]]>
خواطر :
انساك ! ده كلام ؟... اهو ده اللي مش ممكن ابدا...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

(العربيّةُ) عسلٌ مشورٌ

بواسطة: أحمد عكاش  |  بتاريخ: 2013-06-22 ، الوقت: 11:16:51
  • تقييم المقالة:

(العربيّةُ) عسلٌ مشورٌ     

 

بقلم: أحمد عكاش

 

1-لغَةٌ كرّمتها السّماء، واصطفتها العناية الإلهيّة لحمل آي الذّكر الحكيم إلى العالمين، فقال جلّت حكمته: إنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (يوسف/2)، وَقد نهضت هذه اللّغة الجَليلةُ بأوقار هذه الرّسالةِ نهوضاً تعجز اللّغات الأخريات عن الاضطلاع به، قال الله تعالى في الذّكر الحكيم: كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآناً عربيّاً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ. (فصلت/3)، فَلو لم تكنْ لغتُنا العربيّةُ سيّدةَ اللّغات قاطبةً لَما توّجها ربّ العزّة دونَ سائر اللّغات بهذا التّاج السّرمديّ الّذي سيبقى يتلألأ فوق هامتها أبد الدّهر، فخليق بنا أن نتيه بها فخراً، إذ كنّا من النّاطقين بها، وأنّنا ننحدر من أصلاب وأرحام أقوام كانت تنساب على ألسنتهم عسلاً مشوراً [1]، وأريجاً فوّاحاً، قال (ابنُ سنان الخفاجي) في كتابه (سرّ الفصاحة):

- (مِمّا يدلُّ على فضل هذه اللّغة العربيّة أيضاً، وتقدّمِها على جميعِ اللّغات، أنَّ أربابها همُ العربُ الّذين لا أُمّة من الأممِ تنازعُهم فضائلَهم، ولا تُباريهِمْ في مناقبهم ومحاسنِهم، وإن كانوا تواضعوا على هذه اللّغةِ، فلم يكنْ تنتج أذهانُهم الصّقيلَةُ، وخواطرُهمُ العجيبةُ إلاَّ شيئاً خليقاً بِالشَّرفِ، وأمراً جديراً بالتّقدّم، وإنْ كانت توفيقاً من الله تعالى لهم، ومنَّةً منَّ بها عليهمْ).

2-ومن نافلة القول أن نقول بخلود هذه اللّغة، فعوامل الفَناء تقاذفت اللّغات الأخرى ففتَّتها لغات شتّى، ونأت بفروعها عن أُصولها حتّى لتكاد لا تجد أواصر قربى بين الفرعِ والأصل، ولم تستطع هذه العوامل أن تنال من لغتنا منالاً، لأنّ الله تعالى إذْ حفظ القرآن الكريم حفظها، وكفل بقاءها ما دام على وجه البسيطة من يتلو كتاب اللهِ.

3-وثمّة مكرمة تُدوّنُ بأحرف الإجلال والامتنان لهذه اللّغة، هي الدّور الفاعل البنّاء الذي أدّته في كلّ مصرٍ عربيّ تعرّض لكيد الاستعمار، وعتوّ الجبابرة والحاقدين، فقد كانت هذه اللّغة الآصرةَ الّتي توحّد النّاطقين بها، وهويّةً تؤلّف بين قلوبهم جميعاً، ومؤشّراً ناصحاً صدوقاً لفوّهاتِ بنادقهم، بأن تتّجه إلى صدر عدوّهم المشترك، ولا تنتكس بالارتداد إلى نحور الأشقّاء والأحبّة، وقد واكبت هذه المكرمةُ مسيرة لغتنا منذ (ذي قار) وَ(ذات الصّواري) وَ(الزَّلاَّقة) وَ(عين جالوت)، مروراً بحرب التّحرير في (جزائرِ) المليون ِشهيدٍ، إلى حرب (تشرين) في حديثِ تاريخنا، ولا ريبَ أنّ (لسان الضّاد) سيكون في فجر مستقبلنا القريب جدّاً –إن شاء الله تعالى- حامل لواء تحرير فلسطين وما اغتصب من تراب وطننا العربيّ الحبيب.

وفي ظلّ انتشار (القنوات الفضائيّة) في الشّاشات الصّغيرة، لا يسعنا إلاّ أن نشير إلى ملاحظة جديرة بالاهتمام، وهي أنّ الأقطار العربيّة قد تتباين أحياناً في أزيائهم ولون بَشَرِهم[2]، وبعض عاداتهم في أفراحهم وأتراحهم، وفي بعض مظاهر حياتهم من مآكل ومشارب .. لكنّهم حين يتكلّمون بلسانهم العربيّ المبين تسحرك هذه اللّغة الجميلة تجري على ألسنتهم عذبةً حبيبة قريبة من الفؤاد والعقل، وحينها قد يغيب عن لبّك أنَّ المتحدّث سودانيّ أو بصريّ أو شاميّ أو من الرّباط أو نواقشوط.. تغيب عن ذاكرتك الأمصار وأسماؤها، ولا يحضرك إلاّ (لسان الضّاد) الذي يقول لك بملء فيه: (هذا المتحدّث أخوك، وابنْ جِلدَتك)؛ فليقعْ كلامُهُ منك حيث ينبغي له أن يقع: في سويداء القلب، وإنسان العينِ.

4-ولقد عانت (لغتنا)  عبر مسيرتها المديدة –شأنها في ذلك شأن العرب أنفسهم –من ظلم الأجنبيّ الغريب حيناً، ومن عُقوق أهلها تارة، وخاضت هي الأُخرى –كالعرب أنفسهم أيضاً- حروب إبادة مورسَتْ عليها أحايينَ عديدةً، وفي أصقاع عديدة من وطننا، لكنّها –بحمد الله- خرجت من ساح هذه المعامع كلّها مرفوعة الرّأس منتصرةً، وذهبت تأسو جراحها [3].

            وإنّنا نشهد الآن صحوة عربيّة، بعد أن غدت المعمورة كلّها –بفضل تطوّر وسائل الاتّصال- قرية صغيرة يتنقّل المرء خلالها بيسر وسرعة، صحوة شاملة مسّت مناحي حياتنا كلّها، ونالت (اللّغةُ) منها النّصيب الأوفى، إذ هي وسيلة التّواصل الأرحب والوحيد بين الأقطار العربيّة، وهنا نسجّل للقطر العربيّ السّوريّ سابقة محمودة، وريادةً فُضلى، وهي تعريب التّعليم الجامعيّ والعالي، في كافّة فروعه، في حين لا يزال العديد من الأقطار العربيّة حتّى الآن يتعثّر في سيره على هذا النهج القويم.

فلغتنا بما لها من منّة على أعناقنا، وبما يتهدّد سلامتها ونقاءها من غزوٍ ثقافيّ، حقيقةٌ بأن نوليَها من التّوقير أعظمَهُ، ومن الرّعاية أشملَها، ومن التّمكين لها وُسعَنا، ولا ننسى أنّ سلفنا الصالحَ دعوْا إلى ما ندعو نحن الآن إليه، في وقتٍ كانت (اللّغة العربيّة) سيّدة اللّغات دون منازع، وكانت فيه من السّلامة بحيث يندر أن تسمع (لحناً)، قال القلقشنديّ في (صبح الأعشى في صناعة الإنشا):

-(قال عثمان المهري: أتانا كتاب عمر بن الخطّاب tونحن بأذربيجان يأمرنا بأشياء، ويذكر فيها: تعلّموا العربيّة، فإِنَّها تُثبّتُ العقلَ، وتزيد في المروءة).

وقال أيضاً في موضع آخر في كتابه:

-(ولم يزل الخلفاء الرّاشدون رضي اللهُ عنهم، بعد النَّبيّ rيحثّون على تعلّم العربيّة وحفظها، والرّعاية لمعانيها، إذ هي من الدّين بالمكان المعلوم، والمحلّ المخصوص).

وقال أيضاً:

-(قال الرّشيد يوماً لبنيهِ: ما ضرَّ أحدَكم لو تعلّم من العربيّة ما يُصلح به لسانَهُ؟ أيسرُّ أحدَكم أن يكون لسانُهُ كلسان عبْدِهِ وأَمَتِهِ ؟ ).

فإن نحن دعونا الآن –في مستهلّ القرن الحادي والعشرين الميلادي- إلى حفظ (لغتنا) ورعايتها، إنّما نحن في ذلك مُقتدون بأسلافنا، ونحن الآن في حاجة ماسّة إلى هذا أكثر من حاجتهم إليه في زمانهم، ولعلّ ما سيأتي يساهم في التّقدّم ولو بضع خطوات، فأنْ نتقدّم بضع خطوات يوماً، خير ألف مرّة من أن نُراوحَ مكاننا دهراً:

1- في مجال التّعليم:

لا يخفى ما للمؤسّسات التّعليميّة بكافّة أنواعها ومستوياتها واختصاصاتها، من دور في تربية الأجيال وتنشئتها والتّأثير البالغ في توجيهها وسلوكها ومعتقداتها ..، لهذا وجب أن نولي هذه المؤسّسات أكبر الرّعاية، وأن نزوّدها بِطَاقات غير محدودة لتُؤتي ثمارها، وتؤدّي دورها المنوط بها خير أداءٍ وأتمّهُ،  وذلك بما لي:

1-وجوب تأهيل المعلّمين المُربِّينَ لغويّاً وثقافيّاً وتربويّاً .. تأهيلاً عالياً، وإقامة دورات جادّة لهم لتزويدهم باللّغة الأُمّ الصّحيحة، ومحاسبتهم على التّفريط فيها، لأنّهم القدوة الّتي تُحتذى، ولأنّهم (أداة) إعداد الجيل وتأهيله، فلا يُعقل أن نأمل في أجيالنا الصّلاح إذا هم تربّوْا على مربّين يفتقرون إلى ما نرجو توفّره فيهم، وقد قيل قديماً: فاقد الشّيءِ لا يُعطيه.

2-على المعلّمين كافّة التزام (الفصحى) في مخاطبة تلاميذهم التزاماً صادقاً هادفاً في أجلِّ أمور التّلاميذ قدْراً، إلى أتفهها وأقلّها خطراً؛ من معلّم الرّياضة البدنيّة والفنون والرّسم والرّياضيّات والعلوم .. انتهاء بمعلّم (اللّغة العربيّة) الذي يتحمّل المسؤوليّة العظمى في تقريب هذه اللّغة من قلوب النّاشئة، وربطها بالماضي العريق ..، ويجب هنا أنْ نعدَّ النّطق بالعاميّة أمام المُتعلِّمينَ أو معهم جريمةً تستهدف الأجيال العربيّة والثّقافة العربيّةَ..

3-في أثناء تقدير درجات نجاح المُتعلِّمينَ من مرحلة تعليميّة أدنى إلى مرحلة أعلى، يحسنُ أن تحظى (اللّغة) بنصيب عال من الاهتمام، فلا يترفّع متعلّم إلاَّ إذا حصل في (العربيّة) درجةً تُحقّق طموحاتِنا وتطلّعاتنا في الارتقاء بسويّة (لغتنا)، وسويّة اهتمام مُتعلّمينا بتحصيلها.

4-وجوب رعاية الكتاب المدرسيّ في الموادِّ كلّها، ومراقبة لغته وتدقيقها، فلا يجد المُتلقِي فيها خطأ، أو ما يُناقضُ ما يتعلّمه، بل  يجب أن تكون جميع كتبه تطبيقاً واقعيّاً للعلوم النّظريّة التي يتلقّاها.

2-في مجال الإعلام:

إن كنت قد رأيت صخور الشّاطئ، ورأيت ما أحدثته أمواج البحر فيها من الحتّ والتّآكل، أدركت بسهولة تأثير الإعلام، فكما تترك الأمواج على تلك الصّخور آثارها الواضحة التي تزداد على الأيّام عمقاً واتّساعاً، مثل ذلك يترك الإعلام آثاره في عقول النّاس ومعتقداتهم، فالذين يتحكّمون بالإعلام مرئيِّهِ وَمكتوبهِ ومسموعه، يتحكّمون بمصائر الشعوب، وما دام الإعلام على هذا القدر من الأهمّيّة علينا أن نبادره فنأخذ بناصيته قبل يأخذ بناصيتنا، ونفلح في ذلك بما يلي:

آ-الإشراف على لغة المذيعين في المذياع و(التِّلفاز)، ولغة الصّحفي..، فلا نسمح لواحد منهم بمجابهة المستمعين والقرّاء إلاّ بما هو سليم، ويستحقّ السّماع أو القراءة، وذلك باختيار هؤلاءِ الإعلاميّين بناء على معايير دقيقة صارمة محدّدة، وصفات معلومة، وإخضاعهم حيناً بعد حين إلى دورات تثقيفيّة تعليميّة حتّى نحفظ لهم سويّة راقية لا تطالها الضّحالة أو الخطأ.

ب-في كلّ عمل إعلاميّ يجب التزام اللّغة العربيّة السّليمة، بخاصّة ما يقدّم للأطفال، لما له من تأثير بالغ الخطورة في نشأتهم، ويجدر بنا أن نشير هنا إلى وجوب الجنوح إلى السّهولة والتبسيط في مخاطبة الأطفال، ولكن الحذر كلّ الحذر من الإسفاف في ذلك أو التّساهل في الغلط، أو التّغاضي ولو عن بعض الغلط.

حـ-وجوب مراقبة مطبوعات دور النّشر داخل الدولة، و المترجم منها، فلا يسمح بنشر أو تداول إلاَّ ما تتوفّر في لغته شروط السّلامة والصّحّة والفائدة، وتجب الحيلولة دون نشر أي مطبوع إلاَّ بعد  أن يدقّق ويصحّح لغويّاً.

د-وينضوي في مجال الإعلام ما نراه في شوارعنا من لافتات للمحالّ التّجاريّة أو الصّناعيّة، أو لوحات الدّعاية والإشهار التي أضحت في أيّامنا هذه تشغل مساحة كبيرة في الأرصفة وعلى واجهات المحال، فيجب أن تكتب هذه أوّلاً باللّغة العربيّة الأمّ، في أعلى الإعلانِ، بخطّ عريض نسبيّاً، والأفضل أن تقتصر الكتابة على العربيّة، وإذا كان لا بدّ من الإعلان عن سلع أجنبيّة بغير اللّغة الأمّ، فيتمّ ذلك بخطّ صغير أسفل لوحة الإعلان، فالشّعوب التي تحترم نفسها ترفع شأن لغتها، وتضعها دائماً في الصّدارة، والمكانة الأسمى [4].

هـ-ولا يفوتنا أن نشير إلى وجوب الاكتفاء بمجمّع لغويّ واحد في وطننا العربيّ كلّه، وأن تُمْنَح منشوراتُه وتوجيهاته وتوصياته الرّعاية التّامّة، وأن تعمّم هذه التّوجيهات وتُلتزمَ في كلّ الأمصار النّاطقة بالضّادِ، ذلك لتتوحّد المصطلحات العربيّة، لعلّ هذا يكون نواة وحدةٍ عربيّة تنتظم الأقطار العربيّة كلّها، وما ذلكَ على اللهِ بعزيز.

وبعد: إنْ تكنِ السّياسة –سامحها الله وأصلحها - أخفقت في لمّ شملنا نحن العرب، وفرّقتنا دولاً، وإن تكن الأيدي الغريبة الآثمة أقامت بين هذه الدّول أسلاكاً شائكة، فلم نعدم –بحمد الله - هذه اللّغة الحبيبة، هذا العسل المشورَ، الذي يجمع شملنا، فهي:

لُغَةٌ إِذَا وَقَعَتْ عَلَى أَسْمَاعِنا  =    كَانَتْ لَنَا بَرْداً عَلَى الأَكْبَادِ
 

سَتَظَلُّ رَابِطَةً تًؤَلِّفُ بَيْنَنَا   =  فَهِيَ الرَّجاءُ لِنَاطِقٍ بِالضَّادِ 
  

 

 انتهى

 

[1]-العَسَلُ المَشُور: المُسْتَخْلَصُ مِنْ شَمْعِهِ، الصّافي.

[2]-البَشَرُ: جَمْعُ البَشَرَةِ، وَهِيَ جِلْدُ ظَاهِرِ الجَسَدِ.

[3]- مارس الاستعمار الفرنسي في الجزائر سياسة (الفرْنسةِ)، وغيرُه عبرَ التّاريخ كثيرٌ.

[4]-يقال إنّ (فرنسا) لا تسمح أن يُكتب في لافتات محالّها بغير الفرنسيّة.

النهاية

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق