]]>
خواطر :
لا تلزم نفسك بأمر أو فعل لا تقدر عليه ، وكن واقعيا في أمور تخصك حتى يهنأ بالك   (إزدهار) . 

عنفٌ بثيابٍ مُقدسة

بواسطة: محمد الحداد  |  بتاريخ: 2013-06-01 ، الوقت: 12:10:47
  • تقييم المقالة:

 

 

عنفٌبثيابٍ مُقدسة

 

محمدالحداد/  العراق

العنف..أسوأخياريُمكنُأنْينزلقَإلىمَهاويهِ السحيقة أيُّ شعبٍمنالشعوب..يحدثُذلك أحياناً بلا مقدماتٍ مُسبقةٍ تُنذرُ بقدومهِ الكارثي..لأنهُ يفرضُ نفسهُ فيظروفٍ  مُظلمة كخيارٍ أوحدمِثلَ ضيفٍ ثقيل يقتحمُ الديارَ فجأة دونَ أنْ يطرقَ الأبواب..حينها يُغيَّبُمنطقالعقلِويتسيدُالجنونُ بدلا عنهُ ليُصبحَ مُلهمَ حِكمتهم الأوحد..وتتوجُ الفوضى ملكة عُظمى على مملكةِ خرابٍ مُمتدة..

أسوأمنذلكالعنفِ..مَنْهَجتهُ..حينمايُسَنُّمنهُقانونَ غابٍذوسُلطةٍعليا.. لهُكلمةالفصلِمثلدستورأبديٍّ مُدوّنٍ لا جدالَ في بنودهِبحيثيتحولُ  منمحضِخيارٍاضطراريٍّ عابرتفرضهُ أحياناً ظروفٌ دفاعية طارئةتعكسُصورتهُالبدائيةإلىخيارٍاستراتيجيّ ثابت.

إذا توغلَ العنفُ في أيِّ مجتمعٍ كلَّ تلك المسافةِ البعيدة فهذا يعني أنهُ قد تجاوزَ فوضويتهُ المألوفة التييتركُ بصماتهُ الطفولية عليها عادةً أيّ عنفٍ آخر في أيِّصراعٍ تقليدي محدود..حينئذٍ سيحجزُمكانَ الصدارةِ في قائمةِ أولويات ذلك المجتمعكَهَوَسٍ مُجتمعيٍّ مَحمومليُصبحَ بقانونهِالهمجيِّ هذاغاية بذاتهِوسيؤسسلهُأخيراً إيديولوجية قيَمية تبلغُ قمة خطرها حينما ترتدي أثواباً يقينية عُلياتحظى بدرجةِ قداسةٍلا نقاشَ فيها تُغري المجتمعَ كلهُ لاستحلابِمكاسبَموهومةتُضفي عليهماطمئناناًزائفاًيُلقيفيروعِهمأنَّخيارَ المُضيِّ في أيِّ طريقٍآخريُغايرُنهجهمالمقدس هذا كأنهُإشهارٌصريحٌ لِكُفرلا يُغتفر..

دولةينحوالمجتمعُفيهاذلكالمنحىالكابوسيّالخطيرسيصبحُبرُمّتهِأكبرمصنعٍدائمٍللأزمات..وسيُدمنُ أفرادهُ صناعتهم هذهِ لأنهُم سيقعونَفريسة دائمة لأوهامهاالمريضة..تزيّنُ أخطائهم وتجمّلُ قبحهم..وتقنعهم أنَّالحقَّ رهينة بساحتهم وطريدةٌ ضائعة لِمنْ خالفهم لن يتسنى لهم الظفرَ بهِ أبداً إلا بهديّ مبادئهم التي لا ينبغي الإذعان إلا لِمُسلّماتهاوإلانَهَشتْهم مخالبُ عنفهمالمُقدس هذا!

قد يبدوهذاالكلامُغارقاًفيبحارتشاؤمهِويشوبهُ فائضُ رطانةٍ نظريةٍمَحضة تفتقرُ إلى حقائق حيةٍ وأدلةٍ عمليةٍ من الواقعِ نفسهِ لكي تكتسبَ منهُ مصداقيتها لكنتدفعناإلىقولِ كلِّ ذلك  مخاوفٌحقيقيةبدأتْ تقرعُ فينا بالفعل نواقيسَ خطرِالوقوعِ في مُستنقعِ ذلك العنفِ الكاسر وتنذرنا من عواقبهِ..خاصة بعد أنْ برقتْ أولى صواعقهِ المُهلكة بُعيدَ انتصار الثورات التي اجتاحتْ بعصفها المُدوّي العديدَ من دولِ المنطقةِ حينمابدأتْ جموعٌ كبيرة من الجماهير تلعبُ دوراً تكميلياً خطيراًوإنْ كانتْ هي نفسها غير واعية لحقيقتهِ..دورٌ يُمكنُأنْ نُلخّصهُ بوهم مُخادع نجحَ حتى الآن في أنْ يوسوسَ في آذان تلك الجماهيربأن لا يتركوا جذوة حماستهم الأولى تنطفئ أبداً..ويحثهم على مواصلةِ السير بذاتِ الطريقِ الذي خَبَروهُ سابقاً رغم بلوغهم نهايته المفترضة ورغم علمهم أيضاً بما يمكنُ أنْ يخبئهُ لهم ذلك الطريق من مفاجآتٍ مُدمرة اعتقاداً منهم بأنهماكتسبوا مُبرراًقوياً ومُقنعاًيمنحهمحقاًمُقدّساًيتيحُلهمأنْيُواصلوا مُطالبتهم بعد ذلك حتى بالمستحيل نفسهِ باسم الحريةِ التي انفلتَ عِقالُ بعيرها فجأةً بعد أنْ كانت رهينة بيد مَنْ تساقطَ من طغاتهم..وحُجّتهم في ذلكَ كلهِ أنَّ رهانَهم الأكبر الذي وَضَعوهُ سابقاً نُصْبَ أعينهم إبّانَ تلكَ الثورات - مُمَثلا بإزاحةِ أعتى طغاتهم - والذي كان يبدو لهم في حينهِ مستحيلَ المنال آتاهم أكلهُ بشكلٍ سِحري فاقَ أحلامَ أكثر المتفائلين منهم ولم يكنْ يخطرُ ببالِ أحدٍ أبداً أنْ يتمَّ انجازهُ بالكيفيةِ هذهِ..انجازٌ غير مسبوقٍ أبداً عَبَرَ المَصَدّات والحواجز كلها واجتاز خطوطها الحمراء بقفزةٍ خارقةٍ واحدة وأحرقَ وراءهُ أية احتمالاتٍ أخرى..رهانٌ ربما كانَ من أسوأ حسناتهِ فعلاً أنهم وصلوا أعلى قممه وقطفوا أغلى ثمراته قبلَ أنْ يَطئوا سَفحهُ ! لكنهم أنجزوا ذلك بالفعل ورَبَحوا رهانهم كاملاً ولم توقفهم محطاتٌ فاصلة لترتيبِ الأوراق والتقاطِ الأنفاس وإحصاءِ المكاسب..لم يتذوقوا طعمَ الثمراتِ حينما تتساقطُ أمامهم على الطريقِ تِباعاً أو يتوالى قِطافها بأيديهم صعوداً فصعوداً...كلُّ ذلكَ أصابَهم بلوثةِ غرورٍ ممّا أنجزوهُ لذا باتوا يعوِّلونَ اليوم أكثر من أيِّ وقتٍ آخر على المُضيِّ قدُماً أبعد ما يمكنُ أنْ يصِلَ إليهِ سرابُ أحلامهم مُدججينَ بأملٍ حديديّ يُمنّيهم أنَّ أية ثمار أخرى دون ثمرتهم العُليا التي ذاقوا حلاوتها ستكونُ قطوفها دانية حتماً وسيصلونَ إليها بجهدٍ أيسر وبأقلِ الخسائر..ويبدوإنَّالذينتَلَبَّستهمأرواحالتحديوالعِنادهذهِباتوايُراهنونَفي سبيلِتحقيقِذلك على إبقاءِأفواهِمطالبهم التعجيزيةمفتوحةعلىوِسعِهابوجهِ حكوماتهمالجديدةبعنادٍ غريبٍ غير آبهينأبداًحتىلوتعطلتْعجلةالحياةِفي غضون ذلك إلىالأبد..وهذهِ حساباتٌ خاطئة تماماًتستخِفُّ بمصالح بلدانهم العليا وتنظرُ إلىما استجدَّ فيها بعيونٍ تشكو من قُصر نظرٍ سياسيّ يفتقرُ إلى الموضوعية..نظرة فيها عجزٌ واضحٌ عن قراءةِ الواقع الجديدٍ قراءة صحيحة..الواقعُ الذي بدأ يتشكلُ بنائهُ بلَبناتٍ سياسيةٍ واجتماعيةٍ مُغايرة لِما كانتْ عليهِ سابقاً.

هي إشكالية حقيقية فعلاً ربما سنخدعُ أنفسنا لو ادَّعينا أنها جديدة علينا تماماً لأنَّ لها مرجعية قديمة غائرة في عُمقِ التركيبة اللاشعورية العربية وليستْ وليدة الساعة..لذا لا غرابة أبداً أنْيُكررَ العنفُ نفسهُ كلَّ حينٍ..لأنهُ يُحسنُ التمظهرَ جيداً أمامنا فيما نحسنُ نحنُ تتبعهُ كذلكَ وقعَ الحافرِ بالحافر فوقَ كلِّ ما يتركهُ وراءهُ من آثارٍ جرّاءَ حركتهِ الدائبة هذه..وسنظلُّ نراهُ ماثلا أمامنا دائماً مثل طاعونٍ قديم لا يختفي إلا ليظهرَ من جديد..عنفنا الذي كان وسيظلُّ أنشط موروثٌاتناالجينيةالكامنةالتيكنّانحرصُ علىتداولهافينامنجيلٍإلىجيلٍ كأسوأمايتركهُالأجدادُللأحفاد..ونجيدُدائماً اغترافهافي الوقتِ المناسب منآبار ماضينا التليد..ماضي ثوراتنا وانقلاباتنا السوداءالتي سَطّرنا فيها ملاحمَ تاريخية لم تخلو أبداً من فصولٍمُظلمة غابتْعنهاشمسُالإنسانيةِ لكثرةِ ما ملأنا صفحاتها بسطورٍ مُخزيةٍ مُلطخة بدماءِثأرٍوانتقامٍوتصفيةِحساباتتركتْ على أجسادنا ندوبها العميقة التي لا يمكنُ محو آثارها أبداً..وليس ثمة أملٌ يلوحُ في الأفق اليوم لأيِّ استثناءٍ يُطمئنُ مخاوفنا ويَعِدنا بعدم تكرار ذلك أيضاً..فأجنّة العنفِ تحسنُ الدفاعَ عن نفسها جيداً وتصارع أقسى الظروف للحفاظ على بقائها لتضمنَ السلامة ودوام التناسلإلىما هوأسوأ وأخطر..

هو مشهدٌ قاتمٌ واحدٌ تبدو صورةُ الأحداثِ فيهِ متوقفة على منظرٍ مُرعبٍ لا يريد أنْ يتغيرَ أبداً..صورةٌ تُظهِرُالعنفَ هذا كبَطلٍ أسطوريٍّ مُتوجاً بغرورهِ ألبسناهُ بأيدينا أثوابَ قداسةٍوتبجيل..ترغمنا سطوتهُ على الوقوفِبين يديهِ أفواجاًفي طوابير طويلة لنقدّمُ لهُ نسغَ دمائنا كفروض ولاءٍ وطاعةٍ ونُلقمها فمَهُ الفاغرَ ليشربَ منهادونَ أملٍ في أنْ يرتوي.. وسيكملُ لقاءَ ذلك بوفاءٍ تاريخيٍّ قديم زحفهُ المُقدسِفوق جثثنا حتى يُتوجَ رحلتهُ الطويلةِ هذهِ بالوصولِ بنا إلى مملكةِ خرابنا الموعود بسرعةٍ مُخيفة دونَ أنْ يوقفهُ أحد..


« المقالة السابقة

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق