]]>
خواطر :
الحياة الدنيا مثلها امرأة ، تراها من بعيد جمالا براقا لتكتشف أن كل شيء فيها مصطنع ... من رموش العين إلى احمرار الخدين والشفتين إلى طاقم الأسنان الناصع البياض...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

استثمار من نوع خاص .. قصة قصيرة

بواسطة: Sammi Arabe Muslem  |  بتاريخ: 2013-06-08 ، الوقت: 20:26:35
  • تقييم المقالة:

 

الصمت ، الهدوء والترقب ، ذلك كل ما كان يسود في تلك الساعات على الحضور داخل القاعة الفخمة التي اتسعت ارجائها وتنوعت محتوياتها بين الفخامة والجمال .. تحف واثريات ولوحات ومقتنيات اصطفت بجانب بعض الهدايا والقطع التذكارية التي زينت الزوايا والأركان وسط أجهزة عرض ووسائل إيضاح حديثة فيما جلل المكان تناسق لوني طغت علية قشرة السنديان بلونها الأحمر الوقور .. الحضور في القاعة لم يكونوا يتعدون العشرة أشخاص تقارب ثمانية منهم في أعمارهم التي لم تتعد العقد السادس فيما الأخيران لم يتعديا الأربعينيات .. تحلقوا حول مائدة بيضاوية الشكل حمراء اللون من نفس لون الديكور فيما بدت عليهم آثار الثراء والغنى والامتلاء .. لم ترتفع أعينهم عن مجموعة من الأوراق التي انشغلت أصابعهم بتصفحها بهدوء و تركيز .. بعد الصمت بادر أكبرهم سنا ورئيس الجلسة من خلف رأس المائدة بصوت جهوري ..

ــ والان أيها السادة بعد أن اطلعتم على تفاصيل المشروع ، هل لي أن اسمع آرائكم ؟
التفت أليه أحد الجالسين ( أحد الصغيرين في العمر ) عن يمينه قائلا ..
ــ يبدو مشروعا طموحا ..
ــ طموحا ؟!! افهم من هذا انك من مؤيديه ؟
فيما نظرات الآخرين تتفرس فيه استغرابا .. بادلهم النظرات ثم غمغم وهو يهز رأسه .. وقال بتحد .
ــ وما المانع ؟
ــ ما المانع ، ما معنى هذا أيها العضو العزيز ؟!!
سؤال حمل في طيا ته نكهة استنكار جاءه من عضو أخر (ماثله بالعمر ) وهو يجلس على الطرف الأخر قبالته .. فرد علية..
ــ اعني أن المشروع يحمل فيما يحمل نقاطا إيجابية كثيرة رغم تفاصيله المثيرة للجدل ، وعلى أي حال علينا أن نكون بعيدي النظر لخدمة الصالح العام .
ساخرا علق الثالث متسائلا ..
ــ خدمة ماذا .. الصالح العام ؟!!!!
ــ لا تتعجل الحكم على الأمور قبل أن تزنها بشكل جيد وبعقلانية شديدة يا زميلي العزيز .. امعن النظر في تكلفة المشروع والى ما سيدره على اقتصادنا ، أضف إلى ذلك السمعة الدولية في مجال الاستثمار التي سيمنحها لبلادنا التعامل مع مثل هذه المجموعة الاقتصادية
وهو يرمقه بنظرة شك وريبة .. علق
ــ يبدو لي مع مشروع كهذا أن هناك من سيستفيد اكثر من البلد ؟!!
احتد عليه زميله وبغضب وتحذير قال ..
ــ هذا تلميح رخيص لن اسمح لك به يا سيد على .
سانده رئيس الجلسة فقال مخاطبا علي ..
ــ سيد علي ، أرجوك لكل منا حرية التعبير عن رأيه ومهما يكن فلا اعتقد إننا بحاجة للانحدار بمستوى الحوار والمناقشة ألي حد التقاذف ..
تبادلا النظرات ثم غمغم ..
ــ أنا أسف واعتذر .. ولكن لدي سؤال للسيد محمود .. هل له أن يتفضل بإطلاعنا على الأسس والأسباب التي بنى عليها هذا الرأي .. لعلنا منه نستفيد ؟
الجميع يتطلع إلى محمود انتظارا للاجا به .. اعتدل ثم عقب ..
ــ رغم لهجة السخرية والاستهزاء البادية في سؤالك إلا أنى سأتغاضى عنها واجيبك .. الأسباب التي تسأل عنها أيها الزميل العزيز هي نفس الأسباب و المعايير التي نعتمدها في أي مشروع عرض علينا من قبل .. وبتفصيل اكثر فأن تكلفة المشروع المقاربة على المليار ونصف المليار والخطط الملحقة بالتوسعات المستقبلية المتوقعة له من قبل أصحابه وكذلك عمليات التصدير ناهيك عن صلته المباشرة بقطاع السياحة والذي سينعكس إيجابا على هذا القطاع مما يعني أجمالا تحريك دورة رأس المال و توفير فرص اكبر للتوظيف وكذلك توفير العملة الصعبة واخيرا وليس أخرا الثقة التي سننالها من قبل بقية المستثمرين في أنحاء العالم لسماحنا لمثل هؤلاء الناس وهذه المشاريع بالاستثمار في بلدنا .. لهذه الأسباب ولهذه اللاسس فأنا أول الموافقون عليه .
بعد أن ينتهي يعم الصمت الجميع لبرهة حتى يقطعه الرئيس موجها سؤالا لعلى ..
ــ وأنت يا سيد علي ما هو رأيك ؟
أطال أليه النظر ثم أردف يسأله ..
ــ هل لي أن اسمع رأى سيادتك أولا ؟
ــ أنا ؟!!
ــ اجل أنت .
بعد تردد قال الرئيس ..
ــ في الحقيقة الأمر مربك ومحير بعض الشيء ..
ــ وما الحيرة فيه ؟
ــ بخصوص ما ذكره محمود برأيه فأني أرى أن فيما قاله كثير من المنطق والواقعية ولا أحد يمكنه أن يعترض ولكن ..
ــ ولكن ؟
ــ البرلمان .. المشكلة تكمن في البرلمان وخصوصا المتشددون منهم ، لا أظنهم سيوافقون عليه ناهيك أن لم يطالبوا بإعدامنا بسببه .
ــ يمكننا التغلب على ذلك .
متحدث رابع ، أحد الأعضاء الجالسين بقرب على .. التفت أليه الجميع وسأله الرئيس .
ــ ماذا تعني ؟
ــ اعني أن بإمكاننا أن نحصل على موافقتهم بتغير بسيط على المشروع .
ــ تغير ؟!!
سأله أخر ..فأتبعه الرئيس ..
ــ افصح يا رجل .. ماذا تعني ؟
ــ كما تعلمون فأن معظم أعضاء البرلمان لا يخوضون بالتفاصيل كثيرا وخصوصا فيما يتعلق بالملفات الاقتصادية لذا فسنستغل ذلك ونقدم لهم المشروع باختصار ودون تفاصيل مع تغير في بعض المسميات .. كأسم المشروع ، اسم المواد المصنعة ، استخداماتها إلى غير ذلك ولغتنا العربية ملئ بالمشتقات التي تعين على ذلك .
ــ وإذا ما وافقوا واكتشفوا عند التنفيذ بأنه لم يكن ما وافقوا عليه فلن يستطيعوا التراجع أو التحدث خوفا على سمعتهم ؟
علق الرئيس وعلامات الحبور تملئ محياه .. فأجابه الرابع ..
ــ بالضبط يا سيدي .
ــ أحسنت يا فرج .. تفكير حصيف .. ( صمت متفرسا في وجهه ثم التفت إلى الآخرين ) .. هكذا إذن أرى أن لا مانع من الموافقة أيها السادة ، أليس كذلك ؟
ــ ما هذا الجنون الذي اسمع ؟!!
غمغم على فالتفت إلية الرئيس وبادرة بتبرم وسخرية ..
ــ آه .. سيد على ، يبدو لي انك معارض ؟
ــ معارض ( يطلق ابتسامة سخرية ) وهل ترى معارضتي ستنفع مع موافقتكم المسبقة ؟!!
( حاول الرئيس الرد عليه إلا انه يقاطعه ) على أي حال سيدي الرئيس ، أيها السادة ( وهو يلملم ما امامة من أوراق ) اسمحوا لي فأني انسحب من الجلسة .
ــ ماذا .. تنسحب ؟!!
ــ اجل .
هرج ولغط وأصوات همهمات من الجميع .. فيما الرئيس يسترسل بسؤاله ..
ــ لماذا ؟!!!
ــ لماذا ؟ .. أتسألني بعد كل هذا الذي جرى أمامك ؟!! سيدي الرئيس قبل أن أدخل عليكم القاعة كان في ذهني تصورا خاصا لطرحه عليكم ، تصورا اهدف فيه للتصدي لكل مشروع تافه ، عقيم لا يمت لمصلحة المواطن أو الوطن بصله .. كنت انوي حثكم للتوقف عن منح موافقتنا على إي مشروع من شاكلة مشاريع القمامة .. كهذا المشروع أو مشاريع العلكة والبسكويت أو الألبان وغيرها مما لا يغني أو يسمن من جوع سوى إنها توظف العاطلين عن العمل أو تجلب عملة صعبة كما قال الأخ .. ولكني للآسف كنت مخطئا .. واقولها مرة أخرى للآسف ظننت أنكم سترفضون ( يلوح بملف المشروع الجديد ) هذه القذارة دون حتى أن تمنحوها أي لحظة من المناقشة ولكن للآسف .. أنى آسف أيها السادة على كل لحظة مرت على وأنا أشارككم تدمير بلدنا واهلنا وتحويلهم إلى مجرد حيوانات داجنة مستهلكة لا تنفع أو تضر اللهم إلا لتسمن وتباع لكل صاحب كرش أو جيب ممتلئ .. أيها السادة ، قبل أن اخرج أرجو أن تسمحوا لي أن أنبهكم ألي أمر غاية في الأهمية .. إنكم بمناصبكم هذه تتحملون كامل المسئولية أمام الله أولا وأمام الشعب والتاريخ ثانيا لما فعلتموه من قبل وأنا معكم وما ستفعلونه اليوم وأنا لست معكم فيه .. إن ديننا واخلاقنا أيها السادة هما الهدف من وراء كل هذا العبث المسمى كذبا ونفاقا بالتجارة أو الاستثمار .. وان لم تتوقفوا وتراجعوا أنفسكم ألان فان الوقت لن يطول بكم وبهذا البلد قبل أن نراه يباع ويشترى بابخس الآثمان .. عن آذنكم .
يترك المكان والوجوم يعلو الوجوه فيما صوت الرئيس يلاحقه مناديا للرجوع والعودة ولكن عبثا حتى يعلق محمود ..
ــ دعك منه يا سيدي فهذا رجل لا زال يعيش أوهام وأحلام ماض لن يعود ومستقبل لاطاقة لنا به .
التفت أليه وبصوت تجلله الخيبة ..
ــ أتظنه كذلك فعلا يا محمود ؟
ــ سيدي السلم يصعد درجة درجة وليس بالقفز فخطأ واحد يكون كافيا لخسارة كل شيء ..( أطال الصمت والتفرس بوجه صاحبه فيما علائم التردد تنداح في ملامحه الخمسينية مما استدعى محمود للاسترسال ) .. هل نصوت على المشروع سيدي ؟ .. ( لا يجيبه الرئيس الغارق بالسهوم والتفكير ) .. سيدي ؟ .. ( ينتبه فيرد بهمهمة ) .. هل نصوت على المشروع ؟ .. ( أومئ برأسه للموافقة ) .. حسنا إذن أيها السادة ، هل من معترض أخر غير السيد على ؟ .. لا أحد ، موافقة بالأغلبية ، إذن يتم اعتماد مشروع تصنيع وانتاج المستلزمات الجنسية وتحال الصيغة النهائية للمستشار القانوني للبت فيها وتقديمها ألي لجنة الصناعات والاستثمارات في البرلمان .. رفعت الجلسة .
بعد أسبوع كانت الصحف تحمل اكثر من خبر مثير .. الصفحة الأولى حملت عنوانا عن توقيع بالأحرف الأولى بين رئيس هيئة الاستثمار القومية ومجموعة من رجال الأعمال لبناء مجمع مصانع النجمة الزرقاء للمستلزمات الشخصية الخاصة وبقيمة مليار ونصف المليار دولار فيما علت الخبر صورة لأعضاء الهيئة يتصدرهم محمود .. في النصف الأخر من الصفحة إعلان تعزية من رئيس وموظفي هيئة الاستثمار القومية لوفاة عضو الهيئة السيد علي اثر حادث مروري اليم ..
صدفة !!!

 


« المقالة السابقة

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق