]]>
خواطر :
الحياة الدنيا مثلها امرأة ، تراها من بعيد جمالا براقا لتكتشف أن كل شيء فيها مصطنع ... من رموش العين إلى احمرار الخدين والشفتين إلى طاقم الأسنان الناصع البياض...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

كلمات جمال العتابي مدياتها الوفاء

بواسطة: قصي طارق qusay tariq  |  بتاريخ: 2013-06-21 ، الوقت: 22:29:38
  • تقييم المقالة:



ماالذي تريد ان تقوله هذه الكلمات ؟ بهذا التساؤل المعذب يفتتح جمال العتابي كتابه الجديد (كلمات متقاربة المدى ) الصادر عن دار الثقافة والنشر الكردية، ليس هذا السؤال ما يواجه جمال وحده ويريد من الاخرين الاجابة عنه، بل نراه يواجهنا كلما انهينا جهدا اومكابدة عند انجاز كتاب او شهادة في زمن يشعر فيه الكاتب قبل غيره بلاجدوى الكلمات او ضعفها في منازلة غير متكافئة بين القابضين على رقاب الواقع المتردي، وبين زمن من المجد والنور ضاعت ملامحه ولاوجود لبقاياه الا في اسر ذاكرة الشاهد نفسه. جمال مثله مثل كثير من المبدعين الذين يحاولون اسر الجمال في قفص من الكلمات ويقدموها كلما سنحت الظروف والامكانات هدية للاخرين للاستمتاع بنكهة تجاربها او مايسكنها من اوجاع ومسرات (الاستعارة من الروائي فؤاد التكرلي )او مايتقمصها من عبق لزمن غائر مازال يشع بملذاته في ذاكرة ووجدان الكاتب.لعلي اجد جوابا افتراضيا لسؤال الكاتب في ما تريده بلوغه كلماته في الشوط الاخير، بصفتي قارئا لها لديه انطباع او حاسة للتلقي او يدعي صداقة ومعرفة كافية بالكاتب تؤهله لعبور قشور الكلمات والحفر في طبقاتها المطمورة او المستترة.
خيط الوفاء
لاتبدو سطور جمال العتابي مجرد كلمات تتنوع في عناوينها وتتقارب في مدياتها الاخيرة فقط، بل اجده عقدا فريدا ينظمه خيط من اللؤلؤ النفيس والنادر، وفي هذا الخيط تكمن قيمة الكلمات والكتاب كله بعناوينه المتنقلة من الاسماء والامكنة والوقائع والوثائق احيانا.
تتبعت ذلك الخيط الرابط لكلماته فلم اجد اختصارا له الا مفردة (الوفاء ) وهنا ليس بمعناه الاخلاقي الفردي، وانما بمعنى الالتزام والمسؤولية ازاء الشهادة المطلوبة لزمن مقتطع من ذاكرتنا الجمعية وهذا اعتقده شيئا مهما في الاجابة عن السؤال المبكر للمؤلف لنفسه عن جدوى كلماته .
اما من اين استقى هذا الخيط اللاضم لعقد كلماته المتقاربة في مدياتها (الوفاء)، ربما كان ذلك حصيلة تجارب ودروس تلقاها من هؤلاء الذين كتب عنهم ولهم هذه الكلمات...ومن بينهم الاب الفنان المعلم حسن او ربما من احد رفاقه في الحزب او زميل من زملائه الفنيين او الصحفيين في الجريدة..اصدقاء التقى بهم في طريق الحياة، كل واحد من هؤلاء ربما كان لهم نصيب في درس الوفاء والنجاح به في شهادة هذه الكلمات.
الوفاء الذي تفوح منه رائحة الكلمات لم يتوقف عند حدود الشخصيات التي كتب عنها وشهد لها بفرادة الابداع وصلابة الموقف من خلال معايشة مباشرة واحتكاك هيأته ظروف العمل المهني او الحزبي او المكاني، بل تعداه الى الوفاء للامكنة التي صاغ منها خميرة كلماته المتقاربة، فظهر جمال في كلماته مدين للاب معلمه الاول في التربية والجمال والصلابة في المواقف ايضا والذي تنقل بفضلها الى مدن العراق وعشقها وعشق ناسها وجمالها الطبيعي، ومنها مبنى الجريدة ذلك الكون الي فتح بوابته الفردوسية ليلتقي بوجوه واسماء كان لها دور كبير ليس على مستوى الثقافة والصحافة والشعر و الفن بل على مستوى الحياة نفسها فشخصية ثرية كشمران الياسري(ابو كاطع) لايمكن ان تعزل ابداعه الفذ والفريد في كتابة العمود الساخر والرواية الشعبية التي لن تتكر في ادبنا العراقي دون ان تذكر عناده الريفي وبياض فطرته التي جعلته لايتصالح مع ظالم ولايتهادن مع حاكم ولاينثني امام اغراء وهي دروس وتجارب. لايستغني عنها العراقي في اي زمان او مكان.
وهذا مافعله العتابي مع الشاعر رشدي العامل وكشف منه للتاريخ الثقافي وجها اخر وهو وجه كاتب العمود المحترف والسياسي الذي لاينقاد مع القطيع بتعليمات مسؤول الحزب الاوحد.
هذان مثالان اقتطعهما جمال من زمن ذاكرته ليس اعتباطا وانما لغاية مهمة، فضلا عن قيمة الوفاء لهما،غاية تتعلق بصورة الصلابة والعناد والفرادة التي بغيابهما حصلت انهيارات وكوارث ليس على الاشخاص فقط بل على مستوى الامة والوطن، كما ان تفرد رشدي العامل والياسري كما تصورهما كلمات جمال العتابي تعنيان بالدرجة الاساس الغفلة عن ما كان يحذران منه من قدوم عواصف شريرة ومسمومة ستطيح بمستقبل البلاد وتملأه سوادا وخرابا وهذا ما حصل فعلا.
تظهر قيمة الوفاء في كلمات جمال ليس على مستوى شخصيات نالت حظها من الشهرة والانتشار بل شخصيات مهمشة وغير معروفة ولاتستحق هذا الاهمال وكانما هنا يوجه تحذيرا مشروعا لضرورة توثيق قيمة المبدعين العراقيين دون تمييز بين نمط ابداعي واخر، ودون اسم او اخر، لربما كان وراء تهميشهم ونسيانهم تمردهم على الانساق السلطوية والانتماءات الايديولوجية، ولكن آن الاوان لنتدارك ذلك مستقبلا ونلملم تواريخ مبدعينا وسيرتهم ونحفظها كحق وطني لهم وللاجيال من بعدهم،ربما كان ذلك واحدة من رسائل جمال.
شعرت بان جمال بترتيب فصول كلماته المتقاربة وتكثيفها باسلوب لغوي يقترب من رشاقة خطوطه واكتنازها بايقاعات جمالية قريبة من الروح يسكنه هاجس ما يتعلق بخشيته من ضياع التاريخ الذي يسكن في ذاكرتنا ونضطر لاجتراره في حلقات ضيقة من الاصدقاء ونراه يتبعثر هنا وهناك دون ان ندونه او نوثقه كما تفعل الدول المتحضرة والمدنية بالتعامل مع حكايات وذاكرة مبدعيها التي تتعدى حدود الارشفة والذاكرة الى متاحف تضيق بها جغرافيات تلك البلدان.
انا شخصيا كنت لااقرا كلمات رشيقة بخط فنان بارع فقط بل كنت اشاهد مقطعا تاريخيا نضاليا من نضالات شعبنا وهم يرسمون الجمال ويكتبون الابداع تحت سقوف متهرئة لجريدة محذورة ومرصودة باذان المخبرين،او بار مكتظ بالجواسيس او مقهى يندس في مقاعدها عشرات من من كتاب التقارير
ما انتظره من جمال!
ومن هنا انتظر من جمال ان يحول هذه الكلمات المتبعثرة الى كتاب توثيقي ترصفه كلماته الرشيقة وتعزز قيمتها التاريخية مالديه من وثائق وصور تحكي قصة تاريخ باكمله،توجز قصة اليسار وانكساراته المتعاقبة والزمن الجميل المختطف من قبل الانقلابيين وغياب المؤثرات والمحفزات التي انجبت اسماء واردة في خيط الوفاء في هذه الكلمات كرشدي العامل وشمران الياسرس ومحمد الملا كريم وصادق الصائغ وكامل شياع وسامي العتابي وعزيز السيد جاسم والعشرات غيرهم الذين ضمهم نهر هذه الكلمات مدا وجزرا عتمة وضياء.
عقوق للزعيم الخالد
كنت اتمنى ان يبقى جمال مرابطا عند هذا الخيط اللؤلؤي من الوفاء الذي نفتقده في ايامنا دون ان يتحرك نحو شهادة بدت طارئة على كلماته واقصد الفصل الخاص بوثائق مدير امن الزعيم قاسم والتي نقلها جمال عن كتاب خاص للدكتور عبدالفتاح علي بوتاني أظهرت الزعيم وكأنه لعبة آلية بيد ريبوت مدير امنه العام وبما ان الوثيقة في التاريخ لايصح الاجتهاد امامها ولكن يمكن مناقشتها وتحليل كلماتها واضاءة المستتر منها وهذا ماليس بمقدوري ومقدور جمال في هذا المجال، ومن يقرأ هذا الفصل الخاص وبعنوانه اللاموضوعي (عبدالكريم قاسم..الى اين قاد الجمهورية ) يخرج بانطباع وشعور بان هذا الزعيم الوطني الزاهد لم يكن حسب هذه الوثائق سوى العوبة بيد مدير امنه العام وبالتالي فهو لايستحق ان يكون رمزا للعفة والوطنية التي ضرب بها مثلا ساطعا دون الزعماء الانقلاببين الذين تتابعوا على حكم هذه البلاد.
وكأن الزعيم ليس هو ذلك الذي اعلن عن اول طاقم وزاري بعد نجاح ثورة تموز وضم مجموعة نادرة من الكوادر والكفاءات العراقية كالخبير الاقتصادي ابراهيم كبة والخبير الزراعي هديب الحاج حمود والمهندس فؤاد الركابي والوزير هاشم جواد على حساب رغبة الطاقم العسكري الذي قام بالحركة العسكرية لنجاح الثورة فيما بعد... كنت اتمنى من صديقي جمال ان يضيف فصلا اخر يكشف فيه مافعله رفاقه اليساريون بثورة تموز وقائدها والتعجيل في اغتيالها عندما بلغوا وسط احضانها الدافئة والامنة مالم يبلغوه من شان ومركز على الاقل على صعيد الشارع الشعبي حيث اسرني شخصيا زعيم الحزب الشيوعي لاربعة عقود عزيز محمد بانه كان منزعجا بصفته مسؤول مالية الحزب انذاك من القبول العشوائي لاعضاء الحزب الشيوعي الذين وصلت اعدادهم الى الالف شخص ايام حكم الزعيم ،كل هذا تم تحت عيون الزعيم ورعايته للحرية السياسية التي اساء الاخرون( شيوعيين وبعثيين وقوميين واسلاميين ) اليها كما اثبتتها الاحداث اللاحقة،واعاقت خطواتها التي ارادها الزعيم والقوى الديمقراطية غير المنضوية تحت يافاطات حزبية في العراق.
اثبت الحقائق ان الزعيم اراد الوصول الى الحرية التي يتعطش اليها العراقيون ولكن ليست حرية الشوارع المصطبغة بدماء الابرياء وهروات التعصب القومي والطائفي والشعارات الملغومة بالتحريض على الاخرين،هذا ما لم تقبله الروح المتسامحة الطيبة للزعيم، وهذا مالم يقله جمال في كلمات الوفاء التي كتبها بحق الاسماء والامكنة والشخصيات التي تقاربت في مدياتها وابتعدت في امكنتها وشخوصها.
كم كان رائعا صديقي جمال العتابي وهو يؤجل كلمات الوفاء بحق شقيقه الفنان الراحل سامي العتابي ربيعه الدائم الى الفصل ما قبل الاخير.. انه وفاء بطعم نكران الذات، وفي هاتين القيمتين الاخلاقيتين ما يكفي لنصفق لجمال ونهتف لوفاء كلماته المتقاربة في مداها وهو الوفاء الغائب في ايامنا هذه..وما احوجنا اليه؟.
يذكر ان تصميم الغلاف للفنان ياسر العتابي


موقع وزارة الثقافة

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق