]]>
خواطر :
شوهدت ذئاب على أطراف الوديان في فرائس تتحينُ ...مرت عليها البهائم وهي تتعجب... ردت الذئاب على البهائم ، لما العجبُ لولا الفرائسُ لما وُجدت الذئابُ...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

علماء الامة والمسؤولية التاريخية

بواسطة: احمد المختار  |  بتاريخ: 2013-06-25 ، الوقت: 18:43:47
  • تقييم المقالة:
مقالة بقلم الاستاذ محمد سعيد .        ان سِفرَ التاريخ لا يسطر مواقف السفهاء من البشر بالقدر الذي يسطر فيه مواقف العظماء لأن مداد اقلامه الحكمة . راودني هكذا معنى وأنا أتابع ما تمر به بلادنا العربية من احداث جسام ومن منعطفات تأريخيه وسياسية حادة تتطلب مستوى عال من الحكمة والعقلانية في النظر الى المشكلات الحادثة وفهمها وتحليلها حتى يتم اتخاذ المواقف الصحيحة والرصينة بشأنها لكي يتم تجاوزها بأمان .   ان بلادنا وشعوبها تقف اليوم أمام اكثر المشاكل تعقيدا على مر العصور وهي المشكلة السورية التي اضحت الجرح النازف الجديد الموشك على الاتساع الى ما قد يؤدي الى تشظي الامة الاسلامية وبلدانها الى اكثر مما عليه من تشظي الآن والذي اصبح يهدد الانسجام والعيش المشترك بين شعوب هذه البلاد اذا لم يعالج بعقلية ثاقبة تدرك ابعاد المشكلة السياسية وتستحضر كل العوامل المؤثرة في صناعة الحدث .   لقد انبرت لمعالجة هذه المشكلة الكبيرة مجموعة من علماء الامة الاسلامية وقد انعقد مؤتمرهم في القاهرة وخرج بتوصيات خطيرة اذا ما وجدت طريقها نحو التنفيذ , فقد طالب المؤتمرون بأرسال المتطوعين الى سوريا للجهاد ضد نظام الاسد وجمع الاموال ورفد المقاتلين بالسلاح وكافة الاسباب التي تحقق النصر على هذا النظام وحلفائه ومطالبة الحكومات بتسهيل الاجراءات المتخذة والمنبثقة عن هذا المؤتمر .   ان صياغة حلول ارتجالية ومشاعرية سيفاقم المشكلة ويعقدها ويحولها الى معضلة تستعصي الحل . فلا ينبغي ان تبنى او تصاغ حلول على اساس ردة الفعل المبنية على المشاعر اي على اساس ان الاسد وحزب الله ومن وراءهم ايران يخوضون حربا مذهبية ضد اهل السنة لان ذلك سيؤدي الى انقسام مذهبي سيدخل في معادلته شعوب البلاد الاسلامية جميعها وسَيُدْفَع ثمن ذلك دماءاً واموالاً وسيكون المستفيد من ذلك كله المتربصين بنا خلف الحدود الذين ينتظرون اللحظة التي يتحقق فيها هذا الصدام حتى نزداد ضعفا وانقساما وحقدا على بعضنا البعض ويسهل بالتالي الهيمنة السياسية والاقتصادية على بلادنا .   يكمن جوهر المشكلة السورية في تغييرات وتحولات سياسية تجري على الساحة الدولية وهي غير منفصلة عن ما يسمى بثورات الربيع العربي فحنين الفرنسيين الى مناطق نفوذهم السياسية في بلاد الشام وحنين البريطانيين الى مناطق نفوذهم في العراق قد خلق جبهة سياسية اوروبية بدأت تندفع بقوة نحو المنطقة لزعزعة الانظمة السياسية الموالية للولايات المتحدة الامريكية (سوريا , العراق , ايران) هذه الانظمة التي شكلت محورا أثار هواجس الخوف للأصدقاء والاعداء في المنطقة كونه يحمل صبغة مذهبية منظمة ومترابطة , فأنطلق الفرنسيون والبريطانيون مستغلين حالة الضعف والتراجع الامريكي من جراء الغرق في المستنقع العراقي والافغاني ليندفعوا بقوة نحو منطقتنا العربية من خلال أِثارة وتحريك الشعوب للقيام بثورات ضد الانظمة الموالية لأمريكا في ما يسمى بالربيع العربي , واستخدموا نفس الاسلوب الامريكي في الساحة السورية وهو استخدام الحس المذهبي كسلاح في هذا الصراع وهذه المعركة المصيرية بالنسبة لهذه الاطراف الدولية الشيطانية فقاموا بأنشاء محورا سنيا أخذت فيه كل الاطراف الاقليمية والداخلية مكاناً ودوراً فيه مقابل المحور الشيعي الذي انشأته امريكا من قبل وهو المحور السوري الايراني العراقي لتصبح الطائفية والصراع الطائفي هو الوسيلة لتحقيق اهداف ومشاريع وغايات الدول الكبرى التي تتصارع بدمائنا وابنائنا .   ان هذه الاجواء المشحونة بهذه السموم والتي يغذيها العدو الخارجي عن والذي يسعى لأحداث تغيير يصب في مصلحته عبر قنوات السياسة والاعلام اضف الى ذلك الدعم اللوجستي بالرجال والسلاح لابد ان تستمر وان ترفد بفتاوى شرعية لتعزيز الصدام والتي تملَيها تأثيرات الواقع السياسي ومشاهد القتل والدمار والشعارات المذهبية التي غالبا ما يقف وراءها اجهزة المخابرات الدولية العاملة بفاعلية على الساحة السورية كما اورد ذلك معاذ الخطيب في تعقيبه على حادثة خطف رجال دين مسيحيين حيث وجه الاتهام صراحة بقوله "هو احد عشرات اجهزة المخابرات الدولية المتواجدة على الارض السورية " .   ان جميع اطراف الصراع تعامل اليوم كأرقام في معادلة صراع الدول العظمى (فالأسد ,وحزب الله ,وايران) من جهة و(المعارضة السورية ,وقطر ,والسعودية) من جهة اخرى هم جميعا خاسرون في هذه المعادلة وماهم الا ادوات تتصارع بها الدول الكبرى فاذا انتصر الاسد في هذه المعركة فيمثل انتصارا للولايات المتحدة الامريكية وديمومة بقاء مصالحها في المنطقة , اما اذا انتصرت المعارضة السورية فسيمثل هذا الانتصار عودة للأوروبيين الى مناطق نفوذهم القديمة والتي ارتسها اتفاقية سايكس بيكو وسيوضع حد للجبروت الامريكي ليحل محله الجبروت الفرنسي والبريطاني وقد قالها صراحة جاك شيراك للأسد الأب (حافظ ) في تسعينات القرن الماضي بعد التقارب بين الولايات المتحدة وسوريا ولقاء الاسد – كلينتون في جنيف "لا تنسى يا سيادة الرئيس بأن سورية منطقة نفوذ فرنسية . بهذه الصورة كان يجب ان يُقرأ الحدث السياسي من قبل علماء الامة المجتمعين في القاهرة وبهذه الصورة يجب ان تصاغ الفتوى الشرعية التي تحرم حمل السلاح بين المسلمين خاصة اذا كان من يقف وراء هذا القتال ويحرض عليه عدوا كافرا لا يريد الخير لهذه البلاد والشعوب . لذلك فقد جاءت فتاوى هؤلاء العلماء لتصب في خدمة المواقف السياسية لأطراف الصراع وعلى مقاسها ,    اننا لا نقول بالسكوت على الظلم ولا نقول بأننا يجب ان نقف امام الحدث عاجزين وانما نقول باننا يجب ان نعالج الحدث بعقلية منفتحة على الاخر مدركة لطبيعة المشكلة وابعادها لا بعقلية مندفعة اندفاعا مشاعريا ممكن ان يحرق البلاد والعباد.    ان علماء الامة يقفون دائما في الملمات حيث تشخص اليهم الابصار ومسؤوليتهم هي مسؤولية تاريخية وشرعية سيحاسبون عليها امام الله سواء تحملوها عن حكمة ودراية أم عن جهل وتهور ، ان العلماء المجتمعين بالقاهرة اليوم يسيرون ويُسَيّرون الامة في طريق لا يعلم منتهاها الا الله اذا ما حصل صدام مذهبي لا سمح الله بين ابناء المسلمين لذلك عليهم ان يتقوا الله فيما هم مقدمون عليه في دعوتهم للشباب المسلم للقتال في سوريا بدوافع مذهبية .   لقد مرت الامة الاسلامية بمنعطفات تاريخية كان فيها أَئِمَتُها وعلماؤها هم اقباس النور التي تُهدي الى الخير والوحدة والامان لهم وللبشرية واورد هنا امثلة عسى ان تكون عبرة لمن كان له قلب او القى السمع وهو شهيد ولتدرك العقول ان مسؤولية عالم الدين تترفع عن سطحيات الفكر وهو ينظر الى مصالح الناس والدولة على أنها اكبر من انفعالاته . فعندما حاول قيصر الروم التدخل لدعم معاوية في قتاله مع علي بن ابي طالب كرم الله وجهه أجابه معاوية بردٍ عنيف مدرك لما يبتغيه عدو الله من هذا الامر وقال له لاصطلحن انا وابن عمي ثم نقدم اليك . ولما تناهى هذا الامر لمسامع الامام علي امير المؤمنين كرم الله وجهه قال لو فعلها بنو الاصفر لكنت جنديا في جيش معاوية هذه هي العقلية المدركة للحدث والمدركة للمصالح والمدركة للأعداء الحقيقيين للأمة هي عقلية متسامية عن الاحقاد وتقدم المصالح العليا على المال والنفس بالرغم من ان علياً ومعاوية كانا في حالة حرب .    كما يحدثنا التاريخ عن موقف الامام النسائي راوي الحديث المشهور الذي وقف موقفا كلفه حياته وهو ان ألف كتابا يذكر فيه خصائص وافضال الامام على كرم الله وجهه الشريف كما ألف كتابا يذكر فيه خصائص وافضالاً لمعاوية ، فكان ان اجتمع عليه الفريقين وكلٌ يطلب منه إقرار أفضال صاحبه على الاخر فآثر الرفض لَئِلا تكون فتنة بين المسلمين فأجهزوا عليه وقتلوه دعاة التعصب والمذهبية هذه المواقف هي المطلوبة في هذه الظروف الاستثنائية المواقف التي تسمو على الخلافات التي يغذيها اعداء المسلمين وغايتهم هي اضعاف قوة المسلمين بالصراعات التي تشرذمهم ليسهل على الاعداء السيطرة على بلدانهم وثرواتهم.   اين انتم يا علماء الامة من هذه الامثلة والى اين تريدون ان تسيروا بخلق الله . اما والله لو دعوتم الناس لتحرير فلسطين او لتحرير العراق من الاحتلال (الامريكي – الصهيوني) لفدتكم الارواح والمهج ولكنه مكر الليل بالنهار وتوجهات من يريد ان يستخدمكم ويستخدم عناوينكم وفتاواكم ليذبح ابناءكم ويستحي نساؤكم . انها الفتنة ومن سار فيها او تفاعل معها او قال فيها قوله فويله من عذاب الله .   قال تعالى (واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة ) وقال تعالى (يا أيها الذين امنوا ان جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين ).  يا علماء الامة اتقوا الله في بنيان الله اتقوا الله في النساء والاطفال والشيوخ ولا تأخذكم ثورة الجهل الى عواقب الندم , وحكموا صوت العقل قبل ان يسبق السيف العَذْلْ .
« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق