]]>
خواطر :
إذا سمعت عويل الذئاب...يعني ذلك ، إما في المصيدة تتألمُ أو في الغنائم تتخاصمُ...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . “كلا – كلا ! لا ظلام في الحياة وإنما هي أنظارنا الكليلة التي تعجز عن مرأى النور في أبهى مجاليه(مي زيادة )   (طيف امرأه) . 

هيِّئوا التابوت ... فقد ماتت الرغبة

بواسطة: أشرف محمد اسماعيل المحامى بالنقض  |  بتاريخ: 2013-05-30 ، الوقت: 22:23:05
  • تقييم المقالة:

الرغبة يُناقضُها العزوف وما بُنيت الحياةُ إلا على مباهج الرغبة وما أُستٌقدِم الفناءُ إلا على ألحان العزوف الحزينة..

الرغبة هي  نتاجُ الأمل بينما فنتاج اليأس هو العزوف ....

الرغبة هي استثمارٌ لمباهج الحياةَ وزينتها بينما العزوف فهو إجترارٌ لآلام الحياة وقسوتها ... لكن العزوف كما الرغبة كلاهما ليسا نتيجةً ضروريةً لمباهج الحياة وقسوتها فقد تستجلب المباهجُ عزوفاً وقد تستدعى الأحزانُ الرغبات .. فكما العاقرُ الراغبة فى ولدٍ مهما طال العمرُ بها تكونُ الولَّادةُ العازفة عن متعتها بوليدها .. وكما الفقير الراغب فى مالٍ يستغنى به من فقره  يكون الغنىُ العازف عن ماله مهما بلغ ثراؤه .. انما هى فى النهاية حياة لاتستقيم يوماً ولا تهتدى أبداً الى صراطٍ مُستقيم .. فالافراح تعقبها لاريب الأحزان والغنى يتلوه الفقر والصحة يعقبها المرض والاستغناء يعقبه الحاجة والعكسُ مفروضٌ حدوثه .. هى حقاً حياة لايستقيمُ لها عودٌ ولا يستديمُ لها جناح .. فالطائر حتما لابد يوماً من سقوطه  كما الخل الوفى لابد له يوماً هو الآخر من رحيل .. انها الحياة حقيقةٌ زائفة ولاأعلم كيف للحقيقة من زيف  .. لكنها .. هى الحياة..

زخمٌ من مباخر وأعوادٌ من ياسمين وعيدانُ شموعٍ مُوقدة ودفوفٌ مضروبةٌ تتراقص عليها القلوب هنا وهناك وموسيقى جنائزيَّةٌ وأكفانُ موتى  وحنوطٌ وتوابيت هى كذلك .. نعم هى الحياة التى لامعنى لها الا بالموت ولولا الموتُ الذى ننتبه به للحياة ما صارت هى حياة ..

الناسُ صنفان يرتقى أحدهما بالعزوف ويسعد بينما فيهوى الثانى بالرغبة ويشقى ... وفى كليهما حياة ..

يصير المالُ فى الصبا رغبة وفى الشبابِ نهماً  وتولُّهاً وفى المشيبِ عزوفاً ..

تصيرُ المرأةُ فى الصبا رغبة وفى الشباب نهماً وتولُّهاً وفى المشيب عزوفاً ..

لتصيرُ المباهج المرغوبة لدى المرء ساعة مشيبه كأعواد الكبريت المُحترقة لاقيمةً لها ولا مذاق ..

لقد جاء دينُ السماء ليحد من إستطالة تلك الرغبة  وانفلات العزوف هذا بالتوازن فى العمل لأجل صحيح المفهومين بالحض على الأولى لإعمار الكون بلا استطالة وعلى الثانية للإستعداد للآخرة بلا إنفلات ..

لذا فقد هذَّب من مباعث الرغبة بعدم بيع آخرة المرء بدنياه بوضع ضوابط للرغبة  من الحل والحُرمة والنُصح الالاهى والنبوى العظيم ..

فقال تعالى فى سورة الحديد (اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (20))

وقال تعالى فى سورة يونس : (إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (24) ) 

وقال تعالى فى سورة الكهف : (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا (45) )..

وقال (ص) :( كُنْ في الدُّنيا كأنّك غريبٌ أو عابرُ سبيلٍ واعْدُدْ نَفْسَك في الموتى) ...

 وقال : (حُفَّت الجَنَّةُ بالمكاره وحُفَّت النَّارُ بالشهوات  ) ..

وقال : (الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ وَجَنَّةُ الْكَافِرِ )..

 وقال: (اعمل للدنيا كأنك تعيش أبدا واعمل للآخرة كأنك تموت غدا )

 وقال :( حلاوة الدنيا مرارة الآخرة و مرارة الدنيا حلاوة الآخرة ) ..

هنا عالج الاسلام وبعبقريته الشديدة النفس الانسانية بين مصارع الرغبة ومطارح العزوف فخلق نوعاً من التوازن النفسى والخُلُقى ليكون التابوتُ فى النهاية غير مخيف بل ليصير مُحبَّباً للمرء إذا ماعمل لآخرته ولم يركن لمباهج الرغبة ولذَّتها ..

التابوتُ هو الحقيقة الوحيدة غير الزائفة التى يترقبها العُقلاء فلا تبارح أذهانهم منذ خُلِقوا وحتى يرحلون ولاتتغير صورته لديهم مهما تزيَّنت لهم الرغبات وتجمَّلت لهم المباهج .. ليرتقى المرءُ فى سبيل وصاله مع خالقه شيئاً فشيئاً ليصير من الرغبات أبعد ومن العزوفِ أقرب .. لينتبه وهو فى معيَّة الله الواحد البرُ الرحيم  تتغشاهُ الرحمة من كل جانب وفيوضات الربوبية من كل سبيل حين يأمر من حوله قائلاً لهم : هيِّئوا التابوت .. فقد ماتت الرغبة ..  


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق