]]>
خواطر :
اسقيني كاس من رحيق ذكرى وجودك ... لا تتركيه يجف ،كلما جف الكأس ازداد الحنينُ...و لا يطفي شعلة الفؤاد سوى كأس الحنين...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

رجاء فكرى:قاسم أمين ونظرية التطور(1)

بواسطة: Ragaa Fikry  |  بتاريخ: 2013-06-14 ، الوقت: 15:39:36
  • تقييم المقالة:

إن الأفكار العظيمة والإكتشافات المذهلة التى داهمت البشرية منذ فجر التاريخ..لم تكن من قبيل المصادفة..ولا ضربا من ضروب الوهم والخيال..وإنما كانت بفضل رجال عظام..صدقوا ما عاهدوا الله عليه..وحملوا على عاتقهم حملا ثقيلا..ومسئولية جسيمة..كى يتمكنوا من نقل مجتمعاتهم من الظلمات إلى النور..ومن العبودية إلى الحرية..ومن الجهل إلى العلم..ومن الشر إلى الخير..بين هؤلاء الرجال كان قاسم أمين(1863-1908)..أحد دعاة التطور والحرية الفكرية فى أواخر القرن التاسع عشر الذى شهد إنطلاقة واسعة فى كافة الميادين فى مصر والعالم ،وأوائل القرن العشرين..كما عهدناه كاتبا عظيما..أديبا جليلا..ومفكرا جسورا..متميزا بعمق الفكر والبصيرة، وعبقرية العقل المتطلع دائما إلى آفاق المستقبل..

وما من مجادل ينكر أن فكر قاسم أمين كان يحمل بعدا جديدا لدفع عجلة التقدم والتطور الفكرى والحضارى فى مصر فى ذلك الحين..فكان مؤمنا بنظرية التطور لداروين(1809-1882م) ليس فى العلوم الطبيعية فحسب، ولكن أيضا فى العلوم الإنسانية والإجتماعية..رأى أن فكر الإنسان فى حالة إرتقاء دائم، وأن هذا هو ما جبلت عليه الطبيعة البشرية..قائلا(إننى بكل حسن نية لا أرى لماذا يقف ماضينا كما أرى أو حاضرنا كما يراه دوق داركور مهما كان سيئا وحائلا بيننا وبين التقدم حسب قانون التطور نحو الكمال وهو القانون الذى يسود حركة الكون كله).

كان مؤمنا بوحدة القوانين التى حكمت تطور المجتمعات الأوربية ورقيها مؤكدا أنه لابد وأن تفعل فعلها عندنا نحن الشرقيين.وأن هذا القانون ليس حكرا على المجتمعات الغربية وحدها. ولكن فى نفس الوقت يقر بأن المجتمعات الشرقية لن تصل إلى هذا الحال من التطور، إلا إذا أصلحت ما بأنفسها قائلا:( إن حالة الأمة فى السعادة والشقاء أو التقدم والتأخر ليست حالة توجد أو تتغير بحكم الصدفة،بل إنها نتيجة لازمة لا تتغير إلا إذا تغير ما بنفس الأمة).

عندما شرع قاسم أمين الكتابة فى جريدة المؤيد ، حدد منهجه وبين الأمور التى سوف يضع نصب عينيه عليها فى القضايا الإجتماعية والإقتصادية على حد سواء..وعندما تحدث عن الحالة الإقتصادية أوضح قائلا(إن أهم عامل له أثر فى حال الأمة هو حالتها الإقتصادية) وأنه لا يمكن تغيير الحالة الإقتصادية بالأهواء أو التصرفات الذاتية ولكن بإتباع القوانين العلمية التى لابد من الوعى بها. ويؤمن قاسم أمين بضرورة الربط بين الفروض والأفكار والنظريات وبين الواقع والممارسة والتطبيق. وهذا متفق عليه فى القوانين الإجتماعية كما هو متبع فى القوانين الطبيعية.أى أنه يرى أن الحالة الإقتصادية تلعب دورا عظيما فى عملية التغيير والتطور.فيقول(إن التربية هى رأس مال لايفنى..! وحياة كل أمة مرتبطة بماليتها..).وفى موضع آخر(البلد الذى يكون أهله فقراء مثلنا..لا يمكن ما دام فقره أن يؤمل خيرا فى المستقبل..لأن حياة كل أمة مرتبطة بماليتها..إذ بالمال يتم كل شىء..وبغير المال لا يتم شيئا مطلقا).

ومن هذا المنطلق سلط قاسم أمين الضوء على إعلاء قيمة العمل، والكسب الشريف وتحصيل الثروة من عمل اليد، ونبذ قيم المجتمع القديم القائمة على الكسل والتواكل.ويرجع ذلك لأحد سببين الأول:سوء معاملة الحكومات السابقة للمواطنين..حيث أنها بظلمها وغدرها أضاعت الأمانة والثقة اللتين بدونهما لا تظهر الإبتكارات الشخصية..والثانية:سوء التربية..حيث عدم تشغيل الجسم وعدم التعود على استعمال وظيفة المخ..مع التمسك بالأقوال المثبطة للهمم والعزيمة.

ثم ينتقل قاسم أمين فى محاوره الفكرية من الإقتصاد والعمل إلى التعليم قائلا):كل ما يصرف فى سبيل التعليم والتربية كالدراسة ومطالعة الكتب والجرائد، لازم..إنه لا يجوز مطلقا الإستغناء عن صرف الأموال فى هذا السبيل..كما لا يمكن الإستغناء عن الغذاء الذى هو قوام الحياة.لأن التربية هى رأس مال لايفنى،أما المال فما أقرب ضياعه، وخصوصا فى يد الغبى الجاهل!).

هاجم الإستبداد الذى كان سمة غالبة للحكم الشرقى الإقطاعى فى ذلك الوقت..ودعا إلى الحرية والديمقراطية معللا ذلك (بأن الإستبداد هو أصل كل فساد فى الأخلاق).

إنتقل فى أفكاره بعد ذلك إلى مناقشة وضع المرأة المصرية حينذاك..فكان يرى المرأة التى تمثل نصف المجتمع ، طاقة معطلة وغير منتجة،ولا تعود بالنفع بأى حال من الأحوال على مجتمعها..وهذا له تأثيرا بالغا فى تعطل الإقتصاد وإعاقة التطور الطبيعى والبديهى للمجتمع..وأن هذا الأمر يرتبط إرتباطا وثيقا بالإستبداد السياسى قائلا( هناك تلازم بين الحالة السياسية والحالة العائلية..ففى الشرق نجد المرأة فى رق الرجل..والرجل فى رق الحكومة.وإفتقار المرأة المسلمة إلى الإستقلال بكسب ضروريات حياتها..هو السبب الذى جر ضياع حقوقها.

إتجه قاسم أمين فى مشواره الفكرى إلى إعلاء شأن المرأة المصرية وذلك بحقها فى التعليم والعمل وإستقلالها إقتصاديا وتربية عقلها..بعد أن ظلت عقودا كاملة مهملة..راكدة..ضعيفة لا أحد ينظر إلى حالها. وطالب بأن لا يكون الطلاق حق مطلق للرجل يستخدمه متى يشاء فيقول فى كتابه تحرير المرأة(1899):أن الإستخدام السىء للطلاق يعد من أهم الأسباب الهادمة لإحترام العائلة ومع ذلك إعتاد أهل بلادنا إستعماله بطريقة شائنة جدا، لا يمكن أن يرضاها الشرع، أو يسلم بها العقل . أما عن تعدد الزوجات فانطلق قائلا: لا يعذر رجل يتزوج أكثر من إمرأة،اللهم إلا فى حالة الضرورة المطلقة..لما ينتج عن هذا من قيام فساد فى العائلات، وعداوة بين أعضائها بسبب التعدد..

إن قاسم أمين..كان إمتدادا فكريا لمدرسة الإمام محمد عبده وجمال الدين الأفغانى..تلك المدرسة العظيمة الرائدة..التى أرادت نشر الوعى والإستنارة. وحمل شعلة التنوير والحرية..وتعزيز قيم العلم والفكر والثقافة لدى المصريين..فكانوا يرونه عاملا بارزا لتقدم المصريين فى شتى المجالات،ومن ثم جلاء الإحتلال البريطانى عن مصر..وإستعادة كرامة الثورة العرابية بعد فشلها فى ذلك الحين..

لقد كان قاسم أمين بحق ولا يزال داروين الشرق.

 

marycoriibiochem@yahoo.com

ragaafikry@yahoo.com

14-6-2013.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق