]]>
خواطر :
انساك ! ده كلام ؟... اهو ده اللي مش ممكن ابدا...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

شارع المتنبي... المعنى وجدل التأريخ...جمال العتابي

بواسطة: قصي طارق qusay tariq  |  بتاريخ: 2013-06-21 ، الوقت: 22:31:12
  • تقييم المقالة:



العلاقة بشارع المتنبي تعود إلى أيام الدراسة في الجامعة يوم كنا نقطع شوطا من المسافات مشيا من كلية التربية، حتى مطعم (تاجران) الذي كان يحتل الركن الايمن من المدخل مطلا على الشارع الاب (الرشيد) مرورا ب(كعك السيد)، و(شربت حاج زبالة ).منه تبدأ رحلة البحث عن الكتاب، رحلة ممتعة، متعة الكتاب، ومتعة اللقاء بالناس الذين يقرؤون، رحلة كانت كفيلة بأن تدب فينا حياة ما، لاندري كنهها الحقيقي، لأننا لم نجرب غيرها لم تتسن لنا مقارنتها بغيرها.
كنا خليطا، يجمعنا ويوزعنا، نلتهي ونكتوي، ندخل إلى يفاعتنا من بوابة المشاكسة، وارتكاب البراءات، نجد الجد غير ملائم تماما ليفاعتنا، فنقذف به إلى خارج أسوار الكلية، نهتف، نلهو، نلوك النكات البذيئة، نواجه الرصاص ايام اضراب طلبة الجامعة احتجاجا على الغاء نتائج الانتخابات الطلابية، أيام حكم عارف الثاني، نكتب كلمات عشق على صفحات الدفاتر، نسربها إلى طالبات يافعات يقتنصن نظراتنا الساخنة في حمأة المواجهة والتظاهر. العلاقة بهذا (المكان)امتدت لعقود من الزمن، وماتزال، إلا أنها أخذت منحى أخر ايام التسعينيات من القرن الماضي، حين داهمتنا ألوان شتى من الحصارات، الحصار الذي تلبسنا وأخذنا من هويتنا إلى هاويتنا، لأن الممنوع الذي إشير اليه من دون إيغال في المبالغة، هو كل مايمكن، ومالايمكن تصوره يوم كان (المتنبي) وسيطا لتدريب كنوز الثقافة العراقية من المخطوطات، وأثار، ومجلات سومر والمورد إلى خارج العراق .
في تلك السنوات لم أجد سبيلا للعيش سوى ذاك الملاذ المعلق الذي لايبعد سوى خطوات عن مقهى (الشابندر)، فأعود من جديد لممارسة مهنة التكسب بوسيلة متواضعة، كنت قد غادرتها منذ سنوات، لأجرب مهارتي فيها من جديد، فاخترت (الخط) لأعود به إلى البيت ببضعة دنانير لاتكفي لشراء طبقة بيض .
الا أن هذا (المكان) سرعان ما أضحى ملتقى للاصدقاء من المثقفين والسياسيين المتقاعدين، مأوى لكتب الأدباء الذين يعرضون مكتباتهم للبيع على رصيف الشارع عند الصباح، وهو ليس ببعيد عن عيون أجهزة السلطة، فخضع لمرات عديدة إلى المراقبة والتفتيش واستدعاءات دوائر الأمن. المشكلة أننا في هذه اللقاءات اليومية، لم نحاول تجاوز النمط والتقليد، فتوغلنا في الحوار، واختلت المعاني لدينا ، وأضحت القيم لها صورتها الإخرى الغائبة، وبدأت الأشياء على حال آخر غير ماصورته لنا الإيديولوجيا، وافترقنا في التأويل، واختلفنا في التصور، وبتنا نبحث عن وجه آخر لنا. فرُجمنا(معا)بتهمة الاجتماعات، وإنه لم تتسن لنا المجابهة ...
واخترت هجرة المكان تحسبا لوقوع الأسوء من الإجراءات التعسفية.
إلا أن الشارع لم يغادر ذاكرتي مطلقا. فأين تكمن العلاقة ؟.
سؤال أحاول الإجابة عنه من خلال هذه الاستذكارات وماهي الأسرار التي ينطوي عليها هذا المكان؟ والدلالات والرموز، التي يمكن اكتشافها فيه، أوتأملها، أسئلة تحمل إيحاءات، مثل الإيحاءات المعمارية التي يتشكل منها البناء، والمعاني فوق طاقة الكلمات، إنها ملامح متشابكة تصوغ جماليات المكان، تومئ إلى مضامين عميقة، بثراء الأحداث والمواقف وغناها، ترقى إلى مستوى الرمزية الطقوسية .
لم يكن شارع المتنبي يحمل عمق الدلالات الحاضرة الآن، أيام عقود سابقة، أقصد سنوات الخمسينيات والستينيات وحتى السبعينيات من القرن الماضي، إذ كان (الرشيد) بمقاهيه وترفه متعة للمثقفين والناس المدنيين، فإلى جوار (المتنبي) كانت القشلة ببهائها وطرازها المعماري الجميل، وإلى جانبها دوائر ومؤسسات ذات وظيفة ثقافية وتربوية وهي علامات فارقة مهمة، إن هذه الشواهد بمجملها تمثل (المكان الأليف) كما يقول غالب هلسا في مقدمته لكتاب (جماليات المكان) ل(باشلار). تلك الألفة هي ملامح المدينة المألوفة التي نعرف تاريخها وحاضرها جيدا، مثل الشارع الذي ندمن الجلوس في مقاهيه، الأزقة الشعبية، البيت ذي الخصوصية الهندسية والزخرفية ...الأمكنة الأليفة كانت تتوزع على جغرافية المدينة إذ تبدأ من شارع السعدون حتى باب المعظم، لتتسع في استقبال روادها من النخب المثقفة من أدباء و أكاديميين، فأضحت ظواهر بارزة في حركة التجديد الثقافي السياسي منها بدأ الابداع الادبي والنقدي، كانت تفوح منها رائحة (بواكير الحداثة)، التي خلخلت المألوف والتقليدي .
يأتي زمن آخر، حقائق أخرى وحكايات أخرى، ندخل إلى عالم مختلف من بوابة الحروب والكوارث التي تعصف بالعراق نكوّم أحلامنا خلفنا، نغادر أسئلتنا الكبرى، أحلامنا التي قضينا وطرا طويلاً في جمع أشتاتها ... فيذوي الجمال. في تلك الأمكنة يختصر (المتنبي) وحده متعة المثقف ، إنها نقطة التحول الأبرز في تاريخ شارع المتنبي .. التي يمكن تحديدها بالعقد الأول من الألفية الثالثة .. المتزامنة مع سقوط الدكتاتورية. اذ لم يعد هذا الاختصار يعتمد على متعة المثقفين وحدهم.
إنما هي البداية التي أصبح فيها (المتنبي) بديلا عن المؤسسات والمنتديات التي تحتضن الثقافة.لم تكن معايير الماضي التي نقيس عليها صالحة هذه المرة. لكن الكلمات لم تفقد معانيها، فتنتعش الذاكرة مرة أخرى. تصبح (جمعة المتنبي) محتفية بسمات جديدة، أبعد من الماضي. أجد من المغامرة الإحاطة بكل جمالاتها، لأن المهم أن أدل على القسمات الرئيسة الجديدة فيها.
فالمكان لا حيلة فنية مقحمة عليه، سوى ترميم الواجهات بطراز بغدادي أصيل، بعد تعرضه لعمل إرهابي هدم واجهاته، وقتل أبناءه، إنه رمز ينبض تحت جلد هذا النسيج العراقي يجمع أطرافه في قبضة تجمع جزئيات المكان.
إن رواد (الجمعة)، في إنتاجهم وسلوكهم وهم في أغلبهم من المثقفين والقراء ومنتجي الكتاب وتسويقه لا ينتمون إلى مجتمع ساكن أو راكد، فتحول بوجودهم هذا اليوم إلى تجمع لفئات تسعى إلى التجديد على الأغلب، وهم يتقدمون نحوه دون ضجيج ويلتقون على أرضية مشتركة هي العنصر الإيجابي النشيط في محاولة إحداث التغيير النوعي لحياتنا الثقافية.في قراءة متأخرة لكتاب (المكان العراقي) أثار دهشتي ذاك الوصف الذي قدمه الدكتور لؤي حمزة عباس وهو يتحدث بلغة الشعر المكتنزة بجميل العبارة عن شارع المتنبي.وعن إرادة (الجمعة البغدادية) حين تجد مواقيتها فتصحو- وقت تغوص في نهر الكتب- على أصوات لا نهائية، هواجس، أحلام، ظنون، مهرجان تمنحه أصوات ماكنات المطابع، ورائحة الأحبار المخلوطة بفوح قدور الكبة ، وجها حاملاً للحياة تلونه التماعات الأغلفة ساعة تلمسها الشمس.على الرغم مما تعرض له (المتنبي) من محاولات تدمير وإزاحة الوجود الرمزي له، إلا إنه ظل يحتفظ بمعناه في جدال مع تاريخه، واستمرار احتفاظه بآثاره الدلالية، ليقول لنا بوضوح: إن إحساسنا الصادق بهذا المكان، كان على مستوى اُثر الذي يتركه للأجيال. وعلى أساس هذه النظرة، يبدو لنا أن الزمن الذي قطعه (المتنبي)خلال رحلته الطويلة، لم يكن ليضع نهاية محددة لها. إنما هو زمن مفتوح في مراحل استحضار دائمة لسنوات قادمة هي مصدر النور والرؤية والتعبير، واستمرار الحياة الثقافية.


« المقالة السابقة

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق