]]>
خواطر :
اسقيني كاس من رحيق ذكرى وجودك ... لا تتركيه يجف ،كلما جف الكأس ازداد الحنينُ...و لا يطفي شعلة الفؤاد سوى كأس الحنين...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

قراءةٌ تحليلية لخطاب الرئيس بين مناطق الضعف والقوة

بواسطة: أشرف محمد اسماعيل المحامى بالنقض  |  بتاريخ: 2013-06-27 ، الوقت: 03:28:46
  • تقييم المقالة:

هناك فرقٌ شاسع لاريب بين تقييم خطاب الرئيس ذاته .. وتطبيقاته على واقعه العملى لنتثبت من  مدى جدية الرئيس  فيه.. وهناك فرق بين الخطاب ركيك الصياغة  سطحى الرؤية فيجعل من الرئيس  مادةً سهلة التناول من خصومه السياسيين .. وبين  الخطاب جيد الصياغة عميق الرؤية .. فيضيف للرئيس  مناطق ايجابية لدى القطاع المحايد من الشعب والمُخاطب بدورة بغية التأثير عليه واستقطابه من كلا الفريقين المؤيد والمعارض للرئيس وهو رُمَّانة الميزان  فى الواقع الثورى عليه ..

الخطاب السياسى إذاً ذو سيفين إمَّا أن يُنقِذ الرئيس من مأزق الإطاحة الشعبية والثورية به أو يؤجج نيران  الفرقاء ومناوئيه خاصةً..  فيستعجلون إيقاعه ارضاً وحتى النهاية ..

هناك فرق بين أن تنتقد الرئيس فى ذاته .. وجماعته الداعمة له كظهير سياسى وتنظيمى .. وبين أن تنتقد خطابه السياسى ذاته بلغته السياسية بين الإحتراف  والسذاجة ..

الخطاب فى تقييمى قد أضاف للرئيس أيَّما إضافة . بل وفوَّت على خصومه مناطق النيل منه بل وأظهره كرجل دولة على نحوٍ دقيق وقد يختلف معى كثيرون الَّا أننى لدىَّ من الأدلة الداعمة لرأيى  ومن قلب الخطاب ذاته :

الدليل الأول على دهاء الخطاب : لقد بدأ الرئيس خطابه بإعترافه بأخطائه طوال سنته الأولى .. بما جعله محلاً للتعاطف الجماهيرى المحايد من القطاع الشعبى الثالث غير المُتشنِّج لمواقفه مع الرئيس أو ضده .. إذ قد رأوا فيه مثال الحاكم الشرقى والإسلامى اللذى لايستنكف الإعتراف وبتواضع عن أخطائه .. وقد كان لإستهلاله خطابه بهذا الإعتراف أثر السحر عليهم فى استقبال تتمة خطابه وبسعة صدر  ومن غير رفضٍ مُبتدىء ..

الدليل الثانى على دهاء الخطاب: كان للدليل الفائت تأثيراُ كبيراً فى قبول الجماهير لإتهامه للآخرين من مناوئيه واللذين لايختلف إثنان على شراسة الخصومة السياسية التى يمارسونها ضده .. ومن ثم كان إنتقاده لمسالك هؤلاء المناوئة ومساعيهم فى تقويض حكمه عملياً سواءً بإختلاق أزماتٍ  حياتية أو إستغلال البلطجية قبالة حكمه وترويع الآمنين للتشهير به وبعدم جاهزيته لإحتواء كامل الدولة فى قبضته وسيطرة الأمن عليها .. وقد كان موفقاً فى نظرى  حتى وإن كان قد خرج على المألوف بإرتجاله من ناحية .. ومن ناحية أخرى بذكر أسماءٍ بعينها  فى محل إتهامه لهم .. وفى نظرى أنه بدأ يلعب السياسة بمفهومها الكلاسيكى ومفادها-  الغاية تبرر الوسيلة - وهذا من شأنه أن يثبت تطور الأداء السياسى لديه من سياسة الداعية إلى سياسة الداهية المحترف  والتى مفادها -أن الوصول للأعماق تبرر تقويض الأخلاق-  ومن ثم لاضير أن يذكر بعض الأسماء مهما يترتب على هذا الذكر من آثار غير إخلاقية عليهم  ولكنه جعل من وسيلته تلك منجاةً له للخروج من أزماته بإثبات أن هناك من يحاربونه فى واقعه الرئاسى من أذناب النظام السابق وبعض من قوى المعارضة .. الخطاب أثبت قدرته على الهجوم السياسى المباغت لاريب  على الخصوم والمحدِث إفلاتاً من زخم الاتهامات والمُحاصَرة بها..

الدليل الثالث على دهاء الخطاب: الدليل الثالث على دهاء الخطاب .. أنه قد أظهر الرئيس بالحاكم القوى اللذى لايزال يتحكم فى كافة السلطات ويستجمعها بين يديه بكونه الرئيس المنتخب  والمراقب لسلطات الدولة الباقية كحكمٍ بين السلطات .. وقد وجدناه ينعت نفسه بالقائد الأعلى للقوات المسلحة مرة وبالقائد الأعلى للشرطة مرة أخرى وفى حضور الرجلين اللذين راحت القوى المناوئة وحتى ساعاتٍ قليلةٍ من قبل الخطاب تراهن عليهما كأداتين فاعلتين  فى المشهد الثورى عليه ..  بينما فقد ذهب بعيداً فى مداعبة الجيش واستقطابه حتى أبعد درجة حين نعت رجاله وقادته برجالٍ من الذهب اللذين لايستقطبهم السياسيون .. وكانت تلك تحديداً  ركلة قدم سديدة أصابت هدفه فى احتواء القائد العام للجيش كما ووزير الداخلية على السواء واللذان لم يجدا بُدَّاً من التصفيق أحياناً للرئيس .. بما أشعر الجماهير بترهل خيالاتهما الداعمة للثورة القريبة عليه ..

الدليل الرابع على دهاء الخطاب:  لقد أظهر الخطاب قوة الرئيس  فى لغته حيث أشعر كافة مؤسسات الدولة وقطاعاتها انها تحت سيطرته وفى قبضته بل وبصورةٍ هى أدنى منه قيمةً مهما علت وعلى تقديرها .. ومنها القضاء ذاته حيث نال منه  بنقدٍ لاذع دون أن يعبأ بردود أفعالهم الجارفة  وقد أظهر ذاته بأنه رئيس البلاد اللذى يملك رؤية تطويرية لهذا المرفق القضائى  حتى ولو كان هو فى سبيلها لايستنكف من كشف مثالبه  ومن دون وجلٍ من فزَّاعات الملاحقات القضائية .. وقد ذكر أوصافاً ونعوتاً فى نظرى لم يقو أى حاكم مصرى من قبل على نيل القضاء بها حتى ولو كان صادقاً .. هنا تبدَّت قوَّة الرئيس الشرعى والمنتخب .. كما وأضاف أن قانون السلطة القضائية لابد وان يتم ليس بموافقتهم إنفراداً  وكما يطلبون ويُصرُّون ولكن بموافقتهم والمجلس التشريعى معاً .. هنا باتت اللغة متعالية  على كافة المؤسسات وأقواها تحديداً حتى ولو إحتاج الأمر التلميح بالسخرية من بعض الأُخروقات  دون  إهتزازٍ أو إرتعاش .. وأعتقد أن تلك النقطة تحديدأ قوَّضت أحلام القضاة فى قانون السلطة القضائية المطموح ذاته وبإنفرادهم به وصياغته كما يريدون فى جانب . وأظهرت قوَّة الرئيس النتخب مقارنةً بقوة كافة المؤسسات الأخرى والتى يراقب الفصل فيما بينها ..

الدليل الخامس على دهاء الخطاب : لم يخلو الخطاب من مداعبة أحلام الجماهير فى العدالة الإجتماعية سواء فى المرتبات أو الدخل أو حتى المعاشات لأصحاب المعاشات وقد أنار لهم الأمل فى زيادتها بأول يوليو كما ووضع الحد الأدنى والأقصى واقعاً وفى حيز التنفيذ الفعلى .. فبات الرئيس الأقرب شعبية والأكثر حرصاً على الفقراء خاصةً بقوله ( الغلابة إللى أنا منهم .. ماأنا غلبان فعلاً زيهم ))  لاشك كان مُوفقاً جداً وإلى حدٍ كبير فى مداعبة مشاعر الأغلبية الفقيرة ومحدودى الدخل.. وهؤلاء تحديداً هم قطاع عريض ضارب فى حسم صراعات الصندوق الإنتخابى وتراهن كافة التيارات السياسية اللاعبة عليه بينما فلايأبه بقيمتها السياسى ضيِّق الأُفُق ..

الدليل السادس على دهاء الخطاب: تناول الخطاب موضوع منافسه اللدود احمد شفيق دون أن يعبأ بردود أنصار الأخير فى الميادين سواء من منتخبيه فى انتخابات الرئاسة أو حتى أعضاء الحزب الوطنى ذاتهم  وفى نظرى كان هذا التناول لأعظم دليل على قوة شخصيته من دون مهابةٍ من ثمة مخاوف وردود أفعال لأنصاره اللذين يملأون الميادين  ويشاهدون خطابه بتحفّلُز ماله نظير .. بما يعطى إنطباع بقوة الشخصية على عكس ماكان يتوقع الرأى العام ومن خلال دعايات الإعلام المناوىء له ..

الدليل السابع على دهاء الخطاب: كان الخطاب موفقاً إلى حدٍ كبير فى شرح أزمة القضايا التموينية وقضايا الدعم  حيث أشرك معه فى تحمل المسؤولية جشع قطاعٍ كبيرٍ من الجماهير اللذى يستغل المشهد فى تخزين  السلع المدعمة كالمحروقات .. بل وقد أظهر أن هناك من يقومون بالفعل بخلق الأزمة وإشعالها من تعطيش السوق بإستلابها من مواقع توزيعها .. فأطهر أن الرئيس ليس هو وحده سبب المشكلة وحسب مايدعى الإعلام بل هناك آخرون يحاولون اسقاطه جماهيرياً من خلال خلق الزمات حوله   .. علاوة على ذكره  لشخص وزير التموين وهو الأقرب وجدانياً من الشعب قائلاً عنه فى إشارةٍ سريعة (( الللى بينط فوق عربيات أنابيب الغاز ))  وقد كان لهذا التعبير عن الرجل أعظم تعاطف معه ومع الرجل تباعاً وهو أحد رموز منظومته الحاكمة ..

الدليل الثامن على دهاء الخطاب:  لمَّح الخطاب على قوى الضغط على الوزراء  كموقف المعتصمين ضد وزير الثقافة وغيره  وبإسم المثقفين اعتراضاً على إقالته لشخوصٍ بعينها ومن غير تسميتهم حتى  بالإشارة تجاهلاً لهم .. فلم يستنكف أن يؤازره وغيره من الوزراء والمحافظين  فقرر أنهم يمكنهم إقالة من يشاؤون وفوراً ممن لايعملون معهم بجدية بل ويخرجون عليهم .. هنا  عضَّد من مواقفهم من جهة .. ومن جهةٍ أخرى بدا وهو الحاكم القوى واللذى من فرط قوته يمنح القوة للوزراء والمحافظين .. وقد أشار لمحافظ الأقصر واللذى قدم استقالته  إليه من بعد تعيينه مباشرةً وإعتراض البعض عليه قائلاً (( أن الرجل قدمها حرصاً على الوطن وقد قال له كان لدىَّ مشروعاً سياحياً طموحاً فلم يرتضون بى.. سأترك مكانى لأرى ماذا سيقدمون للسياحة )) هنا تحديداً صنع من محافظه بطلاً وضحيَّة استجلبت عاطفة الجماهير المُحايدة على غير ماقصد الإعلام من وراء تسويقه ..

الدليل التاسع على دهاء الخطاب : حطَّم الخطاب لدى القطاع الجماهيرى المحايد وغير اليمينى أو اليسارى المتطرف .. مظنَّة عمالة أو خيانة فى مشروع قناة السويس  شاكراً الدور القطرى رغم انتقاد كافة الجماهير له وكأنه من فرط قوته لم يعبأ  بهذا التعاطى الشعبى  المناوىء لهذا الدور  ليُطلِق دعابة احترافيةٍ بقولِه (( الأهرامات بعناها أيضاً ولا لسة ياوزير الداخلية )) ..

الدليل العاشر على دهاء الخطاب : خاطب الرئيس شخص وزير الداخلية  بقوَّة قول حيناً وبدعابة حيناً آخر .. فى تلميح لقوة العلاقة بينهما حيث  قرر أنه قد أعطى تعليماته بضرورة قيام الداخلية بدورها فى حماية الممتلكات العامة والخاصة من عبث الجماهير غير المسؤولة .. بل وراح ليؤكد  عزمه انشاء لجنة عليا للتصدى لأعمال البلطجة .. وهذا المطلب تحديداً قد أصاب الجماهير بإرتياح ..

الدليل الحادى عشر على دهاء الخطاب  : كان الرجل غاية فى الدهاء وقد بدا رغم قوته إظهار نفسه غير الطامع فى الحكم حيث قال (( أتمنى أن  يحدث على يدىَّ انتقال سلمى للسلطة وللأجيال القادمة  حتى ولو كان من الغد))  وهذا التصريح تحديداً فى نظرى هو من أخطر نقاط الخطاب قوَّة . حيث أظهر الرئيس ومن فرط قوته بغير الحريص على زخارف الحكم وأبهته .. بل وقد حاكى شخصية سوار الذهب السودانى ولكن شريطة الآلية الديموقراطية .. ولكونه قد حدد امكانية هذا من غده  فقد بدا لدى الجماهير قبوله كافة الرؤى  والخيارات  السياسية  حريصاً على الوطن وانتقال السلطة .. وهذا قد أصاب الجميع بالإرتياح خاصةً وقد أظهر قوله هذا أن رئيس البلاد لايخاطر بالوطن كله لأجل شخصه تحديداً ومن دون مخارج سياسية .. وتلك النقطة قد فوَّتت على مناوئيه مبرراتهم فى عنادهم بأن الرئيس سيقاتل على كرسى الحكم حتى الرمق الأخير ..

الدليل الثانى عشر على دهاء الخطاب :  بدا الرئيس ورغم تهديداته القصوى لمناوئيه واللذين أسماهم الخارجين على القانون بل وأولئك اللذين يمارسون اهانته كما وغيره من المؤسسات والرموز والقيادات من رجال الإعلام المختلفة .. بأنهم بأعمالهم تلك بضعون أنفسهم تحت طائلة القانون ذاته  ليس فقط القانون الجنائى ولكن تحت مطلَّة القضاء العسكرى بوصفه القائد الأعلى للقوات المسلحة وقد استثمر الموقف فى محل تهديده الشديد لهم بالتأكيد على كونه القائد الأعلى للجيش .. بل وأكَّد  فى كافة تهديداته .. بتطبيق القانون فى حقهم .. وهنا ظهر بإحترامه لسيادة القانون بل وللقضاء ذاته فى لفتة مراجعة لاستلاب خط المواجهة الفائت معه بقوله أنا بأحترم القضاء ..  ولم يمرر خطابه من دون إظهار كارت اتهام آخر لشفيق  هو أخطر من كروته السابقة وهو كارت اتهامه بالتربح من صفقة الطيران المدنية وقت أن كان وزيراً .. وهنا فى نظرى قد نال من الرجل وعلى أوسع قطاعٍ جماهيرى متعاطف معه  .. كما وقد بدا بأن لديه  كافة المعلومات وأسماء الشخوص المناوئة الفاعلة  وقد أكَّد عليها فى كل مرَّة .. وهنا ظهر وكأنه يرتكن على أجهزته الاستخباراتية بتناغم من غير خصومةٍ بينهما وعلى عكس ما يحاول الإعلام إظهار مشهد العلاقة تلك ..

الدليل الثالث عشر على دهاء هذا الخطاب : مسألة تحذيره للمناوئين وبقوَّة مالها نظير وقد جعل من السنة الاولى لحكمه  نهاية المُهادنة لهم من رجال إعلام وقنوات فضائية وخروجهم عليه بالإهانة .. وفى نظرى فإنه قد نجح وبخطابه فى استرضاء مناصريه واللذين يأخذون عليه تراخيه فى الإنتقام لشخصه من جانب .. ومن جانب آخر قد أعطى الجماهير المحايدة  إحساساً بأن الفترة القادمة قد تحمل من القرارات المُقيِّدة لحرية الإعلام وغيرها لصالح الوطن وإلى حدٍ بعيد .. هنا ظهر بأدوات الردع  لمناوئيه .. وأنه قد ضاق صدره بعظيم تجاوزاتهم ..  وهنا تحديداً قد أكد على قوته كرجل دولة ..  إضافةً لتناوله  لقضية سد النهضة الأثيوبى ومن دون خجل  وقد أعاد ذات عباراته والتى لاكها الإعلام المناوىء له سخريةً منه ومن دون خوف أو إرتعاش فبدا وكأنه فى منتهى القوة وهو يقصد من ورائها دلالاتٍ دبلوماسية يجب على رئيس الدولة الإلتزام بها من غير ثمة اندفاع .. ورغم هذا فقد أعقب كلمته تلك والتى هى (( نحترم علاقتنا بإثيوبيا ونحترم مصالحهم وكذا هم يحترمون مصالحنا وبيننا شراكة بالإحترام والتفاهم)) .. فقد أردف قائلاً وبقوةٍ تحذيرية (( أنا لن أرحم من يفرط فى حبة رمل أو قطرة ماء  للوطن)).. وكان فى هذا تحديداً سداً لإتهاماتهم له وعبر شاشات الإعلام المناوىء  والواصل حدود الاتهام  بالخيانة والعمالة  والمُمالأة على حساب الوطن ومصالحه .. سواء  بموضوع حلايب وشلاتين.. أو سيناء أو مياه النيل ذاتها .. كما أن الخطاب لم يفوته التأكيد على مساحات الحرية فى عهده حيث قال – انه ليس هناك معتقل سياسى واحد منذ توليه الحكم وحتى الآن – الأمر اللذى يُضيفُ إليه لاشك مقارنةً بمن سلفوه ..

الدليل الرابع عشر على دهاء الخطاب وذكائه .. وقد أظهر الرئيس بديماجوجية السياسى المحترف وقد استثمر من جديد ماضى النظام السابق ودماء الشهداء وحقوقهم فى محل إسترضاءه لهم .. وهذا من شأنه تخفيف الضغط عليه من أسر الشهداء .. كما والفلاحين أنفسهم حين تناول محاصيلهم ومياه الرى اللازمة له وقد باتت حسبما ذكر متواجدة ليل نهارٍ أمامهم .. ولم ينس قفل باب الجدل حول مبلغ العشرة آلاف جنيه دين بنوك التسليف الزراعى كحد للإعفاء عنه .. وقد كانوا يروجون من قبل ان الرئيس ماقصد سوى المتعثرين فقط .. هنا وضَّح الرجل وبقوة بأنه قد قصد ومن دون حاجة لإجتهاد تحليلى لقوله  أنه يقصد إعفاء كافة المدينين المتعثرين وغير المتعثرين .. وتلك النقطة تحديداً كفيلة بإسترضاء الفلاح واللذى يمثل قطاعاً عريضاً من القوة الجماهيرية الضاربة والفاعلة للصناديق ..  لكنه وبدهاء لم ينس أن  يُذكِّر الناس بظروف الدين العام مقارناً  بفترات حكم الرؤساء السابقين .. بما جعله يستجلب تعاطف العامة  مع ظروف الدين العم للبلاد وفى ظل آثار القلاقل على السياحة والصناعة ومن ثم الدخل القوى وكان هذا من باب المُكاشفة.. فإستشعر الكافة بثقل حمل الرئيس ومسؤوليته ..

الدليل الخامس عشر على دهاء الخطاب : قد أكد الرئيس على أنه لاثورة الا ثورة واحدة قد حدثت فى يناير ..  والقول بثورةٍ ثانية غير مقبول وغير مسموحٍ به تحت أى مبرر وقد أطلع جناحيه القويين من الجيش والشرطة بمهامهم فى الردع من بعد مداعبته لوجدان الجيش وقد أسند إليه  مهامه فى ملف  سيناء  وبتقدير مالى معين.. وهنا قد استرضى رجال الجيش من جانب واسترضى شعب سيناء من جانبٍ آخر .. بل وجعل الجيش نفسه ومن دون غيره بيده ملف سيناء وحسب ماكان يطالب ويتمسك دائماً .. كما وقد نجح بتعبيره (( أنا أصدرت أوامرى للجيش )) إستلاب خيوط التحكم فى المؤسسة العسكرية من أيدى الجماهير الثائرة وكما يتوهمون على غير حقيقتها وحسب تعبيره إلى قبضته هو كرئيسٍ للبلاد ..

الدليل السادس عشر على دهاء الخطاب: كان خطابه للإعلام ودوره المناهض له وقد استجلب تعاطف الجماهير نحوه حين خاطب من تهاجمه  قائلاً لها (( مش عيب انتى ترضى تقولى على أبوكى الشايب زى الكلام اللى بتقوليه عليا ده.. وقام بتمرير كفه على لحيته البيضاء )) لاشك كانت تلك اللمحة والإشارة لإستعادة مرجعية القيم المصرية فى إحترام الكبير والتى تاق لها الشعب المصرى وقد حصد فى نظرى تعاطفاً معه ضد الإعلام المناوىء له من بعد لاريب .. والأخطر من هذا أن الخطاب قد دعا الى انتخابات برلمانية سريعة جداً وقد ذكر أن الحكومة المتولدة من رحم  تلك الانتخابات لو شكَّلها المناوئون له من الفائزين  سيمتلكون معظم السلطات المتجاوزة لسلطات الرئيس ذاته ومن خلال صناديق الاقتراع ..  وقد لمَّح متهكماً لرفضهم الاحتكام لصناديق الإقتراع .. كما وقد وعد أن يكون للشباب دوراً وقد ضاع من أيديهم فى السنة الأولى من رئاسته وقد إعتبرها أحد مثالبه فى تلك السنة التى يجب تصحيحها .. هنا استمال قطاع الشباب المحايد إليه من بعد استقطابه من القوى المختلفة ..

الدليل السابع عشر : الخطاب وبذات الصياغة قد حافظ على هيبة الجيش ومن دون مواجهة معه بل واستغل حياءه من دون اصطدام مع الشرعية فى  محل تهديدٍ مستتر  بتوصيف دوره المُزمع واللذى يراهن عليه المناوؤون بكونه صراعاً على السلطة .. واللذى يبات مدعاةً لمخاطر بعيدة .. وتلك الإشارة تحديداً والتى نزَّهَ الجيش  عنها بالطبع يفهمها الجيش أنها تهديد بإستدعاء آليات الإحتكام على إغتصاب الشرعية من الاستراتيجيات الخارجية والمتحفِّزة ذات الصلة والمتصفة بالجاهزية بالتدخل إذا مانساق الجيش وراء هتافات المناوئين له  .. تلك النقطة تحديداً .. لم يفهمها من وراء استتارها الا البعض من دون كافة الجماهير بل وجل رجال الجيش ومن ثم قائدهم العام حين قال الرئيس (( رجال الجيش  رجال من ذهب لايرتضون الخروج على الشرعية بمافيها من أخطار على البلاد )) ..

مثالب الخطاب :فى نظرى أن هذا الخطاب قد كان فى منتهى القوة وقد بدا فيه  الرئيس أكثر قوة وشراسة بل ورجل دولة بالمعنى الصحيح  وقد احتوى كافة مناحى السلطة والمؤسسات بالبلاد فى قبضته ومن دون ثمة وجل أو خوف من ردود أفعال .. إلا أنه قد ناله بعض المثالب والتى هى فى نظرى قد  لجأ اليها الرئيس   من باب التأكيد على براءته ونفى الإتهامات الشعبية قبالته ..  وقد كان هذا بإرتجاله عن الخطاب المُصاغُ بحكمةٍ شديدة .. حيث قد ذكر أسماءاً بعينها سواء من بين رجال القضاء أو ممن حاكموا الفريق شفيق فى قضية أرض الطيارين  حيث ظهر  وكأنه يُعقِّب على أحكام القضاء بالمخالفة للقانون والأعراف القضائية الدولية .. كما وقد ذكر العديد من  شخوص النظام السابق والحاصلين على البراءة ومنهم الدكتور فتحى سرور والدكتور ذكريا عزمى  بل وصفوت الشريف .. وقد تمادى بالسخرية منهم  سواء على تبرئتهم قضائياً .. او  بوصفهم من ضمن  ثوَّار يناير  تهكماً منهم .. وسخريةً من القضاء ذاته اللذى بَرَّأهم .. كما وذِكره لشخص مكرم محمد احمد نقيب الصحفيين السابق ساخراً منهم متسائلاً بقوله ((وهل هو أيضاً من ضمن  الثوار حتى يتكلم بإسمهم)) وذكر أسباب مهاجمته لسياسته  لكونه قد خسر فى انتخابات نقابة الصحفيين فإنبرى كما وكل هؤلاء فى الانتقام بالهجوم من النظام ..  وفى نظرى أن هذا التناول ماكان ليحدث خاصةً وقد نال جزئياً من رصيد الرئيس اللذى نالهُ من عبقرية الخطاب من أوله حتى انتهى منه الى تلك النقاط تحديداً ..

لكن مايجعل له المبرر فى ذلك الإرتجال غير الحسن هو إضطراره لإثبات أدوارٍ لأشخاصٍ بعينها تُناصِب حكمه العداء .. ولم يكن له من بديل أمام ضغوط مناصريه عليه لكشف أمرها أمام الشعب وإلَّا عُدَّ متخاذلاً .. أو  للإستباق للمخاطر المقبلة من ثورة الجماهير القابعة بالتحرير والميادين الأخرى .. وفى رأيى أن مسلك الرئيس هنا كان  مقبولاً جوازاً رغم انتقادنا له تعاطفاً مع النظرية الفقهية القانونية والتى تعطى المتهم حق الحصول على دليل براءته من أية وسيلة حتى ولو كانت غير مشروعة على عكس دليل إدانته للآخرين .. ومن ثم  يبات  قيام الرئيس بإثبات براءته من اتهامات هؤلاء له وحده بتحمله مسؤولية أزمات حكمه الاقتصادية والسياسية  مقبولة حتى ولو تمَّت عن طريق غير مقبول منطقاً وغير مشروعٍ أخلاقياً خاصةً وقد بدا يلعب الآن سياسة وبإحتراف وكما قد بدا من الخطاب ذاته على عكس ماكان من قبل .. وفى السياسة الإباحة لأجل الغرض هى مُطلقة ..

تلك كانت رؤيتى فى تحليل خطاب الرئيس  مرسى  بين الإيجابيات والسلبيات وبتجرُّد بعيداً عن مشاعر التعاطف او المناوئة لاريب وكذا بعيداً عن مدى صدق الرئيس فيه أو تطبيقه فعلياً على أرض الواقع .. التحليل فقط قد نال إحترافية الصياغة السياسية فقط لاريب  !!


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق