]]>
خواطر :
الحياة فصول .. جلوسنا لدقائق , لا يعني إحتوائها تماما هي دقائق نتأملها ..لا غير.   (طيف امرأه) . شوهدت ذئاب على أطراف الوديان في فرائس تتحينُ ...مرت عليها البهائم وهي تتعجب... ردت الذئاب على البهائم ، لما العجبُ لولا الفرائسُ لما وُجدت الذئابُ...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

ملف الهوية تحت المجهر الشرعي.

بواسطة: ربيع بن محمد ميسوم  |  بتاريخ: 2013-06-21 ، الوقت: 17:50:48
  • تقييم المقالة:

يعدّ الأخذ والرد في ملف "الهوية" من الطابوهات بلغةالصحافة، التي يخشى الكثير من الناس الكلام والخوض فيها، وما ذلك إلا لظنهم بأن مثلهكذا مواضيع، لا علاقة لها بالماهيات المكونة لديننا الحنيف أو أنها من المجالاتالتي تنضوي تحت الكلام في دهاليز السياسة الوضعية والمزايدات الفلسفية التي لا طائلمن ورائها وأمامها، ولعل هذا من أهم الأسباب التي خلقت نفورا بين المرء من جهة والبحث عن هويته المفقودة من جهة أخرى، حتى أضحى بالكاد بلا هوية لا يفقه ولا يفهم مدلولها إلا من خلال وثائقه الشخصية أو ما تمليه عليه وسائل الإعلام، بغث مادتهاالعلمية التي تخلط في كثير من الأحايين بين المصطلحات ومقاصدها أو تغيب عن قصد مكونات لها حصة الأسد في رسم ملامحها، متطرقة لها سطحيا من دون شرح متروي، بل وحتى أهداف ومرامي العلم بمكنونات الهوية والبحث عن خباياها علما وتبنيا ودفاعا، وقدتكون هذه هي نقطة البحث وهذا هو مربط الفرس في موضوعنا هذا، وهو الدافع الرئيسي من وراء صنيع رجال التاريخ الذهبي الناصع في الدفاع باستماتة عن قيمنا في أحلك العصوروأضيق الدهور، ولا أدل على ذلك ونحن في باب المناسبة من عمل جمعية العلماء المسلمين الجزائريين التي ضحت بالغالي والنفيس، في سبيل الحفاظ على وعاء الأمة الذي يصون لها هويتها من الذوبان داخل قمقم المستدمر الفرنسي، يصب في مصب مغاير لمصبناالنقي بأركانه الأربعة: دينا ولغة وأرضا وتاريخا، يقول العلامة إبن باديس طيب الله ثراه: «ففهمت الأمة هذا الشر والكيد المدبرين لدينها وقرآنها ولغة قرآنها ودينها،وفهمته جمعية العلماء المسلمين الجزائريين الممثلة للأمة في دينها وقرآنها ولغةدينها وقرآنها والناطقة في الدفاع عنها في هذه الناحية بلسانها والمعاهدة للهوللأمة على ذلك الدفاع إلى آخر رمق من حياتها» الآثار ج3/ 244. ويقول العلامة البشير الإبراهيمي رحمه الله: "إن جمعيتكم هذه أسست لغايتين شريفتين، لهما في قلبكل عربي مسلم بهذا الوطن مكانة لا تساويها مكانة وهما: إحياء مجد الدين الإسلاميوإحياء مجد اللغة العربية» الآثار ج1/ 132. وهكذا حمل أؤلئك الأشاوس مشعل تلك القافلة الخالدة والمسيرة الطيبة، يكملونها زمنا ومكانا لا ماهية وكنها على سنن سلفهم، ممن جابهوا العدوان الغاشم بشقيه الداخلي والخارجي، بداية من لدن الفاروق وسيف الله المسلول إلى عصر الفاتحين من أمثال صلاح الدين وقطز وطارق المغرب والأندلس، ثم وثبة أسود المنابر من العلماء الربانيين في مشارق الأرض ومغاربها، ومن قبل كل هؤلاء دأب القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة مؤكدتين في غير ما آية وحديث على ضرورة الحفاظ على هوية المسلمين، والدفاع عن أمصارهم أرضاو وطنا.
ولتعلم رحمني الله وإياك أنه لأجل هذا وغيره ما كانت السياسات الخارجية والحروب الصليبية، لتقوم لها قائمة لولا هدف وحيد أسمى في أذهانهم؟؟؟ وهومسخ الهوية الإسلامية للشعوب التي تدين بها، وإلا فإنهم في غنى عن ثرواتنا وخيراتناكما يشهد لذلك الواقع المعاش والحياة اليومية، التي تؤكد أننا نعيش على فتات قمحهمورحمة ما جادت به تكنلوجيا أصحاب العيون الضيقة، يقول أحد كبار المستشرقين في محاضرة ألقاها في مدريد بعنوان "لماذا كنا نحاول البقاء في الجزائر": « أننا لم نكن نسخر نصف المليون جندي من أجل نبيذ الجزائر أو زيتونها... إننا كنا نعتبر أنفسنا سور أوروبا الذي يقف في وجه زحف إسلامي محتمل يقوم به الجزائريون وإخوانهم منالمسلمين عبر المتوسط ليستعيدوا الأندلس التي فقدوها وليدخلوا معنا في قلب فرنسا،بمعركة جديدة ينتصرون فيها ويكتسحون أوروبا الواهنة ويكملون ما كانوا قد عزموا عليهأثناء حكم الأمويين بتحويل المتوسط إلى بحيرة إسلامية خالصة.... من أجل ذلك كنا نحارب الجزائر». [من كتاب قادة الغرب يقولون دمروا الإسلام وأبيدوا أهله ص 38]. ويقول مساعد وزير الخارجية الإمريكية ومستشار الرئيس جونسون لشؤون الشرق الأوسط حتىعام 1967م: «يجب أن ندرك أن الخلافات القائمة بيننا وبين الشعوب العربية ليستخلافات بين دول أو شعوب بل هي خلافات بين الحضارة الإسلامية والحضارة المسيحية». [قادة الغرب يقولون ص23]. أما عن الحروب الصليبية فها هو ذا جنديهم يناغي أمه بأعلىصوته، حين كان يلبس بزته العسكرية قادما لاستعمار بلاد الإسلام: «أماه ؟؟؟ أتمي صلاتك لا تبكي... بل اضحكي وتأملي... أنا ذاهب إلى طرابلس... فرحا مسرورا... سأبذل دمي في سبيل سحق الأمة الملعونة... سأحارب الديانة الإسلامية... سأقاتل بكل قوتي القرآن». [القومية والغزو الفكري لمحمد جلال كشك 208].
أقول: هذا ومن يظن أنّ حروبهم الصليبية بحلقاتها المعادة وطبعاتها المختلفة، قد انتهت في يوم من الأيام إلى يوم الناس هذا فهو أضل من حمار أهله، وإليك الدليل: «خرج أعوان إسرائيل في فرنسا بمظاهرات قبل النكسة يحملون لافتات وسار تحت هذه اللافتات جون بول سارتر،وقد كتبوا عليها وعلى جميع صناديق التبرعات لإسرائيل جملة واحدة من كلمتين هما "قاتلوا المسلمين"، فالتهب الحماس الصليبي الغربي وتبرع الفرنسيون بألف مليون فرنك،خلال أربعة أيام فقط كما طبعت إسرائيل بطاقات معادية كتب عليها "هزيمة الهلال"،بيعت بالملايين، لتقوية الصهاينة الذين يواصلون رسالة الصليبية الأوروبية في المنطقة وهي محاربة الإسلام وتدمير المسلمين" [مخططات أعداء الإسلام د/ توفيق
الواعي ص 15].

أما في العصر الحاضر فالأمثلة أكثر وأكبر من أن تعرض في خلجة الصدرهذه، فمن صنيع الروس في أفغانستان التي مزقتها حروب الإخوة الأعداء، إلى بلادالقوقاز ووصولا إلى زمن رعاة البقر وخططهم الجهنمية في بلاد النهرين وخرسان القرن الواحد والعشرين، ولا ننسى أبدا فضاعة اليهود في بلاد أولى القبلتين، فكل هؤلاءعزموا العقد على أن تحيا الحروب الصليبية العصرية، تحت مسميات شتى مرة باسم محاربةالإرهاب وأخرى بذريعة التسلح النووي، وهم الذين لم تكن لهم أطماع في كعكة المسلمين هذه سوى مسخهم بهويتهم عن آخرها والدور آت على من لم يستفق بعد.
أقول: هذاواقع ليس من الهين نسيانه وليس من السهل التعامل مع ثناياه، إلا بدراسته وتحليل ماهيته تحليلا شرعيا مؤصلا، ولعلنا في هذا الخضم نسلط الضوء على جنباته الخفية من خلال مداخلتي هذه كما وسمتها في العنوان "تحت المجهر الشرعي"، فأقول وبالله التوفيقوعليه التكلان:
تعريف الهوية: هي "حقيقة الشيء أو الشخص التي تميزه عن غيره: "فهي ماهيته وما يوصف به من صفات: عقلية وجسمية وخلقية ونفسية ويعرف به".
وبالشرع هي: "المفهوم الذي يكونه الفرد عن فكره وسلوكه اللذين يصدرانعنه، من حيث مرجعهما الإعتقادي والإجتماعي وبهذه الهوية يتميز الفرد ويكون له طابعه الخاص"، وهي بعبارة أخرى: "تعريف الإنسان نفسه فكرا وثقافة وأسلوب حياة"، كأن يقول مثلا: "أنا مسلم" أو يزيد: "منهجي الإسلام", أو يزيد الأمر دقة فيقول: "أنا مؤمن ملتزم بالإسلام من أهل السنة والجماعة "، [هويتنا أو الهاوية للدكتور محمد إسماعيل المقدم ص 03].
مكوناتها: إتفق أهل العلم وأرباب هذا الميراث النبوي، على أن شاكلة الهوية ترتسم بملامح ثلاثة وهي "الدين واللغة والوطن"، وهذا كما جاء على لسان مؤسسي مرمس النور جمعية العلماء المسلمين الربانية وشعارها الزبرجدي: "الإسلام ديننا- العربية لغتنا- الجزائر وطننا". وإلا فإن هناك من أضاف إلى هذه المفاهيم وحدة أخرى تتعلق بتاريخ الأمة وذاكرتها الحية من زمن الماضي المجيد، وهو مصيب ولاضير، وذلك بالنظر إلى قيمة العصر الفائت في حياة الأمم والشعوب الذي تحيا به حاضرها وتبني على سننه مستقبلها، وإلى تفصيل المراد الذي فيه ومن حوله أدندن وأقول:
أ/ الدين: من أهم المقومات الأساسية والمكونات الجوهرية لوحدة الهويةالدين، وهو من أول وأهم الضروريات الخمسة التي لا تقوم الحياة ولا تستقيم إلا بها،ونعني بالدين هنا الإسلام كما جاء في محكم تنزيله: "إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِالإسلام" آل عمران 19. وأعظم ما في هذه الشريعة الغراء بل وعلى ذروة سنامها العقيدةالإسلامية الصحيحة الصافية النقية، والمنتحلة أصولها وفروعها من الكتاب والسنة النبوية الثابتة وفق فهم سلف الأمة لا غير، بعيدا عن الآراء الكلامية الساقطة والإعتقادات الخرافية الهابطة، وما ذلك إلا لأنها الرابطة الوحيدة التي تربط العبدبربه في الدنيا من قبل العبادات، وفي الآخرة من قبل الحساب، ولهذا كان أوجبالواجبات على كل امرئ أراد الإسلام وولوج زمرة الإيمان، أن يقر أولا بالشهادتين مفتاح الجنان وبذلك ثبتت له هوية المسلم قولا وعلما بما فيها وعملا بمقتضاها، كماقال سبحانه:"وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَمُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا" النساء 125.
تعريف العقيدة: يقول الشيخ ابن عثيمين عليه رحمة الله "إعتقاد: إفتعال من العقد وهو الربط والشد هذا من حيث التصريف، وأما في الإصطلاح عندهم فهو: حكم الذهن الجازم يقال"اعتقدت كذا" يعني: جزمت به في قلبي فهو حكم الذهن الجازم فإن طابق الواقع فصحيح وإن خالف الواقع ففاسد فاعتقادنا أن الله إله واحد صحيح واعتقاد النصارى أن الله ثالث ثلاثة باطل" [شرح الواسطية 37].
1/ العلم بها والعمل بمقتصاها: يكفي للتدليل على أهمية العلم بالعقيدة والبحث عن محتواها تصديقا وعلما، الأمر الصريح فيقوله تعالى: " فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْلِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْوَمَثْوَاكُمْ " محمد 19. يقول العلامة السعدي رحمه الله: "وهذا العلم الذي أمرالله به – وهو العلم بتوحيد الله –"، [التيسير ص731]. ومن الحديث في الباب قوله صلى الله عليه وسلم:"والذي نفس محمد بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولانصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به، إلا كان من أصحاب النار " صحيح مسلم 153. ومن الدليل على أهميتها أيضا ذلك الزخم التأليفي في باب العقيدة والتوحيد من لدن سلف الأمة وتابعيهم وذلك لما لمسوه من أنه لا خلاص لآخر الأمة إلا بما خلص بهأولها، بتصحيح عقيدتها مما لصق بها من غبش القبوريين وخزعبلات المتكلمين، وكذا بذل الوسع لتربية جيل على نمط الصحابة رضي الله عنهم، يقول عبد الله ناصح علوان رحمه الله: "إن مسؤولية التربية الإيمانية لدى المربين والآباء والأمهات لهي مسؤوليةهامة وخطيرة، لكونها منبع الفضائل ومبعث الكمالات، بل هي الركيزة الأساسية لدخولالولد في حظيرة الإيمان وقنطرة الإسلام". [تربية الأولاد في الإسلام 1/ 163]. فرضعين على كل إنسان لا يسقط عن أحد كائنا من كان، بل كل مظطر إلى ذلكّ
2/ دعوةالغير إليها: ومن طرق الحفاظ على هوية المعتقد دعوة الغير إليها كما قال تعالى: "وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَإِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ " فصلت 33. يقول الإمام الشوكاني رحمه الله: "أي إلىتوحيد الله وطاعته قال الحسن: هو المؤمن أجاب الله دعوته ودعا الناس إلى ما أجاب الله فيه من طاعته". [فتح القدير 2/ 1723]. وفي الحديث أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال لصهره رضي الله عنه حينما أعطاه الراية: "انفذ إليهم على رسلك حتى تنزل بساحتهم ثم ادعهم إلى الإسلام وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه، فوالله لأنيهدي الله بك رجلا واحد خير لك من أن يكون لك حمر النعم" متفق عليه. قال الإمام النووي رحمه الله: "وفي هذا بيان فضيلة العلم والدعاء إلى الهدى، وسن السنن الحسنة" 15/145.
3/ صيانتها والدفاع عنها: إليك عزيزي القارئ هذه النقول، ومن ثم خمن في وسائلك التي تحفظ بها عقيدتك، يقول نيكسون في كتابه "أنتهز الفرصة": "إننالا نخشى الضربة النووية، ولكننا نخشى الإسلام والحرب العقائدية التي قد تقضي على الهوية الذاتية للغرب". [مخططات أعداء الإسلام د/ توفيق الواعي 28]. ولعل الكل يتذكر حادثة البنات والقرآن، وهي صنيع فرنسا الإستعمارية أيام ما قامت بانتقاء عشر فتيات مسلمات جزائريات، أدخلتهن إلى مدارسها وألبستهن ثياب بناتها، فأصبحن كالفرنسيات تماما، وبعد أحد عشر عاما من الجهود هيأت لهن حفلة تخرج رائعة دعي إليهاالوزراء والمفكرون والصحفيون، ولما ابتدأت الحفلة فوجئ الجميع بالفتيات الجزائريات يدخلن بلباسهن الإسلامي الجزائري فثارت ثائرة الصحف الفرنسية وتساءلت: ماذا فعلت فرنسا في الجزائر بعد مرور مائة وثمانية وعشرين عاما؟، فأجاب وزير المستعمرات الفرنسي لاكوست: وماذا أصنع إذا كان القرآن أقوى من فرنسا ؟؟؟ " [قادة الغرب ص48].
ب/ اللغة: عرفها الجرجاني رحمه الله فقال: "هي: ما يعبر بها كل قوم عنأغراضهم" [التعريفات 306]. وليس المراد ها هنا الكلام والبحث عن اختلافات اللغويين وأرباب القواميس في تحديد مبنى ومنتهى وتعريف اللغة العربية، بقدر ما يهمنا الحفاظعلى هذه الوسيلة والأداة التي التصق تاريخها بالقرآن الكريم عربية كانت أو غيرعربية، حتى أصبحت من مكنونات الهوية وتبعلت للشرع فكانت بمكانة الرجل للمرأة تزاوجا، يقول الإمام الشافعي رحمه الله: "وبلسانها نزل الكتاب وجاءت السنة" [الرسالة 53].
1/ تعلمها:لا شك أن الإيمان بالقرآن والقول به يقتضي العملبه، وهذا لا يتم بداهة إلا بتعلم اللغة التي أنزل بها، لأن طريق مزاولة العمل العلم وسبيل تعلم المعرفة اللغة ولما كانت لغة القرآن هي اللغة العربية، كان لزاما وضرورةأن يكون اللسان العربي أحد أهم مكونات الهوية، بما أن الفرقان جاء بلسانها كما قالتعالى:"إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ " يوسف02. بل زاد الأمر إيضاحا أنه لسان مستقيم لا عوج فيه فقال: "بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ " الشعراء 195. وقال في الآية الأخرى:"قُرْآَنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ " الزمر 28. حتى صارت تلك الفصاحة مضرب الإعجازوإقامة الحجة، على الرغم من أن عرب آنذاك من أفصح البقاع على أصقاع الأرض، قالتعالى:"قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآَنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا" الإسراء 88. يقول أمير الأدباء مصطفى صادق الرافعي رحمه الله في معرض بيانه لهذا الإعجاز اللفظي: "ألفاظ إذا اشتدت فأمواج البحر الزاخرة، وإذا هي لانتفأنفاس الحياة الآخرة تذكر الدنيا فمنها عمادها ونظامها، وتصف الآخرة فمنها جنتها وصرامها ومتى عدت من كرم الله جعلت الثغور تضحك من وجوه الغيوب، وإن أوعدت بعذاب الله جعلت الألسنة ترعد من حمى القلوب" [إعجاز القرآن ص 30]. وهذا ما يقودنا فيالأخير إلى حكم وحقيقة مفادهما، أنه من واجب المسلمين تعلم لغتهم والحفاظ على لسانهم من الزلل والخلل كما يقول الإمام الشافعي رحمه الله: "فعلى كل مسلم أن يتعلممن لسان العرب ما بلغه من جهده حتى يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله،ويتلو به كتاب الله" [الرسالة ص 48]. ويقول شيخ الإسلام عليه رحمة الله: "اللغة العربية من الدين ومعرفتها فرض واجب، فإن فهم الكتاب والسنة فرض، ولا يفهم إلا بفهم اللغة العربية، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب". [الإقتضاء ج1/ 527].
2/ التعامل بها:لما كان تعلم لغة القرآن واجب من الواجبات، تبعها في ذلك فرض من المفروضات، ألا وهو الكلام بها والتعاطي معها عملا وتعاملا، وهذا من باب ديمومتها وبقاء صيرورتها، بين أعيان الأمة الواحدة صغارا وكبارا، حتى عد الأخذ والرد بغيرها من دون حاجة، وجه من الأوجه التي تؤدي إلى الوقوع في النفاق، قال شيخ الإسلام عليه رحمة الله: "وأما اعتياد الخطاب بغير اللغة العربية – التي هي شعار الإسلام ولغة القرآن –" [الاقتضاء ج1/ 526]. حتى يصير ذلك عادة للمصر وأهله أو لأهل الدار أوللرجل مع صاحبه أو لأهل السوق أو للأمراء أو لأهل الديوان أو لأهل الفقه، فلا ريبأن هذا مكروه فإنه من التشبه بالعجم وهو مكروه كما تقدم
3/ نشرها والدفاععنها: بالكاد إذا وصلنا إلى درجة العلم والتعامل، كانت المحطة الموالية بذل الوسع لتعليمها للأجيال من نعومة الأظافر، وكذا الكد والإجتهاد في البحث فيها دراسة وتأليفا وتفتيشا، من باب الحفاظ عليها كما يقول شيخ الإسلام عليه رحمة الله: "واعلمأنّ اعتياد اللغة يؤثر في العقل والخلق والدين تأثيرا قويا بينا، ويؤثر أيضا فيمشابهة صدر هذه الأمة من الصحابة والتابعين، ومشابهتهم تزيد العقل والدين والخلق" [الإقتضاء ج1/ 527]. وانظروا رحمني الله وإياكم، إلى ما يقوله أحد أرباب الإستدمارالفرنسي في الجزائر في ذكرى مرور مائة عام على استعمارها: "إننا لن ننتصر على الجزائريين ما داموا يقرؤون القرآن ويتكلمون العربية، فيجب أن نزيل القرآن منالوجود ونقتلع اللسان العربي من ألسنتهم" [مخططات 88].
ج/ الوطن: عرفهالجرجاني فقال: "هو: مولد الرجل والبلد الذي هو فيه" [التعريفات 406]. وليس المقصودهنا ذات الوطن في حد ذاته، بقدر ما المقصود إبراز الرابطة القوية بين المرء ووطنهكما في قوله صلى الله عليه وسلم لما أخرج من مولده مكة: "ما أطيبك من بلد وأحبك إلي، ولولا أن قومي أخرجوني منك ما سكنت غيرك " صحيح الجامع 5536. ولكن وكما يقول الشيخ أحمد فريد -حفظه الله-: "الوطن الحقيقي في مفهوم "الهوية الإسلامية" هو( الجنة )، حيث كان أبونا آدم في الابتداء، ونحن في الدنيا منفيون عن هذا الوطن،ساعون في العودة إليه، و"المنهج الإسلامي" هو الخريطة التي ترسم لنا طريق العودةإلى الوطن الأم ". [هويتنا ص11]. يقول الإمام العلم ابن القيم –رحمه الله تعالى- فينونيته:
فحي على جنات عدن فإنها منازلِنا الأولى وفيها المخيم
ولكنناسبي العدو فهل ترى نعود إلى أوطاننا ونسلمُ ؟
وأذكرهنا أن حدود الوطن الذينعنيه لا يقاس بالمساحات ولا بالحدود، بقدر ما يقاس ببلوغ الإسلام لأهله على نسققول الشاعر:
ولستُ أدري سوى الإسلام لي وطناً *** الشام فيه ووادي النيلسيان
وكل ما ذكر اسمُ الله في بلدٍ *** عددت أرجاءه من لب أوطانِ
1/ العمل لمصلحته العليا: ليست حقيقة الوطنية والمواطنة شيئا يباع ويشترى، أو مظلة يقي الإنسان بها نفسه من الغيث ولهيب الشمس يفتحها ويغلقها كيفما وأينما شاء، بقدر ماهي حقيقة تدفع الإنسان إلى بذل الوسع في سبيل تحقيق النجاح والفوز لبني عقيدته في الدارين وقد قال صلى الله عليه وسلم: "خير الناس أنفعهم للناس" صحيح الجامع برقم3289. فلا الثغرات المالية ولا محاربة الثوابت ولا نشر الفساد بكل أنواعه في شتى ربوع الوطن، هي من الوطنية في شيء كما يقول العقلاء، ولكن الوطنية ملكة تحمل الإنسان على بعث روح الخير، والتفكير بالنهوض بمعركة البناء والتشييد على الصعيدين الديني والدنيوي في مصره متكاتفة جهوده مع باقي نفره.
2/ حفظه والدفاع عنه: لقد شرع الجهاد لأجل إعلاء كلمة الله كما هو متعارف عليه في ماهيته، ولما كان هذا الإعلاء لا يكتمل نصابه إلا بتحقق دار الإسلام وانتفاء دار الكفر عن الوطن، صارالدفاع عن الوطن المسلم من المعتدين، جزء لا يتجزء من مفهوم الجهاد إذ ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وهذا ما تعارف عليه أهل الشأن بتسميته "دفع الصائل" وفي الآيات من ذلك كثير كقوله تعالى:"فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ" البقرة 194 وقوله: "وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِمَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ" النحل126. وقوله أيضا: "وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ" الشورى 39.وفي الحديث: "من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد، ومن قتل دون دينه فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد" صحيح الجامع 4172. قلت: وهل الدين إلا في دار الإسلام؟ وهل الأهل إلا في دار الإسلام؟ وهل المال إلا فيه أم أن دم المسلم في غيره؟ وهل هو إلا الوطن بمصطلح العصرنة، ولا مشاحة في الإصطلاح كما يقولون. ولكن تذكر أيها المحب أن: "من قتل تحت راية عمياء، يدعو عصبية أو ينصرعصبية فقتلته جاهلية" الصحيحة 433.
وقفة: لا يعني اللسان العربي تعلماوتعليما أو الوطن خدمة ودفاعا، أن ننصبه كالوثن بحيث عليه نوالي ولغيره نعادي تعصبا فيحلان محل شعيرة "الولاء والبراء"، وسقوط المسلم في مستنقع القومية أو الشعوبيةبمصطلح السالفين، يقول الإمام العلم الشنقيطي: "وليعلم أن النداء برابط القوميات لايجوز على كل حال، ولا سيما إذا كان القصد بذلك القضاء على رابطة الإسلام وإزالتهابالكلية بدعوى أنه لا يساير التطور الجديد أو أنه جمود وتأخر عن مسايرة ركب الحضارةإلى أن قال – والحاصل: أن الرابطة الحقيقية التي تجمع المفترق وتؤلف المختلف هيرابطة "لا إله إلا الله" ألا ترى أن هذه الرابطة التي تجعل المجتمع الإسلامي كله كأنه جسد واحد، وتجعله كالبنيان يشد بعضهبعضا " [الأضواء ج3/ 446-447]. ويقول شيخ الإسلام عليه رحمة الله: "وذهبت فرقة من الناس إلى أن لا فضل لجنس العرب على جنس العجم وهؤلاء يسمون الشعوبية لانتصارهم للشعوب التي هي مغايرة للقبائل كما قيل: القبائل للعرب والشعوب للعجم – إلى قوله – والغالب أن مثل هذا الكلام لا يصدر إلاعن نوع نفاق، إما في الاعتقاد وإما في العمل، المنبعث عن هوى النفس مع شبهات اقتضت ذلك" [الإقتضاء 1/ 421]. وصدق الشاعر حينما قال:
لقد رفع الإسلام سلمان فارس*** وقد وضع الكفر الشريف أبا لهب.
د/ التاريخ: هو ذاكرة الشعوب "فمن لاتاريخ له فهو بلا وطن ومن لا وطن له فلا تاريخ له"، هكذا اقتصت السنة الإلهية فيالشعوب بأن تحافظ على تاريخها وخاصة المجيد منه كما هو حال أمتنا الأبية، ترتشف منمعينه كلما رأت اعوجاج لتقويمه فتأخذ من تجارب سلفها، وتستنير على درب مشاريعهم وطموحاتهم وبذلك تكون قد رسمت أولى ملامح المستقبل المشرق والحاضر المشرف، فلا عجب إذن أن ترى كل هذا التكالب المسعور حول تاريخ أمتنا سلخا وتشويها، وتعريتها منتاريخها وإن وجد فهو مطموس، جاء في البرتوكول السادس عشر من برتوكولات اليهود: "وسنتقدم بدراسة مشكلات المستقبل بدلا من الكلاسيكيات، وبدراسة التاريخ القديم الذي يشمل على مثل سيئة أكثر من اشتماله على مثل حسنة، وسنطمس في ذاكرة الإنسان العصورالماضية التي قد تكون شؤما علينا، ولا نترك إلا الحقائق التي ستظهر أخطاء الحكوماتفي ألوان قاتمة فاضحة " [برتوكولات حكماء صهيون 64]. فأين أنتم يا رجال التاريخ تنخلونه نخلا من محدثات أولئك القوم؟.
أقول: من هذا المنطلق وبناء على هذاالاستعراض العلمي في مادته والمنهجي في طريقته، والذي أسأل المولى تعالى أن أكون قدوفقت في طرحه ومعالجة جوانبه، ندرك أيما إدراك أهمية إحاطة المرء بهويته علما وعملاوخطر ما يهدد الأمة الإسلامية جمعاء، إذا ما تعلق الأمر بفقدان أجيال بأكملها لهويتها أو الذوبان والمسخ إنغماسا في هويات، لا تربطه بها أي صلة أو أواصر، سوى صلة التدمير والإفساد أو التنحية من الوجود. وعليه فإنني ومن مكانة الرعية أوالمواطن بلغة العصر يسعى لما يسعى إليه الساعون، من إصلاح وزرع لبذور الخير والمحبةفي أرجاء مصرنا الإسلامي المفدى، أخاطب من هذا المنبر المعطاء فخامة رئيس الجمهورية والذي لم يبخل علينا في يوم من الأيام بيده ومشاريعه المعطاءة، أن يضم لخماسيتهالمباركة مشروع يتمم السداسية، يكون في منزلته من أرقى مشاريعه وأقدس ما قدم فيحياته وبعد مماته أعني مشروع "هوية المسلم الجزائري" بأبعادها الأربعة: الإسلامدينه والعربية لغته والجزائر وطنه والتاريخ ذاكرته. وأنا إذ أقول هذا، لا يعنيبمفهوم المخالفة أن فخامته مفرط في هذا الجانب بل على العكس من ذلك والله ثم الشعبوالتاريخ شاهد على ما أقول، ولكن حجم الهجمة الشرسة من الخارج والداخل، تفرض علينارفع وتيرة التأهب ومستوى الحذر، وهذا لا يتم فيما أعتقد إلا ببناء صرح مشروع تتكاتف فيه مجهودات صفوة الأمة من العلماء، وفق منهجية معينة وميكانيزمات محددة، تحددوسائل وآليات البناء والتشييد، ومن بعدها العمل الدؤوب وفق الرزنامة الزمنيةوالمكانية، لتكون النتجية في الأخير: "شعب الجزائر مسلم وإلى العروبة ينتسب لذاكرته يحفظ ولبلده يحب"، هذا ما في جعبتي إن أصبت فمن الله وحده لا شريك له، وإن كانت الأخرى فمن نفسي ومن الشيطان، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق