]]>
خواطر :
انساك ! ده كلام ؟... اهو ده اللي مش ممكن ابدا...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

ريان الفلسطيني

بواسطة: خالد مرخوص  |  بتاريخ: 2013-06-10 ، الوقت: 01:12:17
  • تقييم المقالة:
 ريان الفلسطيني

مرّ يوم ويوم،فحان موعد حصّة تدريب الصغار.رتّبت المسبح و أرجاءه.وضعت كراسي الأمّهات في جهة الغرب،و كراسي الآباء في جهة الشرق.عطّرت المكان،و فَرَدتُ الستارة على المدخل.وبعد ربع ساعة بدأ الأطفال يتقاطرون على البركة الآسنة.منهم من يغيّر ملابسه داخل الغرف المخصّصة،ومنهم من يأتي جاهزا بلباس السباحة.تخلع ريم عباءتها و تسلمها لأمّها و تجري نحو الماء،و كذلك تفعل لارا. يرمي بدر بنطاله و طربوشه على الأرض.يحمله والدُهُ و يضعه في الحقيبة،ويجرى فهد قاصدًا الشغالة لتُلبسه "شورط أسود" و نظّارة على حجمها تغطي نصف وجهه فيبدو مضحكا وتحتفظ الشغالة بالملابس لديها.تسير رنا بجسمها السمين وكأنها دب قطبي خرج لتوه من بطن أمه وتهرول نحو المسبح الصغير بالزاوية.تتزحلق.تطير في الهواء كقط ضخم و تقع في داخل الحوض دون أيّ أذى .تقف وتضحك.وتنهال الأجسام الصغيرة على المسبح بالقفزات تلو القفزات.أستحمّ و ألبس "مشدّا"عليه "سترينغ ضيّق"،وأنزل  في حوض السباحة لاِنطلاق حصّة جديدة تستمرّ لثلاث ساعات كاملة. بعد وصول الكابتن محمد المصري(المطوع) أي"الشيخ" الذي يحتفظ بلحيته على وجهه كما هي،عكس ما دأبت عليه من زمن سحيق،إ ذ لا يتوفر وجهي إلا على الحاجبين في معظم الأوقات ـ إن لم أقل جلها !ـ                              نتقاسم المشتركين إلى طائفتين،تضم الأولى المستجدين حديثي عهد بالسباحة والثانية المتقدمين ذوي الخبرة..

أذكر أنه في يوم من أيام نهاية الأسبوع،و أثناء حصتنا المعتادة،ناداني طفل سعودي في السادسة من العمر.اِستأذن منّي لكي يتدرب مع الكابتن محمد "المطوّع" معتذرا لي على عدم الانضمام إلى المجموعة التي أتولى تدريبها.وافقت على رغبة الولد.أردف قائلا بلهجة الواثق من كلامه :     مو اليوم بس!ولكن على طول...                                                                       حرّكت رأسي بالموافقة،وفهمت أنّ التوجيه جاء من ولاة الأمر بالبيت و ما تمليه الوصاية الاِجتماعية وسط أناس يقدّرُون شعر الوجه حدّ التقديس"ومن ساءت فِعَالُهُ..ساءت ظنونه.."                                                         عاد الولد و أكّد لي بأنّه يرغب في التدريب مع "المطوّع" لأنه يفهم طريقته السلسة،ويستمتع بها أكثر،فأشفقت على طفل في بداية حياته ولديه من الذّكاءِ ما قاده إلى الاِجتهاد في تقديم عذرٍ يتيم لي،و كأنّه غير متّفق في قرارة نفسه مع ما لقّنوه به من ثقافة قد يتفق معها البعض و قد يختلف البعض الآخر بدعاوى بيداغوجية لا تليق بتلقائية طفل حديث عهد بالحياة..

اِستلمت فريقا تحت وصايتي،و اِستلم كابتن محمد الفريق الآخر،وقضينا ثلاث ساعات في حصّة تعليمية تراوحت بين الجِدّ و المزح.اِلتفتت إلى جهة اليمين.رأيت عائشة ـ طفلةً مصريّةً ـ لَـمْ تـُـكمِلْ عامها السابع بَـعْدُ، ولمْ يمضِ على اِشتراكها شهرٌ كاملٌ.كانت في بدايتها تحييني وتبادلني مشاعر الثّقة والإنسانية البريئة،فلاحظتُ أنّها لم تعدْ تسلّم عليّ منذُ أسبوع تقريبًا،وكأنها لم تتعرّف إليّ قطـّ من قبل..                                دفعني فضولي وأنا في بركة المسبح أن أسألها عن "قلّة ذوقها"ما دامت مصرية لتفهم العبارة جيدا.أوضَحَتْ لي بأنّها صارت كبيرة و لم تعُد تكلّم الكبار أو تسلم عليهم!..ضحكت في باديء الأمر.حزَرْتُ  أنّ ذلك كان توجيها من الآباء في البيت.يكسرون تلقائيّة الأطفال و براءتهم بتعاليم بِنْيَةِ التّخلّـُــف و"العادة المرفودة"!.شغلت بالي قضيّةٌ لا يتنبّهُ إليها الناس البتّة.كيف لوافدين لا يتّفقون مع ثقافة بلد الإقامة و تعاليمها أن يمارسوها بكلّ قناعة و اِندفاع بعد سنوات قليلة من الإقامة.ينقدون الشكّ و يتبنّونهُ.و يسبّون السّواد و يلبسونَهُ.و يشمئزّون من قهوة البدو و يشربونها..         هل هي قناعة حقيقيّة؟أو أنه نفاق اِجتماعي من نوعٍ آخر؟أو أنّ المسألة عبثيّة من معشر الوافدين المقيمين ها هنا،أم أنّها مجاملة لمجتمع له سلطته الماليّة؟ومن يجاملْ أكثر ينعمْ بالعيش هانئا..لستُ أدري!..

صعد الكابتن محمد من حوض المسبح.أشار إليّ بيده بأنه أنتهى من التمارين،وذهب ليصلّي.ولمّا أزفت الدقائق الأخيرة،أعطيت إشارة للجميع بأن ينصرفوا. أَخَذَتْ كلُّ أمّ صغيرَها لتلبسه ملابسه،و اِستعدّ الآباء بالخارج لنقلهم بالسيارات إلى البيت ليكملوا اللعب بالبلاي ستيشن"و الآي بّاد و مراجعة دروسهم..                                                                               

بعدما اِنصرف الجميع وخلا المكان،جاء ريان الفلسطيني و والده،كنت سعيدا بهما مع أنهما أتيا متأخرين.أحتفظ بذكرى جميلة جمعتنا حينما اِلتقينا لأول مرة في مطعم شاميّ.كنت أحمل كيسًا به أدوات السباحة(نظارة و شورط و كوبلي)،وبينما كنت منتظرًا دوري أمام معدّ الطعام،رآني أبو ريان و أنا أتفحص النظارة.أوحت له حركتي تلك بأنني مدرب سباحة.ألقى علي التحية،و بعد مقدمات التعارف و الأخبار..تبادلنا أرقام هواتفنا،و قرّر أن يحضر إبنه ريان ليتعلم السباحة لدى نادينا،ومنذ ذلك اليوم و هو مواضب على إحضار إبنه للتعلم.كان أروع طفل عرفته في النادي،ذكيّ و بشوش و ـ إبن نكتة ـ كما يقولون ! رأسه مليء بالمعلومات و"الأزنتريّات " مع أنه لم يكمل عامه العاشر بعد. سألته ذات مرة عن علاقته بفلسطين.أجابني بأنّه لا يعرف عنها إلاّ ما يشاهده على قنوات الأخبار.أطفال يموتون و أسرٌ تُشَرّدُ ومفاوضات بلا نتائج..                                                                          أردت شحن همّته.قلت له: إذا كبرت،سافر إلى فلسطين و حرّرها من الِاحتلال.                                                                   فاجأني بقوله:عندما أكبر سوف أصاب بالأمراض!                           قلت: لِمَ التشاؤم؟أنت رياضي! و سوف تحافظ على عزمك و صلابتك.   قال:كلّ من يكبر يشيخ و يمرض ثمّ يموت،جدّي و جدّتي مصابان بأمراض،و أخوال بابا و ماما و أعمامهما جميعهم مرضى و يتناولون الأدوية كل يوم،بعضهم مات و بعضهم في المستشفى،والباقون ينتظرون أدوارهم..و هذا مصير كل إنسان عندما يكبر!                                                                   أنهى ريان تمارين التداريب كلها.أتقن السباحة الحرة بحركات صحيحة.   و برع في السباحة على الظهر كما يجب.ثم انتقلنا إلى الغوص لمسافة قصيرة و بعدها مسافة أطول،واِمتاز في كلّ أنواع القفز كذلك،وكان في المستوى المطلوب،فصنفته أحسن طفل في فن العوم على الإطلاق..                                                                      اِقترحت عليه بأن يزورني في المسبح الآخر بحي "الملز" في مساء يوم الجمعة،حيث المساحة أكبر و العمق أكثر لكي يزيد من مهاراته.أعجبته الفكرة،و بعد أربعة أيام حلّ زائرًا على المكان برفقة والده.قضينا حوالي ساعتين في العوم و اللعب و المزاح حتّى اِستوقفنا الجوع و العطش و التعب.تناولنا وجبة لذيذة من إبداعات المطبخ الفلسطيني بيد زوجة أبي ريان(مجدّرة.حمص.متبّل.فتّة.و صنف آخر لذيذ لم يسبق لي تناوله)..     أكلنا حتى شبعنا،وشربنا فاِرتوينا..                                             سألت والد ريّان عن حياة الفلسطينيين.ذكر لي بأنه زار رام الله قبل سنتين.سفر الفلسطينيين يختلف عن أسفار باقي الجنسيات المقيمين بالسعودية و دول الخليج العربي.الجميع يجلبهم إلى بلدانهم رؤية الأقارب والاِستمتاع بالأماكن السياحية الجميلة و اِستنشاق هواء غنيّ يثير لديهم الحنين و الذكريات و عبق الماضي..                                                                         أما الفلسطينيون،فيسافرون لبلدهم إمّا لحضور مآثم وتعازي أو لدفن ضحاياهم أو لرؤية مساجين أُطلِقَ سراحـُهُمْ بعد سنين طويلة من الحبس و المعاناة أو لتصفية وبيع قطع أرضية وعقارات مهدّدة بالاِحتلال لكيلا تضيع هباءًا..                                                                         حكى لي أبو ريّان عن سفره.اِستغربت من السبب.إذ ذهب لتهريب زوجته الثانية عبر الحدود الأردنية وإدخالها إلى السعودية لأنّ الأوضاع و الإجراءات ليست على ما يُرام.دفع مقابل العملية مبلغا كبيرا لأحد السماسرة الأردنيين العاملين بالتهريب..اِقترحت عليه بأن يدعها تعيش داخل فلسطين و يسافر إليها في كل فترة ما دامت الأمور مستقرّة بالداخل و بوسعه السفر و العودة متى شاء.ضحك و أخبرني بأنّها أم ريّان،أمّا التي تقيم معه هنا بالسعودية فزوجته الثانية.و ليس من العدل أن تنعم واحدة بالعيش هانئة والأخرى ترزح تحت وطأة الاِحتلال في بلد لم يعرف الاِستقرار منذ عدة عقود ناهيك على بعدها عن إبنها الوحيد الذي تعوّد على العيش هنا،و ليس هناك أمل أن يعود إلى فلسطين ـ و نحن كذلك ـ مادامت الأمور تنحدر نحو تدهور مستمرّ و الوضع مهدّدٌ بالاِنفجار في أية لحظة..                                                                                وافقتـُه الرأي،و تمنيت للجميع حظا سعيدا.جاء ريان بعدما لبس ملابسه و اِبتسامته لا تفارق وجهه كعادته.وضع محفظته على ظهره،فتوادعنا على أمل لقاء جديد..                                        

                                          

 

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق