقد تبدو في الآمال والمشاعر والاتجاهات والتقاليد والمعرفة والأفكار والمعتقدات. وقد تشمل أنماط السلوك التي تتمثل في العادات والتقاليد، والتي تعبر عن المثل والقيم والأفكار والمعتقدات وكذلك الكلمات واللهجات المستعملة بحيث نجد أن كل منطقة حضرية ولهجتها وكل مدينة وأسلوب حديثها.11

 

2- الحضرية:

 

تعني الحضرية أو الحضارة في اللغة الاستقرار أو الإقامة الدائمة في الحضر، والحضر والحضار والحضارة هي خلاف البادية، وتبدى الحضري أي أقام بالبادية، وتحضر البدوي أي أقام في الحضر.

 

وتدل الحضر على الجانب المادي من النشاط الإنساني في اتصاله بالطبيعة، وذلك كالعمران والمدينة وتدل الحضرية على الجانب اللامادي.

 

الحضرية تشير إلى طريقة الحياة المميزة لأهل المدن الذين يتبعون عادة أسلوبا أو نمطا معينا في حياتهم، وهو أمر يتعلق بالسلوك اليومي، فالناس يتكيفون نفسياً مع متطلبات المدينة، وأحد مظاهر هذا التكيف هو الذي جعل سلوكهم مطابقاً لسلوك رفاقهم من الحضريين.12

 

الإنسان الحضري يمارس أسلوب حياة، وأن الحضرية والإنسان المتحضر يعني انه يمارس أسلوبا من الحياة مشتملا على أوجه نشاط فكري واجتماعي واقتصادي وسياسي وديني وفني.

 

تعبر الحضرية عن الحياة بأحاسيسها وأشواقها وتقاليدها وتطلعاتها وتبدوا فيها مستويات من الثقافة أكثر تقدماً، فهي المؤشر الذي يميز مجتمع عن آخر.

 

الحضرية هي نمط من انماط السلوك، ولا شك أن كل سلوك هادف ومنضبط، فتصبح أنماط السلوك الحضري وظوابطه واهدافه بالضرورة ظواهر مستمدة مما يسود " البناء الحضري" من معايير ونظم.13

 

وفي هذا الصدد وضع العالم الأمريكي " كروبر " تصنيفا للمناطق الحضرية يعتمد على عدة عناصر في مقدمتها:14

 

  - البيئة الكلية: وتشمل البيئة الجغرافية الطبيعية، والمصدر الذي يحصل منه السكان على طعامهم وطرق مساكنهم، والنظام الاجتماعي ونظام الزواج والمعتقدات الدينية والعرف والأساطير السائدة .

 

  - الثقافة المادية: وخاصة الناحية التكنولوجية، وتصرف الإنسان إزاء الآلات الصناعية.

 

  - الفنون السائدة في المجتمع: أشار إلى بعض المناطق الثقافية كقبائل " كيميويه" الذين يقطنون بيئة جغرافية ساحلية ووصف طرق معاشهم.

 

ولكن إذا كانت الحضرية تحمل بين طياتها الإشارة إلى انبثاقها من المدن إلا أنها في الواقع مجرد طريقة في السلوك والثقافة فحسب، أي سلوك له طريقته الخاصة وسماته التي تميزه عن غيره، وهي ليست تعبيراً مقصوراً على الحياة في المدن، فقد نجد نسبة كبيرة من السكان تعيش في المدن " مستوى عالي من التحضر " بينما أفرادها ما زالوا في الواقع طبقاً لقيمهم وهوياتهم الاجتماعية والثقافية ريفيين " مستوى منخفض من التحضر " والعكس.

 

إذا استخلصنا الحضرية وفق مفهوم لويس ورث نعتبرها كأسلوب للحياة يعكسه واقع البناء الاجتماعي والتنظيم الاجتماعي.

 

وان الدرجة التي يمكن معها أن نطلق على مصطلح الحضرية للمدن، لأنها لا تقاس بنسبة السمان والذين يعيشون المدن، وهذا يرجع إلى أن التأثير التي تمارسه المدينة على الحياة الاجتماعية للإنسان أكبر من معدل نمو السكان الحضريين، لان المدينة ليست مجرد المكان الذي يعمل فيه الإنسان الحديث ،أو يأوي إليه على أنها المكان أو المركز الذي يضبط ويمسك بزمام المبادأة الاقتصادية والسياسية والثقافية.

 

ان النظرة الى المدينة بوصفها كيانا اجتماعيا لم تتحدد بصورة كاملة الا في وقت متأخر نسبياً ومن خلال بعض الكتابات المهتمين بدراسة قضايا التحضر بالمدينة، ويعد لويس ورث أول من تناول قضية المدينة بشكل مباشر بوصفها كيانا اجتماعيا، وذلك من خلال مقولته المشهورة:" التحضر ماهو إلا أسلوب للحياة" وكان يهدف إلى توجيه أنضار الباحثين الى أهمية البعد الاجتماعي باعتباره من المقومات المهمة للحياة الحضرية.لكن مقولته تعكس العلاقة الوطيدة بين العوامل الاجتماعية والاقتصادية والجغرافية والإدارية التي تحدد في النهاية نوعية هذا الأسلوب من نوعية الحياة.

 

التحضر كما يرى لويس ورث:" طريقة للحياة بما تتضمنه من مقومات اقتصادية واجتماعية وثقافية وسياسية، بشرط ان تتجسد هذه الطريقة أو الأسلوب في أنماط للفكر والسلوك يمكن تمييزه ووصفه بانه فكر حضري أو أسلوب حضري.15

 

- إن تعريف المدينة السوسيولوجي لا بد وان يسعى لانتقاء عناصر الحضرية التي تميزها كأسلوب للحياة. وان أول من اعتبر المدينة كيانا اجتماعيا هو " لويس ورث " بحيث عرفها بأنها :" وحدة عمرانية كبيرة نسبياً تتميز بكثافة سكانية، وهي مقر دائم لأفراد غير متجانسين اجتماعياً ويحتوي مفهومه للمدينة بوضوح على :

 

 كبر حجم المدينة *- الكثافة السكانية – ازدياد درجة عدم التجانس في المجتمع – بروز الخصائص المميزة للحياة الحضرية.16

 

اهتم لويس ورث في مطلع نظريته بالكشف عن صور الفعل الاجتماعي والتنظيم الاجتماعي التي تظهر في المدن بوجه عام، واعتقد أن مثل هذه الصور يمكن نسبتها منطقياً الى الحجم المتزايد لضخامة المدينة، والى كثافة السكان وعدم تجانسهم إلا انه تجنب باعتبار هذه الخصائص بمثابة العوامل التي يمكن أن تؤدي إلى نتائج مباشرة تطبع حياة المدينة بطابع خاص يميزها عن أي طابع آخر لأي تجمع إنساني مختلف، واكتفى من هذا الصدد بان يؤكد أن الحجم الكبير والثقافة العالية للسكان ولا تجانس حياتهم الاجتماعية المنظمة لنما يؤدي إلى مجموعة من القضايا يمكن ان تصلح لتحليل حياة المدينة أو الحياة الحضرية بوجه عام.

 

الروابط السطحية التي تربط سكان المدينة بعضهم ببعض ذات صلة وثيقة بنموها وتباين سكانها وقد توصل إلى ذلك "ورث" من مقارنو سكان المدينة الذين يتعرضون لتجديدات وتغيرات اجتماعية مستمرة تؤدي إلى تغير وتعديل انتماءاتهم الثقافية، بسكان القرية الذين يستطيعون أن يعيشوا دون أي تغيير يذكر في ظل تراث ثقافي مشترك.17

 

ان الحضرية ليست مجرد حجم السكان وكثافتهم او الأنشطة المادية والتكنولوجية التي يتطبع بها المكان، وذلك لان الاثار التي تخلفها المدن على الحياة الاجتماعية للإنسان أكبر واشد من الدرجة التي يمكن أن يخلقها حجم السكان وكثافتهم.

 

إن المدن هي بيت طبيعي لعمليات من النمو والتطور فان الآثار التي تمارسها في طبع نمط حياة الإنسان لا يمكنها أن تمحو نهائياً نمط الحياة القديم الذي عرفته المجتمعات البشرية وترابطها.

 

ان الحضرية هي طريقة او أسلوب للحياة يعكسه واقع البناء والتنظيم الاجتماعي القائم.18

 

تجنب ورث ان يعتبر هذه الخصائص بمثابة العوامل التي يمكن ان يؤدي إلى نتائج مباشرة تميز حياة المدينة بطابع خاص، واكتفى بقوله ان تلك الخصائص إنما تؤدي إلى مجموعة من القضايا يمكن أن تصلح لتحليل حياة المدينة أو الحياة الحضرية في همومها ومن بين تلك العوامل:

 

- إن نمو المدينة وتباين سكانها يؤدي إلى ظهور الروابط الشخصية والضعيفة التي تربط سكان تلك المدينة.

 

- إن الزيادة في نمو حجم المدينة يؤدي إلى عدم معرفة الفرد ببقية سكان المدينة معرفة شخصية مباشرة.

 

- يرى أن مصاحبات تقسيم العمل داخل المدينة يودي إلى أن المدينة تفتقد إلى روح العائلة باستمرار، وتزداد الفردية فيها بشكل ملحوظ.

 

- ان الزيادة في حجم المدينة قد يؤدي الى امتداد أطراف حدودها التقليدية .

 

- تؤدي الزيادة في كثافة السكان الى ظهور أنماط من التخصص في المدينة في مجالات الحياة الاجتماعية وأنشطتها المختلفة.19

 

أما " روبرت بارك " فالمدينة عنده ليست مجرد تجمعات من الناس مع ما يجعل حياتهم أمراً ممكناً مثل الشوارع والمباني والكهرباء ووسائل المواصلات، كما أنها مجرد من النظم والإدارات مثل المحاكم والمستشفيات والمدارس والشرطة والخدمات ... والمدينة من نوع آخر ؟

 

المدينة فوق كل هذا اتجاه عقلي مجموعة من العادات والتقاليد إلى جانب تلك الاتجاهات المنظمة والعواطف المتأصلة في هذه العادات، والتي تنتقل عن طريق التقليد.

 

إن المدينة بمعنى آخر ليست مجرد ميكانيزم فيزيائي أو بناء صفة الإنسان، ذلك لأنها متضمنة في العمليات الحيوية التي تنظم الناس الذين يكونونها أنها نتاج الطبيعة وذات طبيعة إنسانية على وجه الخصوص

 

إن المدينة كما يقول " شبنجلر " لها ثقافتها الخاصة، وهي بالنسبة للإنسان المتمدن مثل المنزل بالنسبة للقروي

 

لقد درست المدينة من وجهة نظر جغرافيتها، أو من وجهة نظر ايكولوجيتها، لان هناك قوى ذات فعالية خلال حدود المجتمع الحضري، أي خلال حدود أي منطقة طبيعية يسكنها الناس، تعمل " إي الحدود " على خلق تجمعات نمطية منظمة من سكانها أو نظمها، والعلم الذي يبحث من اجل عول ووصف هذه المجموعات النمطية للناس والنظم التي تتعاون هذه القوى على خلقها هو ما نسميه إنساني.

 

إن المدينة ليست مع ذلك مجرد وجود إقامة طبيعي للإنسان المتمدن، ولهذا السبب فإنها تعتبر منطقة ثقافية تتميز بنمطها الثقافية المتميز.

 

عرف ماكس فيبر المدينة على انها :" ذلك الشكل الاجتماعي الذي يؤدي الى ظهور أنماط متعددة وملموسة في أساليب وطرق الحياة، ومما يسمح بظهور أعلى درجات الفردية الاجتماعية، وهي بذلك وسيلة للتغير الاجتماعي التاريخي".20

 

أما جورج زيمل فذكر أن الحياة العميقة للحياة تنبع من مطلب الفرد أن يحافظ على استقلاليته وفرديته ووجوده في وجه القوى الاجتماعية الهائلة والتراث التاريخي والثقافة الخارجية.21

 

-- وبعد تحليل كل مفهوم على حدا وتبيان مفهومه وتعريفه نحاول فيمايلي الدمج بين المفهومين وتركيبهما ليكون مفهوم الثقافة الحضرية كمفهوم علمي ومجال علمي بحثي في علم الاجتماع الحضري والذي أسهم فيه العلماء إسهاما عظيماً كان له الأثر البالغ في دراسته المدينة مزيداً من الجدية والعمق والثراء وذات طابع سوسيوثقافي بحت.

 

3- الثقافة الحضرية:

 

تمثل هذه النظرية أعمال جماعة من العلماء ممن اهتموا بدراسة أثر المدينة على البناء الاجتماعي والايكولوجي، أو ممن اتخذوا على حد تعبير جوبرج من المدينة أساسا لتفسير بعض الأنماط الحضرية كـ " لويس ورث " و " روبرت ريدفليد" وقد اسماها " فرازمان بنظرية التعارض والتني عنيت بإبراز خصائص المجتمع الحضري كنمط متميز بمقارنة بنمط المجتمع المحلي، وبحيث أصبحت المدينة تأخذ محتوى ثقافياً خاصاً ،وتصبح تبعاً لذلك متغيراً تحليليا لتفسير هذا المحتوى، بحيث تعتبر الثقافة الحضرية باعتبارها طريقة للحياة.22

 

كما يعد " روبرت بارك " أبرز المؤسسين الأوائل لمدرسة شيكاغو، وقد قدم اسهاماً في المدينة وأكد في هذا المجال عدداً من القضايا الهامة التي نجملها على النحو الآتي:23

 

  - المدينة مكان طبيعي لإقامة الإنسان المتحضر.

 

  - المدينة بناء طبيعي يخضع لقوانين خاصة من الصعب تجاوزها .

 

  - المدينة بناء متكامل .

 

  - المدينة منطقة ثقافية.

 

* يقول " شبانوا " أن العالم عبارة عن تصورات من خلال التفاعل داخل المدينة تنتج تصورات فردية – اجتماعية وهذه التصورات هي التي تبنى بها الحياة الاجتماعية الحضرية، وتكون عن طريق الاجتماع والتفاعلات والعلاقات الاجتماعية المتينة والأفعال والسلوكات والمعاملات اليومية.

 

لماذا طابع أو طراز البناء في مدينة ما يكون بشكل معين وبألوان معينة وبهندسة خاصة ومحددة وخصائص تميزها.

 

التصورات هاته الاجتماعية والسياسية والثقافية والتاريخية لها انعكاس على سلوكات وأفعال الأفراد داخل المجتمع الحضري، وبذلك تنشأ صورة خاصة للمدينة الحضرية وهذه هي سمة من سماتها وبالتالي تصبح ثقافة حضرية تطبعها.

 

3-1- أصل الثقافة الحضرية وتاريخانيتها:

 

لدراسة المدينة بشكل متكامل ينبغي التعرف على موقعها الجغرافي وحدودها المكانية وظروفها من حيث المناخ والطقس والاحوال البيئية التي تتعرض لها ، كما أنه من الضروري أن نحصر سكانها ليس من حيث الحجم فقط، وانما أيضا من حيث توزيعهم وخصائصهم وكل المشكلات التي يتعرضون لها، ذلك أنه يكون فارغ المعنى ان لم يرتبط بتحليل شامل للهيكل الاقتصادي للمدينة فتحدد مواردها الطبيعية والبشرية ومصادر الإنتاج بها  وتخصصها الانتاجي وحراك الموارد منها واليها ، كما ان للبعد التاريخي يؤدي الى تفسير الأوضاع الحالية التي نجد عليها المدينة سواء من حيث النشأة، أو التطور أو الأوضاع المستقبلية. أما الإطار السياسي فيشكل بعداً هاما وأساسيا فالمدينة دائما وعلى مر العصور كانت مركزاً للتنظيم السياسي والإدارة والحكم، كما أنها تمثل الشكل السياسي الرسمي للدولة الذي يمتد تأثيراته لبقية أرجاء المجتمع. ويمثل البعد الاجتماعي محوراً حيوياً فهو يمثل محصلة لكل الأبعاد السابقة بحيث يمكن الاستعانة به دائماً في كافة الجوانب الأخرى، فما ذكر آنفاً عن السمات التي تشخص سكان الحضر لم تتكون هكذا دون جذور تربط فيما بينها، وتتمثل هذه الجذور في نسق للقيم يكاد يتشابه الى حد بعيد بين سكان هذا النمط على اختلاف المجتمعات وتنوعها ويتحدد محتوى هذا النسق في كل الأبعاد السابقة فهو انعكاس صادق لنوعية المهنة وكمية الدخل ومستوى التعليم ونظام السكن أي أنه باختصار صورة لنوعية الحياة التي يعيشها سكان الحضر.

 

ومن هنا نفهم انه ليس حقيقي النظر إلى المدينة أو الوحدة الحضرية على إنها فقط هيكل اقتصادي أو بناء فيزيقي أو وحدة إدارية بل هي أي المدينة كل ذلك وفوقه هي نظام اجتماعي. 24

 

- ذهب ابن خلدون إلى أن المدن تطبع سكانها بطابع خاص ويؤثر في نشاطاتهم وعلاقاتهم الاجتماعية، كما إنها تتطور بسرعة من حيث الاتساع المكاني، وازدياد معدلات نمو السكان ومظاهر العمران المختلفة، وهذا التطور من شأنه أن يحدث تطوراً متشابها في العلاقات والنظم الاجتماعية المميزة لسكان المدن، أما المناطق البدوية فهي تتطور في رأي ابن خلدون ببطء شديد وتتم الظواهر الاجتماعية السائدة فيها بطابع الثبات والاستقرار النسبيين. وكتب عن هذا " طبيعة العمران في الخليقة وما يعرض فيها من اليد والمضر والتغلب والكسب والمعاش والصنائع والعلوم ونحوها وما إلى ذلك من العلل والأسباب ".

 

وأهل الحضر ينتشر بينهم الثراء و الترف الذي يفسد الطبيعة البشرية ويؤذن بخراب العمران، وقد نبه إلى ‏ذلك في المقدمة: "وأهل الحضر لكثرة ما يعانون من فنون الملاذ وعوائد الترف و الإقبال على الدنيا و العكوف على شهواتهم منها ‏قد تلوثت أنفسهم بكثير من مذمومات الخلق و الشر".25

 

وإذا كان أهل البدو أكثر طيبة من أهل الحضر بدليل قول ابن خلدون: "أهل البدو أقرب إلى الخير من أهل الحضر ‏وسببه أن النفس إذا كانت على الفطرة الأولى كانت متهيئة لقبول ما يرد عليها و ينطبع فيها من خير أو الشر"، فإن الطيبة ‏عند هؤلاء البدو ليست ثابتة أو أزلية بل هي نسبية ومتغيرة ويمكنها أن تتحول إلى شر عندما يحاولون العيش وفق نمط أهل ‏الحضر فيتنازلون عن بساطة حياتهم المادية وينزعون إلى الثراء و الترف، وهنا بالذات قد يغلب التطبع الطبع، يقول ابن خلدون ‏في هذا السياق:" الإنسان ابن عوائده ومألوفه، لا ابن طبيعته ومزاجه، فالذي ألفه في الأحوال صار خلقا وملكة وعادة، تنزل منزلة ‏الطبيعة والجبلة".26

 

و أهل الحضر لكثرة ما يعانون من فنون الملاذ وعوائد الترف و الإقبال على الدنيا والعكوف على شهواتهم منها، وقد تلونت أنفسهم بكثير من مذمومات الخلق والشر وبعدت عليهم طرق الخير ومسالكه بقدر ما حصل لهم من ذلك. حتى لقد ذهبت عنهم مذاهب الحشمة في أحوالهم فتجد الكثير منهم يقذعون في أقوال الفحشاء في مجالسهم و بين كبرائهم، وأهل محارمهم لا يصدهم عنه وازع الحشمة لما أخذتهم به عوائد السوء في التظاهر بالفواحش قولا وعملا. و أهل البدو وإن كانوا مقبلين على الدنيا مثلهم إلا أنه في المقدار الضروري في الترف ولا في شيء من أسباب الشهوات واللذات ودواعيها. فعوائدهم في معاملاتهم على نسبتها وما يحصل فيهم من مذاهب السوء ومذمومات الخلق بالنسبة إلى أهل الحضر أقل بكثير. فهم أقرب إلى الفطرة الأولى وأبعد عما ينطبع في النفس من سوء الملكات بكثرة العوائد المذمومة و قبحها فيسهل علاجهم عن علاج الحضر وهو ظاهر. و قد توضح فيما بعد أن الحضارة هي نهاية العمران وخروجه إلى الفساد و نهاية الشر و البعد عن الخير فقد تبين أن أهل البدو أقرب إلى الخير من أهل الحضر و الله يحب المتقين.27

 

ويقول في المقدمة أن:" ثم إذا اتسعت أحوال هؤلاء المنتحلين للمعاش وحصل لهم ما فوق الحاجة من الغنى والرفه دعاهم ذلك إلى السكون والدعة وتعاونوا في الزائد على الضرورة واستكثروا من الأقوات والملابس والتأنق فيها و توسعة البيوت واختطاط المدن والأمصار للتحضر.ثم تزيد أحوال الرفه والدعة فتجيء عوائد الترف البالغة مبالغها في التأنق في علاج القوت واستجادة المطابخ وانتقاء الملابس الفاخرة في أنواعها من الحرير والديباج و غير ذلك ومعالاة البيوت والصروح وإحكام وضعها في تنجيدها والانتهاء بالصنائع في الخروج من القوة إلى الفعل إلى غايتها فيتخذون القصور والمنازل و يجرون فيها المياه ويعالون في صروحها ويبالغون في تنجيدها ويختلفون في استجادة ما يتخذونه لمعاشهم من ملبوس أو فراش أو آنية أو ماعون. و هؤلاء هم الحضر ومعناه الحاضرون أهل الأمصار والبلدان. ومن هؤلاء من ينتحل معاشه الصنائع ومنهم من ينتحل التجارة وتكون مكاسبهم أنمى وأرفه من أهل البدو لأن أحوالهم زائدة على الضروري ومعاشهم على نسبة وجدهم فقد تبين أن أجيال البدو والحضر طبيعية لا بد منها.28

 

إذا كان البناء الاجتماعي يتكون بصفة عامة من مجموعة متصلة ومنمطة من العلاقات الاجتماعية التي تبرز أدوار الافراد ووظائفهم، فإن البناء الاجتماع الحضري بخاصة اهمية حيوية في صياغة الشكل الحضري السائد فهو يتسم بخصائص معينة لعل أهمها سيادة العلاقات غير الشخصية التي تظهر في شكل التفاعلات والعلاقات المستمرة بين الأفراد، وتتمثل هذه العلاقات في مجموعة من الرموز مثل عنوان السكن وطريقة الملبس ونوعية المأكل والمشرب وطرقهما. وأسلوب الإنفاق ونمط الاستهلاك.

 

كما ان درجة التجانس الثقافي بالمدينة تؤثر على كيفية ممارسة الأفراد لأدوارهم، وعلى نوعية العلاقات الاجتماعية السائدة بين ساكني لنمط الحضري والوافدين إليها من المناطق الحضرية.

 

البناء الاجتماعي بالمجتمع الحضري يتحدد إطاره بالهيكل الثقافي للمجتمع الكلي أولا والحضري ثانيا، وهذا الإطار الثقافي يحكمه نسق القيم السائدة ومن الطبيعي ان يختلف هذا النسق بين أنماط المجتمع ريفه وحضره، ومن هنا يتحدد درجة التجانس الثقافي بين نمطين المجتمع من ناحية، وتتفاوت درجة انسجام الشخص الوافد الى الى المركز الحضري مع الاطار الثقافي الجديد من ناحية.

 

يعد لويس اوسكار من الرواد الذين تناولوا فكرة التغير الثقافي الذي يتعرض له الوافد الجديد الى المركز الحضري وتدارس بعمق عملية التكيف الاجتماعي التي يحاول تحقيقها هذا الوافد مع اطار ثقافي مغاير.

 

لم يكن لويس يدرس الأحياء المتخلفة ليتعرف على أحوال قاطنيها الاجتماعية والاقتصادية وإنما يختار افقر الأسر من الطبقات الدنيا في هذه الأحياء المتخلفة والتي يكون قد هاجرت من منطقة ريفية  ووفدت للمدينة للعمل.وقد درس هذه الأسر فتناول ظروفها المعيشية تفصيلا وبشكل عميق، ويتعرف على الجوال الاقتصادية ومستوى دخولهم وأسلوبهم في الإنفاق ونمطهم في الاستهلاك وانتماءاتهم الطبقية وارتباطاتهم الاجتماعية ونسق القيم الذين يتحركون داخله وانتهى اوسكار لويس الى التوصل إلى ما يشبه نظرية تدور حول ما اسماه ثقافة الفقر وتركز على انه إذا كان لكل مجتمع ثقافة معينة لها جذور راسخة فان للفقر أيضا ثقافة راسخة ومعينة ما دية وغير مادية، يمكن ان نميز سماتها اذا ما درسنا العديد من المجتمعات المشتركة في سمة الفقر.29

 

3-2- عناصرالثقافة الحضرية:

 

  - الممارسات الاجتماعية.

 

  - الاندماج الاجتماعي ( الرموز . الأفكار والتصورات . الممارسة الاجتماعية . القيم . العادات والتقاليد ).

 

  - العلاقات الاجتماعية ( تقاسم الأفكار والآراء والأهداف والقيم في المجال الثقافي الحضري ).

 

- خلاصة:

 

    من خلال ما تقدم نستخلص ان الثقافة الحضرية متكونة من مكونات منها ماهي مادية تتمثل في العمران وطرق البناء والهندسة والطرقات والسيارات والهياكل والمؤسسات والموقع واللباس والاثاث ...الخ.وماهي غير مادية او ما يطلق عليه القطاع الاجتماعي للثقافة وايضا البناء الاجتماعي اذ يشمل مفهوم المجتمع على جانبين أساسيين هما : البناء الاجتماعي الذي تمثله العلاقات الاجتماعية، والتفاعلات الاجتماعية والتصورات الموحدة والثابتة نسبياً بين الأفراد داخل المجتمع الحضري. والجانب الثقافي الممثل في أسس تلك العلاقات والقواعد التي تقوم عليها.

 

ونجد المكونات الفكرية أو ما يطلق عليه القطاع الفكري للثقافة ( اللغة واللهجة . الفن . الدين . العلم . العادات . التقاليد ).

 

والثقافة الحضرية بمفهومها الإجرائي : هي التي تشمل كل مكونات الثقافة المادية واللامادية وكذا الفكرية .

 

وأن لكل مجتمع ثقافته التي تميزه عن غيره من المجتمعات الأخرى، والثقافة تمثل حصيلة ما تعلمه أفراد مجتمع معين، وبذلك تتضمن نمط معيشتهم وأساليبهم الفكرية ومعتقداتهم ومشاعرهم واتجاهاتهم وقيمهم والأساليب السلوكية التي يستخدمونها في تفاعلاتهم اليومية، وكل ما يستخدمه أفراد هذا المجتمع من الآلات والأدوات في إشباع حاجاتهم وتكيفهم مع بيئتهم الاجتماعية الطبيعية، وحسن استغلال بيئتهم الطبيعية والسير وفقها، ويشكل أفراد المجتمع نمط معيشتهم ويعبرون عنها بأفعالهم وإنتاجهم وخبراتهم ومعارفهم وفنونهم. وبذلك يعتبرون نشطين في صنع وملائمة وبناء أنماط معيشتهم.

 

- قائمة المراجع:

 

1- عبد الرحمان ابن خلدون، المقدمة، المجلد01.

 

2-محمد حسن البرغثي، الثقافة العربية والعولمة،.

 

3- حسين عبد الحميد أحمد  رشوان ، الثقافة (دراسة في علم الاجتماع الثقافي).

 

4- حسين عبد الحميد أحمد  رشوان، نفس المرجع.

 

5- حسين عبد الحميد أحمد رشوان، نفس المرجع.

 

6-  رالف لنتون،شجرة الحضارة ،ج1 .

 

7-  أرنولد توينبي، مختصر دراسة للتاريخ .

 

8- رالف لنتون، نفس المرجع السابق.

 

9- صامويل هانتنغتون، صدام الحضارات .

 

10- رولان بريتون، جغرافيا الحضارات.

 

11– حسين عبد الحميد أحمد رشوان.

 

12- لوجلي صالح الزوي، علم الاجتماع الحضري.

 

13– عبد الرؤوف الضبع، علم الاجتماع الحضري.

 

14– حسين عبد الحميد احمد رشوان، مرجع سبق ذكره.

 

15- لوجلاي صالح الزوي، مرجع سبق ذكره.

 

16– هناء محمد الجوهري، علم الاجتماع الحضري.

 

17– محمد عاطف غيث، علم الاجتماع الحضري.

 

18– عبد الرؤوف الضبع، مرجع سبق ذكره.

 

19– محمد عباس ابراهيم، التنمية والعشوائيات الحضرية.

 

20– حسين عبد الحميد رشوان، المدينة(دراسة في علم الاجتماع الحضري).

 

21– محمد عاطف غيث، مرجع سبق ذكره.

 

22– السيد عبد العاطي، علم الاجتماع الحضري، ج1.

 

23– حميد خروف  وبلقاسم سلاطنية واسماعيل قيرة، الاشكالات النظرية والواقع.

 

24– حسين عبد الحميد أحمد رشوان، المدينة (دراسة في علم الاجتماع الحضري)، مرجع سبق ذكره.

 

25– عبد الرحمان ابن خلدون، المقدمة، المجلد01 ، مرجع سبق ذكره..

 

26– عبد الرحمان ابن خلدون ، نفس المرجع .

 

27-موقع ابن خلدون للدراسات الإنسانية و الاجتماعية، موقع الدراسات الخلدونية:                                                   http://www.exhauss-ibnkhaldoun.com.tn/modules/smartfaq/faq.php?faqid=18

 

28– عبد الرحمان ابن خلدون، نفس المرجع.

 

29- حسين عبد الحميد رشوان، المدينة " دراسة في علم الاجتماع الحضري " ، مرجع سبق ذكره.

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق