]]>
خواطر :
قالوا الصبرُ علاج للآلام... فزادت صبرُ السنين للجراح آلاما...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

سلمى والنهر / 10 القاص سعدي عباس العب

بواسطة: قصي طارق qusay tariq  |  بتاريخ: 2013-06-27 ، الوقت: 15:35:44
  • تقييم المقالة:

 

عن جارنا محمود ..أو ..الطائرة الورقية..
_________________________________
**
لاح محمود الميت ..! لاح ليّ طيفه من بعيد وهو يركض في ذاكرتي ، حاشرا بدنه الضامر داخل دشداشته البازه الفضفاضه ذات الفتوق المرتقة والشقوق التي لما تزل تحتل مساحة فسيحة من الدشداشة ..تععُري الجسد الذي كان هو الأخر ترصعه شقوق جراح قديمة مندملة ...كان يخرج من بين شفتيه اصوات متنافرة تنم عن ابتهاج طارء ! رأيته يكاد يبكي من شدة الفرح وهو يرى إلى طائرته الورقية ، تحلّق بعيدا في فضاء غير متناه ، حتى كادت تنوش السماء ! ..كانت تنأى على مهل ..تتصاعد راعشة ،تدفعها الريح ..تحملها صوب الفراغات الزرقاء ..فيما كان هو يتطلع مندهشا ..ينظر لأعلى بعينين تشعان بريقا طفوليا وهو يلاحق صعودها المرتعش في الريح ، بذيلها الطويل المتمايل على جانبيّ الريح والفراغ ..يرنو لأعلى مأخوذا ..تاركا للبهجة الصغيرة المعتملة في الداخل ، أنّ تحدث تأثيرها إلى اقصى مدى ..وفي لحظة ما شديدة القسوة ، تبدّد ذلك الفرح الصغير ، النادر ! الشحيح ،تلاشى في الريح التي اقلت الطائرة على متنها في رحلة حزينة نحو الأبدية ..كان محمود لما يزل يطلق من فمه صفيرا رفيعا __ وانا جنبه__ ممدودا منغما يخرج دفقات متتالية من بين شفتيه الملتمتين على هيئة شق لحمي مجفّف متشقق ! ينفخ في الهواء ، لما انقطع الخيط ..انقطع قبل ان ينتره ..انقطع خيط الفرح الصغير الذي كان يصل بين السماء والطفل ...بين الأرض والفضاء ..بين القلب الصغير والبهجة ...تفتّت خيط المسّرات الشحيحة ...خيط الغبطة والطفولة .... بأنقطاع الخيط ذابت البهجة في الريح ...تلاشت في أفاق من الغياب ، توارت او ترسبت في قاع غيمة بعيدة ...تهشّمت تلك السعاده النادرة....اختفت باختفاء الطائره في رحاب غيوم من الغياب واللاعوده..............
في ذلك النهار الحزين ، بكى محمود ،بكاءا ملتاعا يشتد ضراوة بكر الوقت الذي كان يمرّ موحشا غريبا ............... كما لو انه بكى مبكرا ..بكى خرابه خرابه الذي سيأتي لاحقا على هيئة تابوت ملفوفا بعلم البلاد الوطني ..بكى ضيّاعه مبكرا في براري عبادان والمحمرة ..بكى ايامه السود الزاحفة في الطريق الطويلة المعّبدة بالحروب والغيابات المتلاحقة والفقدان والندم والتعاسات ..بكى خرابه المطمور في صندوق من خشب ملفوفا بحبال من الدموع ..دموع أمّ محمود ...ملفوفا بخيوط من الذكريات ..خيوط الطائرة الورقية ...ملفوفا بعويل الأمهات والخيبات واليأس // مقطع من روايتي المخطوطة / سلمى والنهر 11
القاص سعدي عباس العب

 

في لحظة ما وجدتني اتلاشى في الزحام ...قادتني قدماي برفق إلى حيث بيتنا القديم ...مأوى طفولتي ومرتع الأيام الخوالي ..ومكان الألفة الحميمة والأحلام والدفء ورائحة الطمأنينة المنبعثة من داخل صندوق جدتي ..واشياء أمّي الغامضة ... وملمس الجدران الأليفة ... حالما بصري على جدار البيت الخارجي ..احسست برائحة طفولة قديمة نفاذّة تنتشر ، شاهره حنينها الغارب ..... تضوع من شقوق الحائط الخفّية . المتوارية المتوارية تحت غبار كثيف من النسيان والأندثار 
فخيّل ليّ ..إني لمحت ذلك الطفل القديم الذي كنته قبل سنوات عديدة خلت ..كما لو انه يتدفق عبر شقوق الجدران ..ويجري خفيفا بساقين ضامرتين لوحتهما الشموس ..كانت الأرض مفروشة تحت جريانه ..تتسع لكامل خطواته الترابية ..وهو يقتفي اثر ثلة من اترابه ..يشقوّن لهم جادة سالكة في زحام من اشيطنة المبكرة ..جادة تقودهم باناة نحو قطيع من كلاب تطفو عند حافة بركة تغطي سطحها المتغّضن طحالب خضر مخدّدة تهوم عندها الهوام في تشكيلات من الرفيف والطنين...بدت الكلاب عن قرب مخيفة ..فأرتدّت الثلة الترابية مذعورة فتدفق فيضان مرعب من النباح ..وقبل ان يطلق الطفل الذي كنته ساقيه في مهب الخوف والتشظي وثب كلب ضخم موحل في الهواء واطبق بكامل انيابه على مؤخرة ذلك الطفل الي كنته في وقت ما ..فتبارى الأطفال في سباق محموم مع الريح والخوف .... فلمح أمّه في وقت لاحق تجري من بعيد مذعورة وهي تطلق عويلا متقطعا يتلاشى في الغبار والريح ..بدت وهي تطوي ذلك الطفل عبر ذراعيها الملهوفتين كأنها ترتقي سفحا من لهب متأجج ...يخرج من فمها صراخا متشظيا .. يتناسل ألما ودموعا ............. ما زالت تلك الذكرى الشاحبة مطبوعة كأثر لا يمحى في جدار ذاكرته ..كما لو انها نبؤة شؤم ..افصحت في وقت مبكر عن ايام الكلاب الآدمية القادمة في الطريق ...نبؤة تحول ذلك النباح إلى ايام سود تفيض بالكلاب ..ستاتي لاحقا..
لم انم تلك الليلة البعيدة ، لم ينم ذلك الطفل الترابي ..ظل يسيل ألما ودموعا ملتحما بالظلام ............. منذ ذلك النهار الموشى بنقط الدم ، بدأت أوّل خطوات الرحلة المحفوفة بالشقاء صوب المتاهات والخذلان والخيبات الملغومة بنباح الكلاب البشرية...
ثم لاح عبر ذاكرتي وانا ما زلت احوم حول جدران البيت طيف محمود جارنا اليمين وهو يركض في ذاكرتي / مقطع من روايتي المخطوطة / سلمى والنهر /11

كنت ما ازال واقفا قبالة النافذة..نافذة بيت سلمى ..اتطلّع عبر الفراغات الخضر...انظر خلسة ...لعلها تطل بقامتها القديمة الفارعة ...بوجهها القديم الساحر ..فيأخذني شوق لا يضاهى إلى تلك الايام ...فأحس كما لو إني أتشمم عطرها الآن ..كأنه يضوع عبر النافذة ..يضوع الآن تماما !!صادما قوّيا يذوب في الهواء الأخضر ! فأتذكّر..
لما كنا ،في تلك الأيام الغاربة ، نغذي السير على طول امتداد كتف النهر ،ورذاذ همسهاالناعم ينهمر في الريح النديه ،ينسفح رقيقا على مسامعي ..فينشأ احلاما بليلة وانا اقودها برفق نحو الشاطى......
مرّ ظلام طويل على انطفاء شموس تلك النهارات ...منذ وطأت قدماي ارض المدينة وانا مشغول بسلمى ..فما زالت ذاكرتي مشدودة إلى طيفها ...ما زلت متوسلا بذلك الحلم القديم الذي تلاشى في لحظة ما ..من تلك اللحظات التي تتناسل على نحو غريب وتمتد لتغدو سنوات متصلة مديدة ...كنت اتكىء في مجيئي اليها والى نافذتها في اوقات العصاري على ذاكرة تزداد توهجا كلما تضاعف توقي في تلاحقه المدهش في الصعود الى الذروة التي عندها اهجس برائحة الماضي قد شرعت تنتشر...
لم يمرّ وقت طويل على انتظاري ... حتى كان يوم من احد العصاري لما لمحتها واقفة بثوبها الأزرق الطويل عند عتبة الباب ، تمسح براحتها على راس طفل كان راقدا بين ذراعيها ساندا رأسه إلى ثدييها ..ولما مكثت ابحلق ساورني شعور مفاجىء بالأنكسار..
غير إني لبثت مشدودا الى تلك الأبتسامة المضيئة التي كانت تطبع ملامحها بهالة من التوهج ..وهي تستدير الى حيث جارتها الماثلة في الجانب المجاور ..فهجست برياح الهزيمة تعوي في داخلي ..عدت الى البيت وانا افكّر بتلك اليد السعيدة التي تلمس يدها افكّر بذلك الرجل الذي استحوذ على روحها ومشاعرها وجسدها وقلبها المفعم برائحة الربيع ...تخيلته وهو يرتشف من رحيق شفتيها جرعات مسكره ..يلثم خدها الطري وصدرها الناهد المكتنز بالرغبات والاغواء يغفو على ثدييها العاريين ويتشمم رائحتها العطرة ...وانا اتخيّل ذلك شعرت برغبة مجنونة الى الصراخ ..رغبة حارة للبكاء...
في البيت اغلقت باب الغرفة حالما وصلت ...وغرقت في بكاء محموم / مقطع من روايتي المخطوطة / 


« المقالة السابقة

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق