]]>
خواطر :
انساك ! ده كلام ؟... اهو ده اللي مش ممكن ابدا...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

رجاء فكرى:نصف العلم..على مشرفة(2)

بواسطة: Ragaa Fikry  |  بتاريخ: 2013-06-03 ، الوقت: 14:46:00
  • تقييم المقالة:

لم تكن البداية مأساوية ومؤسفة بقدر ما كانت النهاية..يوم حزين من أيام مصر قد مر عليها كأن لم يكن..الكل أصابته الحيرة والذهول..لا أحد يكاد يصدق ما حدث فى صباح هذا اليوم الخامس عشر من يناير عام 1950. لقد ضاعت الكلمات وتاهت الحروف على شفاه المصريين..والحزن بكل أركانه قد سكن أحداقهم..كانت العبرات وحدها أصدق تعبير على مأساوية المشهد..حتى أن ألبرت أينشتين نفسه لم يكد يصدق ما حدث لصديقه العالم المصرى قائلا: أنا لا أصدق أن مشرفة قد مات..يالها من خسارة فادحة، فنحن بحاجة إلى مواهبه..لقد كنت اتابع أبحاثه فى مجال الطاقة الذرية.وهو بالتأكيد واحدا من أعظم العلماء فى مجال الفيزياء..

لم يكن أينشتين وحده متأثرا بهذا الحادث الأليم..بل كان علماء الفيزياء فى العالم جميعا يشعرون بقيمة من غادر الحياة إلى الأبد..فعندما علم العالم الفيزيائى الشهير نيلز بور نعاه قائلا:كان مشرفة أستاذا بحق..وهو المصرى الوحيد الذى يمكن أن تسند إليه أستاذية الرياضيات التطبيقية بالجامعة المصرية. أما عن أستاذه ومشرفه السير ريتشاردسون قائلا:إن مشرفة كان بلا شك واحدا من أعظم علماء الطبيعة الرياضيين البارزين فى العالم، وإن وفاته فى هذه السن المبكرة خسارة لا تقدر للعلم لا فى مصر وحدها ،بل فى جميع أنحاء العالم..وكنت أتطلع بثقة بالغة إلى الأعمال العظيمة التى كان يقوم بها فى ما يتعلق بأبحاث الذرة، فإذا بالموت يختطفه ويصيبنى بخسارة بالغة..

أما عن صديق العمر وزميل الجامعة ورفيق الدرب، الدكتور طه حسين جاءت كلماته فى ذكرى تأبينه لتكتمل أركان هذا المشهد الأليم قائلا:أمثال مشرفة من النابغين النابهين الذين يرفعون ذكر أوطانهم، والذين يضيفون إلى الكنوز الإنسانية فى العلم والمعرفة أمثاله قليلون.

من وجهة نظرى المتواضعة أن المشكلة ذاتها لا تكمن فى موت مشرفة، بقدر ما تكمن فى موت أبحاثه وأفكاره التى غطاها الثرى..واندثرت بعضها..وتناستها الأجيال جيلا بعد جيل وعاما بعد عام..حتى مرت الأعوام والعقود بلا أى ذكر لهذا العالم الذى قل ما يجود الزمان بمثله..وتوارت مسودات أبحاثه التى بلغت المائتى مسودة، والتى كان من المفترض أن يحصل بها على جائزة نوبل فى الفيزياء قبل أن يداهمه الموت.

خسارة قيمة علمية بحجم مشرفة خسارة فادحة ولا تقدر بأى ثمن..علاوة على أن أفكاره التى عاش دهرا بأكمله ينادى بها ويحث عليها ويعمل لأجلها لم يعمل بها أحد ولم تلقى ذرة اهتمام من أحد...وضرب بكل ما نادى به عرض الحائط..كل مسودات أبحاثه وكتاباته ومخطاطاته من أجل النهوض والإرتقاء بالوطن ودفعه نحو التقدم والتطور العلمى، ألقيت فى نفايات القائمين على شئون الدولة. هكذا كان فضل السياسة على العلم..وفضل الساسة على العلماء..

فما قيمة ما ينادى به عالم مثل مشرفة؟!..إنه يريد أن يكون لدينا قنبلة ذرية حتى نتقى شرور أعدائنا عند الإغارة علينا..وما قيمة ما ينادى به..ومصر ليست طرفا فى الحرب العالمية الثانية(1945)..يكفى أن نأخذ موقف المتفرج على كل ما يحدث حولنا من أحداث عالمية مبهرة قد تغير مجرى تاريخ بأكمله..ويكفى أن تبقى مصر فى مواقعها خارج الحياة الإنسانية..

أنا أصدق تماما أن مشرفة قد مات جسدا..ولكن لا أصدق أن أبحاثه فى نظريات الكم والإشعاع والذرة قد ماتت وإلى الأبد..واكتفينا فقط ببناء مدرسة فى مدينة دمياط مسقط رأسه، أو بناء مدرج فى قسم الرياضيات-كلية العلوم (جامعة القاهرة) يحمل اسمه..ولا يحمل فكره ولا نهجه..بقدر مااكتفينا فقط بحفظ مواقعنا خارج العالم وخارج التاريخ وخارج الإنسانية..

ولعلى أتذكر ما بينه مشرفة فى كتابه نحن والعلم والذى صدر فى عام 1945(عام الحرب العالمية الثانية)، أى قبل وفاته بخمس سنوات والذى قال فيه: ونحن فى مصر أين مكاننا بين هذه الأمم؟ وما مبلغ ما وصلنا إليه من العناية بأمر العلم؟ شيئا واحدا لا يقبل الجدل أو النقاش ألا وهو أننا إذا أردنا أن يكون لنا مكان معلوم بين أمم الأرض المتحضرة ، وجب علينا أن نضاعف إهتمامنا بالعلوم الحديثة..وأن نجعل منها أسسا ثابتة نبنى عليها صرح حياتنا القومية.

وفى موضع آخر من هذا الكتاب يذكر مشرفة:إنه فى إمكان كل أمة مهما بلغ الجهل بأمرها أن تبتاع بالمال نتائج الصناعة الحديثة من عربات متحركة بنفسها وآلات محركة لغيرها،بل ومن سفن ودبابات وذخائر وأسلحة..ولكن ما قيمة هذه الالات فى أيدى قوم لم تصل بهم المقدرة إلى درجة يستطيعون بها أن يستخدموها؟ وإن احسنوا إستخدامها فكيف السبيل إلى صيانتها وإصلاح ما فسد منها، إذا لم يكن منهم الفنيون..وإذا لم يكن لديهم الدور المجهزة لهذا الغرض؟ وهب أنهم تمكنوا من القيام بالإصلاح فكيف يتيسر لهم تحسين هذه الآلات (والصناعة فى تقدم مستمر..والأمم فى تنافس شديد لإتقان ما يصنعون بحيث لا يكاد يمضى حول أو بعض حول على آلة إلا ظهر ما هو أحسن وأتم منها صنعا).

قال أينشتين عند وفاة مشرفة: اليوم توفى نصف العلم!.

مات مشرفة واندثر الفكر وتضاءل العلم وانحسر الخيال وضاقت الآفاق بما رحبت..مات مشرفة وتدثرت مصر من بعده بالثوب الأسود الحزين..ولا زلنا على العهد باقون..

مصر 2013 لا تختلف كثيرا عن مصر 1950.                                         

 

marycoriibiochem@yahoo.com

ragaafikry@gmail.com

3-6-2013.


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق