]]>
خواطر :
الحياة فصول .. جلوسنا لدقائق , لا يعني إحتوائها تماما هي دقائق نتأملها ..لا غير.   (طيف امرأه) . شوهدت ذئاب على أطراف الوديان في فرائس تتحينُ ...مرت عليها البهائم وهي تتعجب... ردت الذئاب على البهائم ، لما العجبُ لولا الفرائسُ لما وُجدت الذئابُ...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

صور من حياة طفل

بواسطة: محمد ممدوح يوسف  |  بتاريخ: 2013-06-02 ، الوقت: 11:04:37
  • تقييم المقالة:
كل مكان يحول بينهم وبين الموت يكون مأوى لهم :

في هذا العالم الذي امتلأ بالقسوة واللعنات والخراب و التدمير والفساد يبحث ذلك الطفل الوحيد على مأوى يبعده عن طلقة نارية طائشة تخرج من فوهة سلاح قاسي فترديه ميتا في حين أنه لم يرى من الحياة بعد مقدار ما رأى قاتله وتمتع ، يركض ذلك الطفل الهزيل من ندرة الطعام و يداه ترتعشان خوفا من مصير مرعب قد لحق بأصحابه وجيرانه الذين كانوا في نفس عمره ، يركض بشدة مسابقاً الريح ليلحق بذلك المأوى البعيد عن الأنظار فيحتمي من ذلك السيل المنهمر من فوهات الأسلحة التي ترسل بأرواح البشر إلى حياة برزخية مليئة بالظلمة والضيق والوحدة ، يعلو صوت لهاثه فزعا وهلعا من أي يلحق بأصدقائه الذين سبقوه إلى عالم القبور المظلم ، وأخذ يبكي و لصدره صوت عميق ينم عن خليط  قاسي من الرعب والخوف والحزن والألم والفراق والكراهية .. ، لم يكن يوما يظن أن ستجتمع كل تلك المشاعر في قلبه وصدره في آن واحد إذ كان بالأمس القريب يلهو ويلعب ويخطط لمستقبل باهر ومشرق ، نظر حوله ليرى جسد أبيه وأمه - على بعد أمتار من مخبئه – غارقان في بحيرة حمراء من الدم وقد ضاعت أكثر ملامحهما ، فتتجمد حدقتا عينيه صوب جسد والديه المهتك ويشعر بنغز شديد في صدره ، يجد حرقة ولهيبا يخرج مع دفعات تنفسه السريع فلا يجد أمامه إلا أن يبكي ولكنه يكتم بداخله صرخة مروعة ، ويبكي بكاء طفل في عمر الثامنة ، بكاء طفل لا يعلم للحياة معنى إلا أن يحيا ، بكاء طفل لم يبلغ عقله لأن يعي ما هذا العالم الذي يراه ، بكاء طفل تمثلت أمام عينيه صور اللعب واللهو وأحضان أمه الدافئة ومداعبة أبيه الماتعة ، بكاء طفل لا يعلم من معاني الكلمات إلا الرحمة والبراءة والبساطة ، بكاء طفل يرتجف جسده كله فزعا مما يراه بل ولا يستطيع حتى أن يفهم معناه...ولكن لسان حاله قائلا ليتني مت قبل هذا..

 

العزلة والحيرة تقترن بهم اقتران الظل :

يجلس على أريكة خشبية محطم أغلبها من أثر العدوان المتتالي ، وينظر أمامه فيرى تلك المساحات الشاسعة من الأرض والتي يعلوها اللون الأخضر تارة ويمتزج معها اللون الأصفر تارة ، ويرفع عينيه إلى السماء ليرى قرص الشمس الأصفر ، ولكن يجده هذه المرة يظهر بوجه قاتم وتعلو قسماته الكآبة والتجهم ، حتى إن اللون لم يعد صافيا كما كان من قبل ، وأخذ ينظر حوله باحثا عن حلم كان يبزغ نوره كل يوم أمام عينيه بالأمس القريب فلم يجده اليوم ، نظر إلى السماء ثانية مناجيا وسائلا أين أنا؟..وأين أمي؟..وأين أصدقائي؟..لماذا أنا وحدي؟..، ولم يأتي الرد فأطرق حزينا متمتاً أين أنت يا أمي؟؟ ، وهنا جاء رد من أعماق الظلام ، جاء حاملا كل معاني الوحدة والعزلة ، جاء ليخبر بمستقبل خالي من معاني الحياة وملئ بمعاني الحيرة والغربة ، وملئت الدموع عيناه وانفجر صوت البكاء من أعماقه النقية الحزينة ، وصرخ صرخة رجت أركان الفضاء حوله معلنة عن بدء حياة طفل مليئة بالعزلة والحيرة فكانت حياة أقرب لمعنى الموت منها إلى الحياة..   

 

  الموت لحافهم :

    كان مشهدا مروعا حقا ، علا صوت عويل النساء وبكائهن بشدة ، كان صراخهن يرج الأرض من تحت أقدامهن ، كان صراخهن بمثابة رسالة إلى ذلك القاتل البغيض تحمل كل معنى الكراهية والحنق والأسى ، وفي المقدمة جمع غفير من الرجال وقد علت قسمات وجوههم الحزن والهم والغم ، اجتمعوا جميعهم في صفوف متماسكة رافعين أيديهم إلى السماء يتضرعون و يصلون صلاة الجنازة على روح ذلك الطفل البريء ، تلك الروح الطاهرة النقية التي لم ترى من الحياة إلا قليلا..

نظرت على الأرض أمام المصلين لأجد جثة طفل ملتف بلحاف من قطن أبيض يخرج منها نور وجهه الصغير الذي لم تلطخه الدنيا بعد بدنسها ، لا أصدق ما أرى..من على هذه الأرض يحمل قلبا قاسيا لدرجة تجعله يقتل طفلا كهذا الطفل الملتف بلحاف الموت..من هذا الرجل الذي سلبت من روحه كل معاني الإنسانية ليقتل طفلا كهذا..ماذا فعل هذا الطفل المسكين لنفقده حياة لم تكتمل بعد..بل لماذا سمحنا له بالمجيء إلى هذه الحياة دون أن نحافظ له عليها..إن هؤلاء القتلى الجناة لا يستحقون حتى أن نسميهم بشراً...   


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق